الواقع العربي المعاصر

بقلم/
أحمد أرنب
مصر : ٦-۱-۲۰۱۵ - ۹:۱۱ ص

إن ما يقاسيه العالم العربي، على الرغم من كل التعقيدات التي تشوبه، يرجع إلى المفاهيم المغلوطة والازدواجية في المعايير. وآملُ في هذا المقال إلى التطرق بشكل مقتضب إلى بعض ما لمسته من هذه المعضلات التي صبت على رأس أجيالٍ وأجيال الكثير من الويلات.

أولا: المفاهيم المغلوطة:

وأبرز ما تتجلى فيه هذه المفاهيم المغلوطة هو في أساسيات الحياة التي يتشربها الطفل منذ نعومة أظفاره الأمر الذي يجعل من الإصلاح أمراً شبه مستحيل، كما أنه جرّ ورائه سُباتاً وتبعية مُحكمة القيد. ولكي لا أطيل سأذكر بعضاً من هذه المفاهيم:

١- المؤامرة: إذ أن كل أسس التفكير والتحليل المنطقي تقوم على نظرية المؤامرة. ومع أن الإسلام ينهى عن سوء الظن إلا أنه هو السمة الأبرز في تعاملات العرب مع بعضهم البعض ومع الآخرين. ففي تعاملاته مع بني جنسه، يعتقد العربي بأن ذلك ضمانٌ لحقه وأن الكل يترقب منه سهوة حتى ينهش لحمه، أما في تعاملاته مع الأجنبي فهو يعتقد بأنه محور هذا الكون وأن كل ما يجري في هذا الكون هدفه النيل منه حتى باتت أهم الاختراعات المعاصرة كالإعلام سلاحاً للنيل من العروبة. وهذا برأيي ما جعل من القضية الفلسطينية قضية منسية، حيث ربط العرب كل ما يدور في غرف السياسة مؤامراتٍ على الأراضي المحتلة، فنشأت الأجيال على الخوف من كل تلكم المؤامرات المختلقة فخضعت وركنت عن الدفاع عنها لهول ما صور للمطابة بها من تبعات.

٢- الفوقية: فلا ترى شعباً يعتز بنفسه بقدر ما يفعل العرب، وليس في الاعتزاز من عيب لكن شريطة ألا يكون أجوفاً، أي لابد من مدعاةً لذلك الاعتزاز. وليت شعري كيف للعرب أن تفخر في شيء في يومنا هذا وهم في آخر الركب حضارةً وفكراً ولإن كان في الماضي بعضٌ من عز، فإن ذلك لا يعني أبداً أن نتكأ عليه بل ينبغي أن يكون أساساً لنهوض مستمر.

٣- الهدف: إذ بات الهدف لدى العرب اليوم اللهث وراء الماديات الزائفة الزائلة وينطبق ذلك على الفقير منهم والغني. فالفقير بات يحلم من تلك الماديات ما ينبغي أن يكون من أبسط حقوقه كالمسكن والمطعم والملبس، في حين أن الغني بات مصاباً بهوس الشراء بدعوى مواكبة التطورات التقنية فأصبح ينفق جل ماله على قشور الحضارة من سيارات فارهة وأجهزة إلكترونية يقتصر استخدامه لها على عُشر ما صنعت له. كما نرى ذلك أيضاُ في ضياع الهدف الأسمى في حياة الكثيرين، حيث انحصرت أهدافه في الحرث والنسل.

٤- التعصب: فما أن يقرأ أحدهم مقالاً في السياسة حتى يصبح محللاً أو زعيماً سياسياً ويتعصب لهذا الرأي أو ذاك، أو أن يحفظ سورة من القرآن حتى يصبح داعية أو مفتياً فيكفر أو يعلن الحرب على كل من يخالف رأيه أو مذهبه. وهذا للأسف إحدى تبعات القبلية التي ورثه العرب من أجدادهم.

٥- الخلط بين المفاهيم: فالحرية عندهم هو استباحة كل محرم أو ممنوع، والصواب ما اعتادوا عليه والمنطق زندقة والحوار صراخ ولّيُّ أعناق، والتنمية البشرية مضيعة للوقت والجمال للشهوة واللطف جبن والتحرر الفكري عبث…. وغيره ما لا تحصيه الكتب والمجلدات.

ثانياً: ازدواجية المعايير:

و من الجليّ أن كل تلكم المفاهيم المغلوطة لابد أن تنتج اضطرابات شخصية كبيرة وأوضح ما تكون في ازدواجية المعايير.

١- الانتماء: فهل ينتمي إلى الماضي الغابر الذي يستقي منه الافتخار أم يمشي خلف القطيع في متاهة النصف تحضر؟ أو هل ينتمي إلى أجداد لم يعد يرى في حاضر أبنائهم إلا الذل والمهانة أم ينتمي إلى من يضمن له خارج أرضه مقومات الكرامة التي نسيها؟

٢- فقدان الشخصية: فلا يدري أمتفائل هو أم متشائم من واقعٍ عجز حتى أكبر دعاة الإصلاح عن تغييره؟ أو هل هو إنسانٌ كامل الإنسانية أم هو كائنٌ بين الآلة الصماء وبين الحيوان اللاهث خلف نزواته؟

٣- ضياع البوصلة: فما عدنا ندري من هو عدونا ومن هو صديقنا وما هو ديننا وما هو مذهبنا، كل شيء عِرضةٌ للتغير حسب ما تشاء المصالح وما تفرضه علينا الظروف.

٤- النفاق: إذ بات بحوزة كل منا مئات الأقنعة نحملها على ظهورنا ونبدل بينها لنرضي بها من حولنا ونقنعهم بأننا على خطاهم.

٥- الأخذ بالظاهر: فلا أحكم عليك بجوهرك وإنما أنقد مظهرك حتى أصبح المظهر البراق أحد معدات اللصوص والدجالين.

أخيراً لا أجد سوى الحسرة تعبيراً عن واقعٍ مرير ينتظر دعوات كل الرسالات والنبوات حتى تنتشل أمةً ضحكت من جهلها الأمم.

أحمد أرنبSyria

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق