المياه والأمن القومي العربي – جزء ٤

بقلم/
مصر : 4-11-2010 - 7:50 ص - نشر

المياه والأمن القومي العربي - جزء ٤مصر والسودان وحوض النيل..

هناك علاقة مباشرة بين الأمن القومي العربي ومسألة تأمين مصادر المياه، وإذا كان الأمن العام لدولة ما هو إلا الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة لتحافظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، فإن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخليًّا وخارجيًّا هو أمر سطحي وضيق، لأن الأمن العسكري هو وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى.

فهناك الكثير من الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب بالطبع، مسألة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب.

وإذا أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العالم العربي لوجدنا أن الأمر مفزع، ذلك أنه إذا كان من يمتلك غذاءه يمتلك قراراه، فإن وجود فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي 60 مليار دولار سنويّا هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية، مما يمثل مشكلة خطيرة، بل ونسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الإستراتيجية في مجال الغذاء لا تزيد عن 39%، وهذه النسبة لها أهميتها، ونراها في حالة الدول ذات الأهمية في المنطقة العربية مثل مصر التي يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح 27%.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن السوق العالمية للقمح تتشكل من دول ذات توجهات سياسية ومتعارضة معنا، لأدركنا فداحة المشكلة، فالدول الكبرى المسيطرة على سوق تصدير القمح هي "أمريكا، كندا، أستراليا، السوق الأوربية المشتركة"، حيث يمكنها التكتل في احتكار للتحكم ليس في تصدير القمح فقط، بل وفي أسعاره كذلك.

وهكذا فإن المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء، حيث إن الماء هو العنصر الأساس للزراعة القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية، وبالطبع لا تقتصر أهمية الماء على مسألة الزراعة، فالماء ضروري للتصنيع أيضا، فضلاً عن أهميته لتلبية الاستهلاك البشري المباشرة من مياه شرب وغيرها، وليس عبثا بالطبع أن تكون معظم الحضارات قد نشأت حول مصادر المياه.

ومشكلة المياه في الوطن العربي ذات أبعاد كثيرة، فالوطن العربي يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن 1% من المياه المتجددة في العالم، ونصيب الفرد العربي من المياه 1744 مترا مكعبا سنويا، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 12900 متر مكعب سنويًّا، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين 5-450 مم سنويًّا، في حين يتراوح في أوربا مثلاً بين 200-3000 مم سنويًّا، وتمثل الصحارى في الوطن العربي مساحة 43% من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي، وحجم الموارد المائية المتاحة تبلغ 338 مليار مترا مكعبا سنويًّا لا يستثمر منها إلا 173 مليار متر مكعب، في حين أن الوطن العربي يتطلب لتلبية احتياجاته من المياه، إذا أحسن استخدامها وتم عمل خطط لسد الفجوة الغذائية، إلى حوالي 500 مليار مترا مكعبا من المياه سنويًّا.

والموارد ومصادر المياه في الوطن العربي تتمثل في الأمطار والمياه السطحية "الأنهار" والمياه الجوفية، ولعل المشكلة حول المياه السطحية "الأنهار" هي الأهم، فالمياه السطحية المتاحة حاليًا للوطن العربي تبلغ 127.5 مليار متر مكعب سنويًّا، تحوز ثلاثة أقطار عربية حوالي 71% منها، هي مصر والعراق والسودان، ومن المفروض أن يزيد حجم الموارد السطحية ليصل إلى 256 مليار متر مكعب من المياه، أي ضعف ما هو متاح حاليًا عن طريق مشروعات الري والسدود مثل قناة جونجلي في السودان.

