د. إدوار سعيد - أهلاً العربية

د. إدوار سعيد منارة فلسطينية

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۱۰-۱۲-۲۰۱۷ - ۸:۰٦ م - نشر

فـي ذكـرى رحـيـلـه.. الـدكـتـور إدوار سَـعـيـد مَـنارة فـلـسـطـيـنـيـة

"هـيهات لا يأتي الزمان بـمـثـله… إن الـزمان بـمـثـله لـبخـيـل!!"

ليس في مقدور أي كلام يكتبه أي قلم ـ مهما كان سَـيَّـالا ـ أن يعبر عن الخسارة الكبرى التي نزلت على شـعـبنا الـفـلـسـطـيـني، عندما غاب عن دنيانا ذلك المناضل الفـلسـطيني الحقيقي والمتوهج.

عندما وصلني نبأ رحيله، ظللت للحظات صامتا في مكاني… لم تصدر عـني حركة. حتى الأنفاس أحسستها متجمدة. النبأ وحده أكبر من صمتي…

غـفـا الـدكـتـور إدوارد سـعـيـد في نومه الأخير. أدرك ـ بالطبع ـ أن إغـفـاءته، هي نهاية بالجملة، لآلام تسلـلت إلى جسده، على مراحل، وتمكنت منه، كأنها جمرة، نثرتها النارُ، رماداً بعـد أثر!

انتهت رحلة عُمرٍ خصب، تركت لنا، صفحات ثمينة، من الرأي الحصيف، ومن الرؤية الثاقبة. كان ملتزماً خلوقاً، لا يروق له كلام، ولا يطيب له مجلس، إلا إذا كانت فلسطين، التي أحب وعشق، هي محور الأحاديث والسجالات والتطلعات. ذلك الفلسطيني الهائل، بانتمائه وبطموحه.

في الخـامـس والـعـشـريـن مـن أيلول، مرت ذكرى رحـيـل الـدكـتـور إدوارد سعيد (1935 ـــ 2003)، المفكّر الفلسطيني الذي قدّم صورة نموذجيّة للمثقف في القرن العشرين، والذي فتحت دراساته النقدية والسياسية آفاقا معرفية جديدة ليس فقط في مجال النقد، بل في العلوم الإنسانية كافة. فـبـعـد 37 عاماً على صدور كتابه المرجعي، ما زال صاحب "الاستشراق" راهناً ومثيراً للجدل.

في ذكرى وفاته يجدر بنا التأكيد على أنّ إدوارد سعيد واحد من كبار مثقفي العالم، وأكاديمي متميّز. ولعل أهم ما يميّزه كثرة كتاباته وتحليلاته المتنوعة، إذ أنّ محطات حياته شواهد صريحة على نزوعه القلق الدائم إلى الانشقاق عن المألوف، كلما تجمّد هذا المألوف وانقلب إلى قواعـد دوغـمائية مغلقة. فقد كان، في نشاطه الفكري والسياسي، تجسيداً لمفهوم المفكر والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي لـ"الـمـثـقـف العـضوي" المقاوم بفـكره ونشاطه لـ"هيمنة " السلطة الحاكمة، بمختلف أنماطها المادية والسياسية والفكرية.

لقد شكّل إدوارد سعيد الصورة الحضارية الثقافية للشعـب الفلسطيني في أفـضل رموزها: مثقف عالمي، منحاز للإنسانية وللحق الفلسطيني، لم يقع في فـخ العـنـصرية، رفض كل الأصوليات العالمية التي تنشر الشك والعـنـف بين الثقافات، والأهم من ذلك أنه رفـض أيضا كل أشكال الـفـسـاد والاستبداد وكان من القلة النادرة من الـمـثـقـفـين الفـلسطينيين الذين انتقدوا القيادة الفلسطينية.

كما كان ينتمي إلى تلك القلة من المفكرين الذين يسهل تحديد قسماتهم الفكرية الكبرى، ومناهجهم وأنظمتهم المعرفـية، ويصعب على الدوام حصرهم في مدرسة تفكير محددة، أو تصنيفهم وفق مذهب بعينه. ذلك لأنه أنموذج دائم للمثقـف الذي يعـيش عصره على نحو جدلي، ويدرج إشكالية الظواهر كبند محوري على جدول أعمال العقل، ويخضع مَلَكة التفكير لناظم معـرفي ومنهجي مركزي هو النقد. ويبدو نقده متحرراً من أية مرجعية ثابتـة، سواء كانت عرقـية أو دينية أو ثقافـية، فالمرجعـية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية الجريئة التي تتعرض لفك التداخل بين الظواهر التي يدرسها.

