محاولة للفهم: لماذا يتحول الحوار حول تعديل الدستور إلى صراع؟

د. كمال الهلباوي
مصر : ۱٤-۱-۲۰۱۹ - ۸:٤٦ م - نشر

من أهم أسباب إنهيار البلاد والأوطان، بل الحضارات والعلاقات حتى بين الدول، تحويل الحوار والنقاش والنقد البناء إلى صراعات ومعارك، وسط دائرة ماكرة من الجدل البيزنطى، حيث يضيع فيها المنطق أحيانا ويعلو صوت العبث، لا زلت أتذكر الرئيس السوفياتى وهو يهدد بالحذاء فى الأمم المتحدة. وهذه الممارسات قد تؤدى بذلك الى مزيد من الهدم والتدمير، وقد يؤدى هذا الشر أحيانا إلى الهلاك، ونشر التخلف والارهاب والفساد والفتن أو ضعف القدرة على الخروج منها حتى مع حسن النية. أو تكريس الاستبداد كما حدث فى تعديل الدستور أخر أيام مبارك. وهكذا تتجه المحاولات الى تكريس الأخطاء وزيادة التحديات، وليس لحل المشكلات وطرح الحلول المفيدة لبناء البلاد والأوطان. أقول هذا، بمناسبة معركة تعديل دستور فى مصر التى يستخدمها بعضهم لمصالح ضيقة، كما أرى حاليا.

أنا لست ضد السيسي شخصيا، عندما أقول اليوم إنني ضد تعديل الدستور وعندي مبرراتي لذلك، لأن التعديلات المطروحة كما يبدو لي، تفصل على مقاس السيسي رغبة في بقائه دستوريا في الحكم. ولم أكن يوما ما ضد مبارك، ولا غيرهم من الرؤساء وحتى الملوك الذين حكموا مصر أو يحكمون بلادا أخرى حتى اليوم، ولكنني ضد العبث والمظالم والفساد والاستبداد والتخلف والتراجع، جاء من أي مصدر وتحت أي حكم، ملكي أو جمهوري، مدني أو عسكري أو علماني أو إسلامي. إنما وقفنا ضد الفساد فى عهد مبارك والتخلف، وحذرنا من تدخل المجلس العسكري في السياسة بعد الثورة، ثورة ٢٥ يناير المجيدة، وقت أن ترك الإخوان الميدان إلى السياسة قبل تمكن الثورة، ثم نصحت الإخوان أنا وغيري، فلم يستمعوا للنصائح، أو كانت لهم رؤيتهم، ومن ثم جاءت ثورة ٣٠ يونيو التي يراها معظم الاسلاميين المعارضين إنقلابا. وهكذا البشر: ينسى ما قدمت يداه بمرور الوقت. ياحسرة على العباد سابقاً ولاحقاً.

استقبل الشعب المصري السيسي بإستبشار كزعيم كما رأيت وشاهدت، طمعا في أن يحقق أهداف الثورة التي تكلم عنها فى البدايات كلاما عظيما. وللأسف بعض من هللوا لثورة يناير وحتى ليونيو، يقفون ضد أهداف هاتين الثورتين اليوم ناهيك عمن يرى ان يونيو كانت انقلابا.

الحديث هنا عن السياسة وكيف تخرج مصر من التحديات بهذا الدستور أو بغيره أو حتى بدون دستور مكتوب كما فى بريطانيا. ولكن السيسي نفسه قال أكثر من مرة: "أنا لست سياسيا"، ومصر تحتاج –كما أرى– إلى سياسي محترم على رأس الدولة، إلا إذا كان المطالبون بتعديل الدستور على مقاس السيسي، مقتنعون بأنه رغم هذا التصريح يمكن أن يقود مصر إلى النهضة واستعادة مكانتها بين الأمم.

وأنا أيضا أتساءل ماذا يبقى بعد ثمانية أعوام فى الحكم ليقدم الإنسان؟ ماذا يمكن أن يقدم البشير فى السودان بعد ثلاثين سنة في الحكم؟ وماذا قدم مبارك خلال ثلاثين سنة أو القذافي بعد أربعين سنة أو صدام؟ صحيح من جاء بعدهم كان أسوأ، في بعض الأوقات والحالات، لأننا لم نبحث عن البديل المناسب. وبسبب المتربصين في الداخل والخارج. ولكن الشعوب مليئة بالكفاءات من المدنيين والعسكريين، كل في مجال عمله واختصاصه دون عدوان.

وأقول هنا كما قال بعض الحكماء: من عمل فى غير علم، كان ما يفسد أكبر مما يصلح. وقد عانت مصر من ذلك الخلل كثيرا وعلى مر الحكومات والحكام من ملكية الى جمهورية بدرجات متفاوتة. ولعلنا نعتبر ونتعلم من الدروس الكثيرة التي مرت بِنَا أو بغيرنا. أقول هذا الكلام بمناسبة المعركة الدائرة عن الدستور في مصر اليوم. وخصوصا مقال الاستاذة سوزان حرفي والرد الذي جاء بانفعال واضح من الاستاذ الجليل مختار نوح. وهذا يتطلب مقالا مستقلا في الأيام القادمة إن شاء الله تًعالى.

وأخيرا أقول: لو أن كل رئيس جاء لحكم مصر هو ومن يعملون معه، قاموا بتعديل الدستور ليكون على مقاسه، أو كما يظن، فأين الدولة؟ وأين الوطن؟ وأين الشعب؟ هل تعيش الشعوب بالاستفتاء على متناقضات وكل من يكون في الحكم يزعم أنه حصل على رأي الشعب في استفتاء نزيه؟ كما تقول الاستاذة حرفي.

أقول عن حضور وشهود، أن الدستور الذي شاركت فى إعداده بإخلاص كما شارك غيري من الأساتذة الكرام، قد جاء فعلا بحسن نية، لان الدساتير التي تبنى على غير حسن نية تكون دساتيراً لممارسات شريرة. وقد شارك فى هذا الدستور العظيم الدكتور العالمى مجدي يعقوب، والدكتور الموهوب محمد غنيم، والدكتور خيري عبد الدايم، والدكتور عبد الجليل مصطفى، والأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين، والدكتور جابر نصار، والدكتورة منى ذو الفقار، والأستاذ عمرو الشوبكي، واللواء الدكتور علي عبد المولى، واللواء مجد الدين بركات، وغيرهم من الشخصيات التي ترغب في تقدم مصر ونهضتها، فضلا عن رئيس اللجنة الاستاذ عمرو موسى.

وكان أمام اللجنة المشروع الذي وضعته لجنة العشرة للاسترشاد به، وكلهم من كبار المستشارين الذين شاركوا فى صياغة الدستور الجديد أو المعدل صياغة نهائية دستورية عالية مع بعض العلماء من أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة. فضلا عن العمل المتواصل تطوعا حتى إنهاء الدستور. واليوم يأتي من يريد التطوير والتعديل، لا بأس ولكن يجب أن يكون للأحسن وبدون تفصيل لأننا لسنا خالدون. أمريكا عدلت والتعديلات أصبحت جزءاً مهما من الدستور، ولكن كانت التعديلات للأحسن. ولصالح المزيد من الحريات حيث أن نقصها من أهم آفات السياسات فى العالم العربى.

"وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ".

وبالله التوفيق.

د. كمال الهلباوي

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

Copyright © ۲۰۱۹ AHLAN.COM All Rights Reserved


أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق