صناعة الوعي – نور والرحلات الخارقة

لا يخفى على أحد من المهتمين بصناعة الرسوم المتحركة (أنيميشن) والبرامج الموجهة للطفل، أن هذه الصناعة تمر بأزمة كبيرة في العالم العربي، فيعتبر أغلب منتجي الفنون الإبداعية والمحطات التلفزيونية أن هذا النوع من المواد الفنية، شديدة الأهمية، مادة غير جاذبة للمشاهد العام وبالتالي لا تجذب أية إعلانات، لذلك من الأجدى تجاريا للمنتج أن يقوم بتصوير برنامج للمقالب أو فيديو كليب لمطربة تخطو خطواتها الأولى نحو عالم الغناء، فهنا تكون التكلفة منخفضة وبالتالي يضمن هذا المنتج أو تلك القناة الفضائية تحقيق ربح سريع دون النظر إلى قيمة المحتوى الفنية والأدبية والاجتماعية.

في هذا السباق الرمضاني تابعت مسلسل أنيميشن “نور والرحلات الخارقة” وهو ثالث عمل لهذا البطل المصري “نور” بعدما أنتح في العام السابق “نور في قرية الطيبين”، وفي عام ٢٠١٨ كان “نور وبوابة التاريخ”، وهي أعمال بديعة لها ذائقة خاصة، فشخصية “نور” هي شخصية عادية طبيعية تشبه أبناءنا، يصيب ويخطئ ويستخدم أدوات عصره، فلا هو “سوبر” ولا هو نموذجي بلا أخطاء، فالموضوعية في رسم هذه الشخصية كانت هي المحرك الأول، في تقديري، إلى لفت الأنظار له والارتباط به، خاصة أنه جاء بعد عدد من شخصيات الكارتون القديمة بالغة الأثر في نفوس الناس ليحتل مكانا ويخلق عالما جديدا لنفسه.

هذا المشروع الضخم تقف خلفه د. نهى عباس، رئيس تحرير مجلة نور، الكاتبة الكبيرة أحد أهم وأكبر الأسماء في العالم العربي في صناعة المحتوى الفني الموجه للطفل، وهي شخص دائم التجديد والابتكار، لا يعوق حركتها شيئ ولا تستسلم، فهي تكافح من أجل مشروعاتها التي تحقق صدى كبيرا ونجاحا واسعا دائما، إسم نهى عباس على أي عمل هو شهادة ضمان على جودة المنتج ورصانته وعلامة نجاح مؤكدة.

مسلسل “نور والرحلات الخارقة” ينتمي إلى فئة مسلسلات (Edutainment) كما يعرفها الغرب وهي تعني “التعليم الترفيهي” أي أن صانع العمل يقدم حالة فنية عالية الجودة بمعادلات بصرية بديعة، ويقدم من خلال عمله هذا معلومات في شتى العلوم، أو يشير إلى فريق بحثي من العلماء ليقدم للمتلقي الصغير قدوة ومثل دون ركاكة أو مباشرة تخرج العمل خارج دائرته الفنية وتحوله إلى شيئ رديئ، فمن الحلقات التي حظت باهتمام بالغ من هذا المسلسل هي الحلقة التي تناولت فريق “منصوراصورس” وهو الفريق الكشفي البحثي بجامعة المنصورة ذو الإسهامات العلمية البالغة، وهنا نرى أن صناع العمل يتجاوزون فكرة المركزية ويجوبون بفكرهم وإبداعهم في كل ربوع مصر ليختاروا موضوعاتهم بعناية شديدة.

هناك عدة نظريات في مسألة الإنتاج الموجه للأطفال والمراهقين، فبعض النظريات تتبنى فكرة أن هذا الدور هو دور الحكومات فقط، وهو جزء من التربية والتثقيف العام وغرس القيم والأخلاقيات النبيلة من خلال تلك الفنون، وهناك فريق آخر يرى أن هذا الدور ربما يكون دور شركات الإنتاج الخاصة والمحطات، وعندما يتم مواجهتهم بأن هذه المواد غير جاذبة للإعلانات، لتقصيرهم في التسويق، لتحقيق فائدة مادية أو تغطية التكلفة فقط، فيكون الرد من منطق “خليهم يزكوا عن شغلهم”، وفي حقيقة الأمر أرى أن المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، من الحكومات وأصحاب المنصات والقنوات وحتى من المبدعين وصناع هذا النوع من الفنون.

مسلسلات “نور” المختلفة هي نموذج لمن أراد أن يعرف كيف تصنع الأعمال الموجهة للأطفال بحرفية شديدة، وأنه يجب على الفور أن تكون هناك لجنة كبيرة تشكل برئاسة رئيس الوزراء يكون من شأنها وضع خطة للنهوض بالطفل المصري من خلال الفن والإبداع وأن يكون صانعو “نور” وعلى رأسهم د. نهى عباس هم من يقودون هذا التحرك الذي لا أرى حاليا بديلا عنه.. وللحديث بقية.

[/responsivevoice]

هذا المقال له تعليق واحد

  1. Avatar
    نادر حسين

    سلسلة رائعه للأطفال واطفالنا في اشد الحاجه لمثل هذه
    الأعمال الهادفه والمسليه

اترك تعليقاً