وإذا أدركنا أن 67% من مياه الأنهار "المياه السطحية" في البلدان العربية تأتي من خارج بلادهم، لعرفنا حجم ما يمكن أن يحدث من مشكلات إذا قام العرب بعمل تنمية أو سدود تؤدي إلى زيادة مواردهم، وعلى سبيل المثال فإن نهر النيل ينبع من إثيوبيا "النيل الأزرق"، وبحيرة فكتوريا "النيل الأبيض"، ويمر في تسع دول إفريقية هي "إثيوبيا، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، والكونغو، والسودان، ومصر"، ويقطع مسافة من أبعد منابعه على روافد بحيرة فكتوريا نيانزا في قلب إفريقيا إلى ساحل رشيد على البحر الأبيض المتوسط في مصر حوالي 6700 كم.

فهناك عدة مناطق من العالم مجاري مائية عابرة للحدود وهو ما يطلق عليه تقرير التنمية مفهوم "الترابط الهيدرولوجي". ولتجسيد قوة هذا الترابط أورد التقرير إحصائية توضح بأن كل اثنين من خمسة من سكان العالم يعيشون في أحواض مياه دولية تشترك فيها أكثر من دولة، وعلى سبيل المثال تشترك 9 دول في نهر الأمازون، و11 بلدا في نهر النيل.

وإذا كانت السنوات الأخيرة قد صعدت من خطر تنامي صراعات يكون التنافس على الماء أحد عواملها، فإن التقرير يرى أن هذا التخوف مبالغ فيه، ويشدد معدو التقرير على أن حالات التعاون لحل مشاكل المياه العابرة للحدود أكثر بكثير من حالات الصراع، وأحسن مثال على التعاون في هذا المجال ما تقوم به دول الاتحاد الأوروبي في مجال إدارة مجاريها المائية المشتركة.

كما أن برنامج التعاون بين جنوب إفريقيا وليسوتو سمح بتحقيق عائدات كبيرة لفائدة ليسوتو وتمكين جنوب إفريقيا من تحسين تزودها بالمياه، ونفس التجربة تعيشها كل من البرازيل وباراغواي في مجال التعاون لتوليد الطاقة من خلال المياه العابرة للحدود.

لكن بعض المناطق من العالم لم تحسن تعزيز التعاون وأدى ذلك بها إلى كوارث بيئية واقتصادية مثلما هو الحال في بلدان آسيا الوسطى وبالأخص في بحر آرال الذي تحول إلى أكبر كارثة بيئية، أو الإفراط في استهلاك بعض المجاري المائية مثلما هو الحال في بحيرة تشاد.

وعما إذا كانت الصراعات حول المياه ستزيد من تفاقم الصراعات الدولية، يرى التقرير أنه "خلافا للنظرة التشاؤمية حول نشوب حروب المياه، فإن الصراع من أجل المياه يبقى الاستثناء وليس القاعدة".

ويورد تقرير التنمية البشرية أن الخمسين عاما الماضية عرفت 37 صراعا مسلحا بسبب المياه، ولكن هذه الصراعات كانت صراعات بسيطة، لكن في نفس الوقت شهد العالم أكثر من 200 اتفاقية حول المياه، وقد ظلت بعض تلك الاتفاقيات سارية المفعول حتى إبان قيام صراع مسلح مثلما هو الحال بالنسبة لنهر السند بين الهند وباكستان.

وينتهي معدو التقرير إلى التوصية بضرورة تعزيز التعاون بين الدول وقيام مبادرات إقليمية لتسيير الموارد المائية المشتركة مثلما هو الحال في مبادرة حوض النيل.

نبدأ في هذه الدراسة في مصر والأزمة الحقيقية التي تتعرض لها، فمصر هي هِبة النيل، وما زال نهر النيل يلعب الدور الأساسي في حياه مصر في الحاضر وعبر التاريخ.

فعلى ضفاف النيل قامت الحضارة الفرعونية التي نهضت عبر آلاف السنين، فنهر النيل هو أبرز وأهم الموارد المائية في أفريقيا.

حقائق أساسية وأرقام عن حوض النيل ومياهه

نهر النيل: نهر النيل الذي جاء اسمه من كلمة "نيليوس" اليونانية، وتعني وادي النهر، هو أطول أنهار العالم، ويمتدّ النيل 5584 كيلومترًا من بُـحيرة فيكتوريا إلى البحر المتوسط ويغطِّـي مساحة ثلاثة ملايين و349 ألف كيلومتر مربع على الأقل، ويبلغ متوسط تدفّـق مياهِـه حوالي 300 مليون متر مكعّـب يوميًا.

المصادر: يجري النيل الأبيض شمالا من بحيرة فيكتوريا في كينيا، وهي أكبر بُـحيرات إفريقيا، ويمُـر عبْـر أوغندا إلى السودان، حيث يلتقي بالنيل الأزرَق عند الخرطوم ويواصل النهر بعد ذلك جَـريَـانه شمالا باتِّـجاه مصر.

معدّل سقوط الأمطار على الحوض: يبلغ المتوسط السنوي لسقوط الأمطار على حوض النيل حوالي 650 مليمترًا، أي حوالي 10% من المتوسط بالنسبة لوادي الرّاين في أوروبا، ويمثل سوء إدارة المياه مشكلة في الحوض أيضا، حيث يُـضيِّـع 30% في المتوسط من كِـمية الأمطار على المِـنطقة، قبل أن يمكن استخدامها بصورة مُـنتجة، وتحصل مصر على 87% من حاجاتها المائية من النهر، حيث يكاد ينعدِم سقوط الأمطار عليها ما عدا على امتداد ساحل البحر المتوسط وبعض مناطق شِـبه جزيرة سيناء.

دول حوض النيل: دول حوض النيل العشر هي: بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والسودان ورواندا وتنزانيا وأوغندا، وتسقط الأمطار بمعدّل كبير، نسبيا، على بوروندي الجبلية وأوغندا وتنزانيا إلى جانب جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، التي توجد بها أيضا موارد مياه وافرة. ولا يقع من أراضي كينيا شِـبه القاحلة داخل الحوض، سوى عشرها، لكن يعيش على مياه النيل 40% من سكان كينيا.

وتسقط الأمطار بمعدّل مرتفع على إثيوبيا وإريتريا، لكنها أمطار موْسِـمية في العادة وتستمر أربعة أشهر من العام فقط، وتُـساهم إريتريا بقدْر صغير في المياه الجارية بنهر النيل، وهي الوحيدة من الدول العشر غير العُـضو في مبادرة حوْض النيل، وهو برنامج يرعاه البنك الدولي أنشئ للمساعدة في إدارة مياه النيل.

خصائص الحوض: يتدفّـق نهر النيل عبْـر ست من أفقَـر دول العالم ويعيش في حوضه حوالي 300 مليون نسمة، أغلبهم في مناطق ريفية، ويضم الحوض أيضا بعضاً من أكبر مدن إفريقيا، مثل: دار السلام وكمبالا ونيروبي وأديس أبابا والخرطوم والقاهرة، وتسهم القاهرة وحدها بحوالي 10% على الأقل من العدد الإجمالي لسكان حوْض النيل.

النمو السكاني: يزيد النمُـو السكاني الضغْـط على موارد المياه ويفرض طلبا أكثر إلحاحا لإدارة أفضل ومراجعة لكيفية تخصيص حِـصص مياه النيل، لكن نظرا لتنوّع الاحتياجات الاقتصادية والعِـرقية والاجتماعية في المنطقة، يشير المحلِّـلون إلى أن اتِّـخاذ مثل هذا القرار، سيكون صعبا.

الاستخدامات: تختصّ الزراعة بحوالي 80% على الأقل من كل استهلاك المياه في الحوض، ويدعو الخبراء لاستخدام أفضل وأكثر تكاملا لموارد المياه، ويقولون إن كثيرا من الدول كانت بطِـيئة في تبنِّـي تِـقَـنيات ريّ محسنة، وما تزال الطريقة الأكثر شيوعا الري بالغمر، التي ثبت عدم كفاءتها وإهدارها للمياه.

صفحة ١ من ٤ الصفحة التالية ←

محسن الخزندار فلسطين

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

صفحات المقال: 1 .. 2 .. 3 .. 4 ..

سلسلة المقالات:

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق