لخبطات ما بعد منتصف الليل

لخبطات ما بعد منتصف الليل

على غرار الكثيرين، لا يتغلغل النوم إلى جفونه بسرعة، لا بد له ساعات من العذاب قبل ان يستسلم عقله للنوم، ساعات يعتبرها الأفيون والمحرك الرئيسي لغضبه الذي ما أظنه خمد منذ ما يناهز السنتين، يتلون كثيرا، غضب هادئ اليوم فحرقة و كتمان، وانفجار مستعر في الغد لا يبقي في محيطه على شيئ. إنها لخبطات ما بعد منتصف الليل.

عبثا يحاول البحث عن سبب فلا يجد، يتمادى به عقله المريض ويصور له الإنتحار مهربا، ولما سأهرب ومما سأهرب؟ اعطني سببا مقنعا وستجدني لمجونك منفذا، يرهف السمع فلا يجد جوابا.

وسط عتمة الليل وهدوئه إنزوى ركنا بالغرفة يرافقه فيها عقل لا يكف عن الضجيج، كخلية نحل في موسم التزاوج، هل يعتبر إنتحارا إذا ما إستسلم مجنون مثلي لنزواته؟ حتى أن خيالاته تتفنن في تصوير أجمل الطرق وأكثرها إبتكارا ليلفظ بها المرء ٱخر أنفاسه.

عبثا يبحث عن سبب ليبقي على حياته، يستجدي جدران غرفته عله يلمح بصيص أمل، لكن متى كان للحجر لسان فينطق، ضائع بين هذا و ذاك، ينشد نورا غير أنه لا يلمس في طريقه غير شوك وظلام، ما زال الليل طويلا ولا بشائر لفجر في الطريق، يغالب نعاسه بعد أرق طويل من أجل نوم أبدي، يحمل بيده اليمنى شفرة حلاقة بيضاء، وتقبض يده اليسرى على منشفة شديدة السواد، في مفارقة كوميدية محزنة مثلت عتمة حياته أمام إشراق وجمال موتة المنتظر.

يهم بقطع ما يستطيع من عروق قبل الإغماء، غير أن صوتا ملائكيا يفاجئه و ينتشله من جهنم نشلا، نعم إنها والدته، بخطوات مضطربة تتقدم نحوه، لم تفهم المسكينة شيئا، وكحال أمهاتنا، فإن صفعة على وجه ولدها كفيلة بإعادته إلى رشده، تداري سوأته وتحضنه بعنف، تحضنه كمن يخشي ضياع شيئ ثمين ويود لو يدفنه عميقا بداخله فلا يمسه مكروه.

بعد المقال الحالي شاهد:
عطاء من عدم

وهل للأم أغلى من فلذة كبدها؟ تحضنه ولم تنبس بكلمة، غير أن دموعها قالت الكثير، لم يستوعب الفتى الموقف وبتلقائية يحيط والدته بذراعيه و يدفن وجهه عميقا في صدرها مؤذنا لسيل الدموع بالإنهيار هو الٱخر، لقد وجد غايته، وجد الشيئ الذي من أجله سيحيى، يستقر على رأي، لن يقتل نفسه اليوم، فهو لن يحتمل دموع أمه، بزغ الفجر معلنا بذلك تأجبل قدره المحتوم إلى حين قدوم قدر والدته المحتوم، فحتما لن يعيش دقيقة بعدها على وجه هذه البسيطة.

ثم تذكر قول الله سبحانه وتعالى في الآية ٢٩ من سورة النساء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فاستغفر الله واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وبكى ثم تاب وأناب وعاهد الله أن لا يعود لمثل تلك الأفكار أو لخبطات ما بعد منتصف الليل.

#لخبطات ما بعد منتصف الليل

انشر تعليقك