دروس من الثورات العربية

بقلم/
مصر : 28-3-2019 - 6:13 م - نشر

دروس من الثورات العربيةالعاقل يتعلم من كل شيئ إيجابى أو سلبى فى الحياة، والجاهل تمر عليه الأحداث الكبيرة كالصغيرة مرور السحاب، لا يتعلم منها شيئا ولا يستفيد مما تحمله من خير وبركة.  أقول هذا الكلام بمناسبة الثورات كبيرها وصغيرها فى العالم العربى والاسلامى.  هناك دروس عديدة من الثورات الكبيرة أو الأم، وخصوصا ثورة ١٩١٩ العظيمة، وما نتج عنها أو بعدها من ثورات وانتفاضات، ومنها مؤخرا ثورات الربيع العربى، والموجة الجديدة من ثورات رافضة للتسلط والاستبداد والتأبيد فى الحكم ، كما هو حاليا فى السودان والجزائر، حتى لو غاب الحاكم عن الوعى وأصبح عاجزا عن الحركة.  أقول هذا الكلام وذلك بعد مرور مائة سنة على ثورة ١٩١٩. ونحن ينبغى أن نستخلص من كل ذلك عدة دروس فى مقدمتها:

أولا: الوحدة الوطنية، ونعنى بذلك ضرورة الوقوف صفا واحداً فى وجه التحديات جميعا وفى المقدمة الاحتلال والاستبداد سعيا للاستقلال والحريات. الثورة لا تكون شعبية -كم أظن- إلا إذا كانت تمثل الشعب بأكمله، يشترك فيها المواطنون جميعا، المسلم منهم والمسيحى، المتعلم وغير المتعلم، الرجال والنساء، الغنى والفقير لأن الجميع يشعرون بالضرر من الاستبداد والظلم والتخلف وسوء الادارة، والخوف على المستقبل، حتى لو كانت لقمة العيش متوفرة فى الوطن، أما إذا لم تكن هذه الضرورة متوفرة فالامر يكون أسوأ، وخصوصا مع كثرة النعم والامكانات المهدرة أو التى تذهب هباءاً بسبب سوء تقدير الاولويات أو الهيمنة، حيث تكون المصيبة أكبر. ولذلك يرى المصريون أن تعانق الهلال والصليب فى الأزهر، كان من أسباب النجاح الذى حدث فى ثورة ١٩١٩، وإن لم يكن كاملا.

ثانيا: الثبات فى الموقع والموقف، حتى تتحقق الأهداف والمصالح الكبرى، وإعطاء كل ذى حق حقه، حاكما أو محكوما، ظالما أو مظلوما. الثورات تحتاج إلى ثبات يضمن للثورة الاستمرار قبل الاستقرار، وخصوصا السياسى، وحتى ينهزم الظلم، ويضعف أو يتلاشى الاستبداد. وهى ليست عملية سهلة ولا قصيرة، وليست نزهة كما قد يظن بعضهم، لأن الثورة المضادة لن تقف مكتوفة الأيدى، وأنصارها سيظهرون فى الوقت الحرج، وأحيانا يكون لديهم من الحيل والمكر والدهاء ما لا يفهمه أو لا يقدر ضرره، أصحاب الثورات كما حدث فى بعض ثورات الربيع العربى ومنها ثورة يناير فى مصر. وقد رأيت ذلك بعينى فى مصر آنذاك. رأيت كيف غرت عملية تنحى مبارك وتكليف المجلس العسكرى بإدارة شؤون البلاد، كثيرا من الثوار، فرقصوا وكأنهم حققوا كل المطالب، بل إن بعضهم كان يسعى لطرد الثوار، ويهدد من يبق فى الميدان. ورأينا ذلك اليوم كذلك، فى استجابة بوتفليقة لعدم الترشح لعهدة خامسة فى الجزائر، ولكنه يبق فى المشهد من خلال واجبات فصلها على مقاسه أو فصلها له غيره من وراء الستارة، ليدير تلك المرحلة الانتقالية، والله تعالى أعلم ماذا ستكون عليه الأوضاع أو المصير بعد إنصراف الثوار.

ثالثا: فى الثورات يجب أن يتحمل كل مواطن أو كيان، مسؤوليته بشجاعة وإنصاف وعدل، ولا يلقيها على الآخرين، حتى على الأعداء أو المخالف للرأى. تتحملها الاحزاب والاتحادات والنقابات وكل المؤسسات التى تؤمن بالحريات وحقوق الانسان وكرامة المواطن، والتى لا تقبل العبث بمستقبل الشعوب والأوطان، فتقف ضد الاستبداد والظلم فى اللحظة المناسبة، ولا تخرج من الثورة إلا فى اللحظة المناسبة، التى يقررها الجميع بالتشاور وليس فريق واحد مهما كانت قوته أو إمكاناته، ولاتساوم على مستقبل الأوطان وسلامتها أو حريتها أو حقوق المواطنين فيها، ولا تخضع للاستبداد ولا للابتزاز ولا المكاسب المؤقتة السريعة الناقصة، وبما لا تخلف ضررا أكبر للوطن.

رابعا: التعامل مع الثورة المضادة سواء أكانت قوى محلية، مضللة أو واهمة أو كانت قوى خارجية إقليمية أو عالمية. وهذا يحتاج إلى فهم القوى المؤثرة فى قضايانا الوطنية وحتى لا يكن أهل الثورة كما يقول الشاعر:
كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها …. فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

خامسا: تقدير القوى المؤثرة فى التغيير، وإدراك سنن النجاح والفشل سواء بسواء. ولنا فى قضية الافغان عبرة بعد هزيمة السوفيات، ثم التنازع على السلطة، ثم إسناد السلطة إلى دوائر من خارج المجاهدين، ثم الصراع الدامى،  بل الاحتلال الامريكى الجديد الذى تصدت له جماعة الطالبان، رغم تحفظات عديدة على طريقه فهمهم للاسلام وممارساتهم فى إدارة الدولة، عندما جاءوا إلى الحكم بالقوة، وطردوا من كابل، من يمثل المجاهدين آنذاك. أقول للثوار فى كل مكان، خذوا حذركم من الأمريكان، وهم يريدون فرض سيطرتهم على أفغانستان بعد هزيمة السوفيات. أو وهم يسعون إلى الهيمنة على العالم كله، وخصوصا الارادة العربية لصالح الصهيونية. خذوا حذركم من الأمريكان وخصوصا أيام ترامب حتى تنتهى.

سادسا: النجاح فى كسب ثقة الشعوب، الثورات تمثل الشعوب وتقوم بها فئة أو فئات تمثل الشعب تمثيلا صحيحا، وحيث يشترك فيها الليبراليون والقوميون والاشتراكيون والاسلاميون وغير ذلك من فئات  الشعب العديدة، وليس فقط تلك الفئات المظلومة أو المقهورة أو الفقيرة، حيث أن الشعوب الأبية تطمح فى العدالة والكرامة والحريات وحقوق الانسان والسعى لتشكيل المستقبل والاسهام القوى فى ذلك، فضلا عن لقمة العيش وصولا إلى الانتعاش الاقتصادى.

سابعا: مشاركة المرأة فى الثورة، المرأة نصف المجتمع، ومشاركتها لا غنى عنها لنجاح الثورات كما حدث فى الربيع العربى. وقد كان وقوف المرأة إلى جانب الرجل مصدر قوة وإلهام فى ميدان التحرير، وجميع الميادين فى مصر، استشعارا لمسؤوليتها وواجبها الوطنى، حيث أن الظلم لا يقع على صنف الرجل وحده، ولا على فئة دون أخرى، وكرامة الأوطان مسؤولية المواطنين جميعا، وكم رأينا ولانزال نرى أثر إسهام المرأة ومشاركتها فى الانتفاضات والثورات وخصوصا فى فلسطين.

ثامنا: قد تحقق الثورات كل أهدافها، ولكن على فترات طويلة حسب تماسك القوى الوطنية، وفهمها للأولويات مهما طالت المسيرة، والخروج من الصراع الهادم إلى الحوار البناء مع احترام جميع الآراء، وتحقيق رغبات وتطلعات الشعوب، فالثورة لا يمكن أن تكون هدفا فى حد ذاتها. وهذا المفهوم؛ مفهوم الأمة الواحدة والجماعة الوطنية الواحدة بل والزعامة الواحدة ضرورة من ضرورات الاستقلال وتحقيق الأهداف.

تاسعا: ما أجمل التعلم من الأخطاء وليس القفز عليها، فى الفكر أو الممارسة، وهذا من أهم أسباب التطور والتحسين بل والتصويب. تصويب المسار وأراه ضرورة من ضرورات وأسباب تحقيق النجاح، إذ أن الجمود على الأخطاء إستسلام للفشل مرارا وتكرارا، وهذا ما تشير إليه الدراسات العديدة عن الثورات والانتفاضات.

عاشرا: أهداف الثورات، عادة ما تكون جميلة وجاذبة، ولكنها فى الوقت ذاته لا ينبغى أن تكون خادعة، وعلى جميع المشاركين أن يتحملوا مسؤولياتهم وأن يفرحوا لنجاحاتهم، وأن يتحملوا تبعات كل ذلك بقوة وثبات، دون البحث عن مبررات خادعة أو هروب ضيق أو السعى لتحقيق نجاح كالسراب.

وبالله التوفيق.

د. كمال الهلباويكاتب وسياسي مصري

Copyright © 2019 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © 2019 AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق