بطولة أميرة

بقلم/ خالد عبد الرحمن الفياض
مصر : ۲۵-۱۱-۲۰۱۹ - ۱۱:٤۷ م - نشر

بطولة أميرة"كنت على بعد أمتار من ألسنة اللهب المتطايرة، وكان رجال الامن يطلبون من الجميع مغادرة المشفى بعد اندلاع الحريق، لكني وقفت مندهشة أبكي من هول الموقف ومن منظر الجثث المتراكمة خصوصاً من كبار السن، وعندما وقعت عيناي على قسم حضانة الأطفال حديثي الولادة طلبت من رجال الأمن كسر الأبواب الزجاجية ودخلت على الفور واخذت شرشفاً وجعلت منه مهداً ووضعت به ٤ أطفال ومن ثم حملت طفلاً اخر وأعطيته لزميلة لي وطفلاً ثانيا لزميلة أخرى واخذت انا طفلا وخرجنا مسرعين من مكان الحريق ولله الحمد الأطفال جميعهم صحتهم جيدة". انتهى حديث أميرة إسماعيل، وهذه هي بطولة أميرة موضوع هذا المقال.

هذا ليست مطلع قصة قصيرة للطيب الصالح الروائي الكبير أو مقدمة رواية للروائي القدير توفيق الحكيم صاحب رائعة عصفور من الشرق بل مشهد واقعي لبطولة سطرتها ممرضة سعودية.

بطولة أميرة أي أميرة إسماعيل ممرضة لعبت دور البطولة في فاجعة مستشفى جيزان العام، حيث انقذت ٧ أطفال حديثي الولادة كانت قد اقتربت منهم ألسنة النار والدخان وكانوا في عداد الموتى لولا قدرة الله وموقف هذه البطلة التي أبت الهروب وعملت بحسها الإنساني مسطرة بذلك مشهدا لن يمحوه الزمن من ذاكرة السعوديين وصفعة مؤلمة على أوجه المسؤولين في وزارة الصحة الذين غيبتهم هذه الفاجعة.

وهنا يتولد السؤال من المسؤول؟ وفي ذات الوقت تسطر هذه الفتاة بموقفها الرجولي والأبي بطولة لن ينساها المجتمع فالجميع يدعوا لها رجالاً ونساء وشيوخاً على ما قامت به من موقف بطولي نابع من حسها الانساني والأمانة التي تحملها، فمهنة التمريض هي مهنة إنسانية ويطلق على ممتهنيها ملاك الرحمـة كما وقد اثبتت هذه الممرضة الشجاعة هذه المقولة بكل جدارة واقتدار.

وقد اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع السعودي بأسره بعد هذه الفاجعة التي أرقت مضاجع الجميع وكان هناك رد جميل لموقفها الشجاع من ابطال الحد الجنوبي حيث تم وضع اسمها على ٧ مقذوفات معدة لردع المتسللين تقديرا لموقفها البطولي ، لكن الأهم من هذا الى متى ووزارة الصحة تسير من سيء الى اسوء فبعد مشكلة الطفلة ريهام والتي نقل اليها الايدز عن طريق الخطأ تأتي فاجعة مستشفى جازان العام لتؤكد ضعف الرقابة والفساد الإداري والمالي فمن غير المقبول ان تحاصر النيران مشفى ولا تكون هناك خطة للطوارئ وللإخلاء يتدرب عليها الطاقم الطبي والإداري الموجود في المستشفى لكنها غائبة كما يبدو وبكل اسف عن جازان ومشفاها المنكوب.

الجدير بالذكر واللافت للعيان غياب وزير الصحة عن المشهد بعد الفاجعة مباشرة ولساعات طوال حيث أنه فقط ارسل نائبه لمكان الحادث، ونرى انه كان لزاماً عليه الحضور والوقوف على مثل هذه النكبة بنفسه وذلك من منطلق المسؤولية، كما هو لزام عليه وبما أن الممرضة من منسوبات وزارة الصحة كان ينبغي ان تكرم من الوزير نفسه على ما قامت به من موقف شجاع اثار اعجاب المجتمع السعودي بل الخليجي والعربي حسب ما طالعتنا به الصحف بعد الحادثة مباشرة.

إلا ان وزير الصحة ظهر مؤخرا وبعد ٤٨ ساعة من وقوع الفاجعة ليؤكد تحمله المسؤولية، والسؤال المهم هل يستطيع احد ان ينفي المسؤولية عن الوزير القدير، اذا كان مثل هذا الحادث والذي يعد حسب ما اتضح بانه ثالث اكبر حادث طبي على مستوى العالم لا يتحمله وزير الجهة المسؤولة اذاً من يتحمله؟

يحدثني ظهر اليوم على مأدبة غداء عائلي دكتور قريب لي يعمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي حيث يذكر بأنهم عادة يقومون بالتدرب على أساليب الاخلاء والسلامة في حالات الحريق المفاجئ وسألته إن كانت هذه هي سياسة الوزارة ام الدفاع المدني ام هي سياسة المستشفى نفسه؟ واكد بأنها سياسة المستشفى.

أرى انه لابد ان يعاد النظر في سياسات وأنظمة السلامة في كافة المستشفيات الحكومية والخاصة بل في كافة الدوائر فمن غير المقبول ونحن في القرن الواحد والعشرين وما يشهده العالم من تطور في وسائل وأنظمة السلامة أن يحدث مثل هذا الحادث الذي توفي واصيب على اثرة اكثر من ١٤٨ روح رافقتها وهي تصعد لباريها تحرك خجل لوزير الجهة المسؤولة وغياب تام لأمير المنطقة، فنحن لن شكر الوزير على تحمله المسؤولية وتحركه الخجل والمخجل في ذات الوقت، بل نتقدم بالشكر الجزيل الى بطلة المشهد الممرضة أميرة إسماعيل على دورها البطولي الذي جعلها تتحمل مسؤوليتها الوظيفية والإنسانية قبل كل شيء منطلقة يدفعها حِسها الإنساني ووظيفتها الحانية.. فشكرا على بطولة أميرة إسماعيل.

خالد عبد الرحمن الفياض

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق