يا أهل مصراتة تعلمنا منكم معنى الحرية

يا أهل مصراتة تعلمنا منكم معنى الحرية

خليل الأغا

كاتب وصحافي مقيم في لندن. باحث في شؤون الاعلام والشباب ..محب لوطني العربي الاكبر وعلى رأسها مصر وتونس وليبيا ..ومن قبل فلسطين

قبل السابع عشر من شباط (فبراير) كنت أعتقد أني أعرف من هم الليبيون. لم أعش في ليبيا ولكني زرتها مراراً، ومن خلال مشاهداتي وإحتكاكي بعدد من الليبيين حتى خارج ليبيا كونت فكرة عابرة عن من هم الليبيون. شأنهم كشأن أي شعب عربي آخر نتعامل معهم في مواقف مختلفة ونكون رأيا معيناً. وكذا كان الحال بالنسبة لمصر وتونس، مع فارق أن إحتكاكي بمصر كان أكبر من غيره بحكم كون مصر ممرنا إلى العالم. وكذلك بحكم العلاقات المتميزة بين الشعوب، فضلاً عن كون مصر قلب العروبة الذي عاد ينبض من جديد بعد دخوله الإنعاش عقوداً كئيبة.

حين إنطلقت شرارة الثورة الليبية، لم أخذها على محمل الجد حقيقة، لإعتقادي أنها “زوبعة في فنجان” وربما تأثراً بمحيطها الشرقي والغربي مصر وتونس. ولظني أن الليبيين يدينون بولاء كبير للعقيد العتيد، بعد أن اغدق على كثير منهم بعطايا مختلفة، ومن لم يخنع بالعطايا أرهبه بجبروته وسطوته. وهكذا حتى لم أكن أتابع الشأن الليبي إلا من خلال عملي المعتاد في الصحافة.

بعد مضي عدة أيام، وتحديداً تزامنا مع معركة أهل بنغازي العزل مع كتائب القذافي المتمركزة في قاعدة “الفضيل بوعمر” وتواتر أخبار سقوط الشهداء بأعداد كبيرة، لفت الأمر إنتباهي وبدأت أعتقد أن الأمر دخل مرحلة جدية. المؤشرات الأولى لم تكن كافية لجذب الإهتمام فعلياً، لكن معركة يذهب ضحيتها عشرات من الشباب كانوا يواجهون بصدورهم العارية مضادات الطائرات، جعلتني أجلس إلى كمبيوتري المحمول لأتابع الحدث لحظة بلحظة. ومنذ تلك اللحظة، حفظت المدن الليبية عن ظهر قلب بل وحفظت أسماء قادة وسياسين، وشوارع و”زنقات” وأنواع اسلحة ومواقع إخبارية على شبكات التواصل الإجتماعي.

لأكون صادقاً أصبحت أتابع الشأن الليبي دقيقة بدقيقة بعد تدعيم هذا الإهتمام بالتقنيات المتوفرة والتي تتيح متابعة على مدار الساعة. كان هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للثورة المصرية. لكن بشاعة تعامل القذافي مع الشعب الليبي الذي أعرف عنه بساطته وطيبته، جعلتني أقف مشدوها وأنا أسمع عن صواريخ “غراد” وراجمات صواريخ ومدافع مضادة للطائرات.. ليس على جبهة القتال وإنما ضد مدنيين عزل، إضطرتهم بشاعة الإجرام الفاشي القذافي إلى حمل السلاح وغالبهم لا دراية له بحمل السلاح، فضلاً عن عدم درايتهم بتكتيكات المواجهات، وأي مواجهات.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الإنقسام السلوكي والفكري

كل المدن الليبية قدمت وتفاوتت في إبداعها للمقاومة، ولن ننسى في هذا المقام مدينة الزاوية، تلك المدينة الصغيرة الوادعة التي تتهادي على صفحة المتوسط بتاريخ عريق. تلك مدينة بكيت لها مرتان؛ الاولى حين رأيت شيبها وشبانها يعتزون بمواجهتهم لأزلام القذافي فوق دبابة إستطاعوا اعطابها بأدوات بسيطة ويهتفون للحرية. والثانية حين علمت أنها سقطت بعد مقاومة بطولية دامت لنحو ٢٥ يوماً. لم تمت المقاومة في الزاوية، فهي بالتأكيد باقية في صدور أهلها ولن يطول بهم المقام على هذا الحال.

اما مصراتة، فعذراً يا مدينة الشهداء. ظلمتها حين إعتقدت انها كباقي المدن الليبية. هي ليست كذلك. ومع أني قادم من بين ظهراني شعب يقاوم منذ اكثر من ستين عاما، لكن مقاومة أهل هذه المدينة علمتني أنني لا زلت طفلاً في مدرسة الحياة. هي ليست مقاومة عادية على الإطلاق.. إنها مقاومة عنيدة، ذكية، صلبة ومنظمة لدرجة أذهلتني. إذ رغم القصف العنيف والعدد الهائل من الدبابات التي باتت ركاماً في أرجاء المدينة وضواحيها، والتي رمتها الدبابات بحممها في كل الاتجاهات، ورغم جيش القناصة المرتزقة، فإن كل ذلك لم يفت في عزيمة مقاتليها للحظة. لم يفوتوا يوماً من دون تحقيق إنتصار، والأروع من ذلك أنهم لم يفوتوا يوماً من دون توثيق ما يحدث، إعلام قام عليه شبابها، ظل فاعلاً من تحت القصف ومن بين طلقات القناصة لدرجة أثارت دهشتي وودت لو عرفت سر هذا النشاط. وبالتأكيد سأذهب إلى تلك المدينة يوماً (إن شاء الله) وأكتشف هذا السر.

مدينة بلا ماء ولا كهرباء ولا غذاء إلا ما يتقاسمونه بينهم. مدينة بات وسطها كأنه من ضواحي هيروشيما، تحت حصار محكم، مستشفاها المركزي الذي يخضع للصيانة منذ ٣ سنوات بات قاعدة لقوات الظلم الفاشية تطلق منها سيل حممها على كل شبر في المدينة. باتت اجزاء كبيرة منها مهجورة إلا من مقاتلين باسلحة بسيطة وهمة هادرة يحاولون ما استطاعوا دحر قناص هنا او عربة هناك.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الجيش والثورة.. ثاني مرة

المفاجئ أنهم رغم دمار المدينة الهائل وأعداد الشهداء التي جاوزت الألف وخمسمائة وعتاد عسكري بسيط، إستطاعوا جعل غالب المدينة حصينة من تواجد قوات القذافي الفاشية. وهو ما دفعه إلى ضربها على مدار الأيام الاربعة الاخيرة بصواريخ “غراد” إنتقاما من كل شيء في المدينة؛ البشر والحجر والشجر.

ورغم بشاعة آلة القتل والتدمير القذافية التي نافس فيها إسرائيل في غزة، ورغم بشاعة الصور التي تنقل إلينا من هناك، لا نرى إلا تصميماً وعزماً في عيون صغيرهم قبل كبيرهم. وما قاله جدهم المختار يوماً “نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت” جسده أهل هذه المدينة العظيمة بدمائهم وعرقهم وعزمهم.

مصراتة تعلمنا اليوم جميعاً فصلاً جديداً في معنى الحرية.

خليل الأغا بريطانيا

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]

هذا المقال له 15 تعليقات

  1. Avatar
    عبد المجيد المجدوب

    الله أكبر و لله الحمد … و الله فخوور كوني من مدينه مصراته ,أحد أحفاد رمضان السويحلي الذي أذهل الطليان و ها اليوم أحفاده يعاودون التاريخ نفسه … و لن ننسي شهدائها و شهداء مدينه الزاويه و الجبل الغربي و المدن الشرقيه في ليبيا …. ان شاء الله ان مدينه مصراته لن تسقط في يد الطاغيه القذافي …
    و يا أخي بالله عليك لو زرت مدينه مصراته رجاءا منك ان تتصل بي وهدا ايميلي 
    Mg_goodman2002@yahoo.com
    و تفضل المدينه مدينتك يا اخي الكريم .
    و شكرا جزيلا علي هذه المقاله الرائعه.

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اخي عبد المجيد: اشكر لك رغبتك في التواصل والاستقبال في ليبيا الحرة. تأكد ان يسأتواصل معك متى ما زرت مصراة الابية. حق على كل زائر لليبيا ان يمر على مصراتة. تقبل تحياتي

  2. Avatar
    ليبي حر

    السلام عليكم.. مع اني من سكان منطقة الجنوب التي لا استطيع ان اشفع لسكوتهم وارضاخهم امام الطاغية القاتل الجرذافي ولكني من اشد المعجبين بشجاعة وبسلاة وصمود اهل مصراتة.. والله انهم لمدرسة في القتال والجهاد وخصوصا عندما رايت كمين الشاحنات المملؤة بالرمال والله ازددت فخرا بكوني ليبي وهؤلاء مجاهدين ليبين يربطنا نفس الانتماء وكم تمنيت ان اكون من اهل مصراتة لافتخر بنفسي امام العالم كوني من هذه المدينة المجاهدة.. وهذا وعد مني لازور مصراتة واقبل ترابها الغالي المبتل بدماء شهدائها شهداء العزة والكرامة.
    مع العلم اني لم اتوقع يوما ان يقوم اهل مصراتة بالتظاهر لان اهل مصراتة والكل يشهد بانهم تجار ومرتاحين ماديا حتى هنا في سبها التجارة كلها عن طريق تجار مصراتة.. والليبيين كلهم يشهدو بان مدينة مصراتة تحتوي على افضل بنية تحتية واكثر مدينة منظمة في ليبيا افضل حتى من العاصمة طرابلس.. فلك الله يا مصراتة.. اللهم احفظها وارحم شهدائها.

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اخي ليبي حر: كونك من الجنوب لا يقلل ابدا من فخرك لانتمائك لهذا الشعب الغظيم الذي يبذل الغالي والنفيس من اجل ان يتنسم الحرية. الوطن كل واحد وانجازات ابنائه هي لكل ابناء الوطن. لك الود

  3. Avatar
    مصراتية حرة

    باذن الله مصراتة ستكون مقبرة الخونة والمرتزقة.

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اختي مصراتية حرة: بت شخصيا اعتقد ان تحرير طرابلس سيكون على ايدي ثوارنا الابطال في مصراتة والجبل الغربي تحديدا. لكِ مني التحية

  4. Avatar
    سمير

    بارك الله فيك، اتعلم اخي ان مصراته كانت هي عاصمة الجهاد ضد الطليان وهي المدينة الوحيدة التي لم تسقط بايدي الامبراطورية الايطالية قال عنها قرسياني قائد عام جيوش الطليان ان ليبيا افعي وراسها مصراته، وهل تعلم ايضا ان اول جمهورية في الوطن العربي والثانية في التاريخ كان مهدها في مصراته، مصراته عرفت بمجاهديها مثل رمضان السويحلي الدي دوخ الطليان وداقهم المر والدي يعتبر من ادهي واقوي القادة الدين عرفتهم ليبيا علي مر العصور.

    1. Avatar
      يسين نور

      ياليتني  كنت مع اهل مصراته حتي اتعلم  منهم كيف تكون الحريه وكيف يقاتلون او علي الاقل اداوي جرحاهم واتبرك برؤيتهم ومصافحتهم 

    2. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اخي سمير: لاكون صادقا معك لم اعرف مصراتة من قبل الا اسما. اما اليوم فبت اعرف تاريخها واسماء شوارعها وضواحيها. والاهم من ذلك علمت انها فيها رجالا يعشقون الحرية التي دونها الشهادة. سأظل ما حييت اعتز ان تلك المدينة عربية مسلمة ..وسيكون لي مع اهلها لقاء قريب ان شاء الله.

  5. Avatar
    زاوي حر

    أشكرك على مقالتك الرائعة ، نحن لا نأسف على أخوتنا الذين يستشهدون كل يوم لأنه ثمن ندفعه من أجل الحرية ، ولكننا نأسف على اثنا وأربعين عاماً والشعب الليبي مغيب ومدفون تحت وطأة هذا الطاغية ، لكن الحمد لله لقد أمدنا الله بالقوة والعزيمة لكي ننزع عنا هذا الكابوس الذي كان جاثماً على قلوبنا .

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اخي زاوي حر: انا لا نحزن على الشهداء اطلاقا فهم نور الطريق. وشهداء الحرية اعلام سيظل التاريخ يذكرهم والقلوب. وحين يدب الاطفال على الارض ويكبرون في ظل الحرية سيعلمون ان الارض التي يدبون عليها تعطرت بدماء الشهداء وفيحها الحرية. لك مني خالص صالتحية

  6. Avatar
    ليبي حر

    نشكر الكاتب على مشاعره وأقول له قريبا في ليبيا المحرره نستقبلك ومصراتة هي درة تاج ليبيا الحرة وكل مدن الجبل الغربي هم يقوت ومرجان هذا التاج, نلاقك قريبا في بلادنا ليبيا الحرة

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      اخي ليبي حر: يشرفني قبول دعوتك بالتأكيد لكني شوقي لرؤية اهل مصراتة واحيائها سبق دعوتك. ولا اعتقد اني سأنتظر طويلا بعد رحيل “اللانظام”. تحياتي لك

  7. Avatar
    oomm

    ان اقرب ناس الي الزنتان هم الغنيمه ولو تخلو جميع القبيل عن الزنتان فلن تتخلا عليهم الغنيمه نحن نعتبر ان الزنتان والغنيمه قبيلتن واحد ولكن لن نسمح بياحد ان يقول يوجد خونا في الغنيمه او ابناء عصر لينهم رجل يعيشون علي تربية الغنام والجمل وهم معرفون بذلك في الجبال وليس لهم علق بي القردافي

    1. خليل الأغا
      خليل الأغا

      oomm: اهل الجبل هم اهل شكيمة وباس، وتعاضد اهل الجبل للدفاع عن مدنهم وقراهم وبيوتهم واعراضهم يدفعنا للفخر بهم بنفس القدر الذي نفخر به باهل مصراتة والزاوية وشرق ليبيا وجنوبها. الشعب الليبي علمني ان الا استعجل بالحكم على شعب صبر طويلا على الظلم والقهر. احملك امانة ان تنقل تقديري لكل اهلنا في الجبل الغربي. وعسى ان نشارككم فرحة النصر القريب ان شاء الله

انشر تعليقك