وفي سياق تعامله مع قضية شعـبه لم يرغب في إعادة السرد الفـلسطيني على غـرار الرواية الصهيونية للشتات والعـودة، ولكن تقديم مشروع عـميق قائم على رؤية عـلمانية تسمح بالتعايش بين الـفـلـسـطـيـنـيـيـن واليهود في أرض واحدة.

وفي سياق هذا المشروع مارس سعيد نقده لإسرائيل، متسائلا أكثر من مرة عن سبب استثنائها من المعيار العام الذي تتم من خلاله معاملة الدول الأخرى، ورأى أنّ السبب هو عامل "الـمـحـرقـة". ومع اعترافه بهذا العامل إلا أنه انتقد استغلاله لتبرير اضطهاد وطرد الفـلسطينيين. ولكنّ فرادته لا تصدر عن احتضانه هوية واحدة من الهويات المتعـددة التي تنطبق عليه، ولا من خلال الجمع بين هذه الهويات على وجه منفصل، واستخدام الواحدة منها أو الأخرى، وإنما من خلال احتضانها جميعها بما أدى إلى إرادة تكرّس هـوية متعددة الأبعاد لمثقف كوني، لا يعدم -في الآن نفسه- صلة وثيقة بما هو محلي وشخصي تاريخيا. إذ ثمة في مذكراته، كما في الكثير من مقالاته السياسية، ما يرجح مشايعة الكاتب للوطنية الفلسطينية حل لما ما انفك يتنازعه من حيرة تعدد الهويات المتصارعة، وهو حل انجلى عن إرادة أن يكون فلسطينيا.

كانت هزيمة حزيران 1967، وما تلاها من أحداث، بمثابة فرصة سانحة له لكي يحسم أمره ويعلن ولاءه السياسي للهوية الفلسطينية دون أية من الهويات الأخرى، فيما أنه يؤمن بأنّ الهوية بناء ثقافي، ومثلها في ذلك مثل أي بناء ثقافي آخر، هي إعـراب عن إرادة قوة ما، فإنه رأى أنّ للمثقف إرادة واعية يمكن الإعراب عنها من خلال الدور الذي يلعبه، وهو كمثقف شاء أن يكون فلسطيني الهوية والولاء.

لقد رفض إدوارد سعيد أن يتقوقع في بيئته الأكاديمية أستاذاً مرموقاً للأدب الـمـقـارن في جامعـة كـولـومـبـيـا الأمريكية، وفضّل، على رغم ما كلفه ذلك على صعيد المكانة الأكاديمية والسلامة الجسدية، أن يكون مدافعاً عن القضية الفلسطينية في قـلعة الغرب التي يكثر فيها العـداء لحقوق الفلسطينيين، وأن يفكك المفاهيم الزائفة المصطنعة التي بناها الغـرب والعـرب خلال قـرون من الزمن عن نفسيهما وعن الآخر.

لقد نفى إدوارد سعيد أن يكون هناك صراع بين الثقافات، وأكد، اعـتـماداً على تجربته المعـرفـية الخاصة، أنّ الثقافات تتلاقح، وتتغـذى من بعضها البعض. وتطرق إلى المأساة الفلسطينية، وقال إنه كان ولا يزال يعتقد أنّ التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ممكن، وأنّ العمل في سبيل تحقيق ذلك كفيل بأن يجنّب الشعبين المزيد من الفواجع والآلام والدموع.

وهكذا، سيبقى فكر إدوارد سعيد شعلة تنير الدرب الفلسطيني والعربي والعالمي، درب الذين يفكرون ويحاولون بناء عالم لا مكان فـيه للإرهاب.

وإذا كانت وفـاة إدوارد سعـيد "خسارة لا تعـوّض لمملكة الأفكار ولأولئك الذين يؤمنون بالقوة المخلّصة لحياة الـعـقـل "على حد تعـبـيـر الـدكـتـور آلي بولينـغـر، رئيس جامعة كولومبيا التي درّس فيها سعـيد أربعين سنة، وإذا كان إدوارد سعـيـد مصدر فخـر وتباه للـفـلـسـطـيـنـيـيـن أمام العالم، إذ "لم يـُنجـب التاريخ الثقافي الفلسطيني، كـمـا قـال محمود درويش، عـبـقـرية تضاهي إدوارد سـعـيد المتعـدّد المتفـرّد"، فإن من الأهـمية بمكان أن يكون تكريم هذا المفكر الـفـذ الذي أسهم على نحو غير مسبوق في تأكيد الهوية الفلسطينية على المستوى العالمي، عملاً يليق بإسهامه الذي أثّر في تفكير أجيال عديدة من الطلاب والأساتذة في مختلف أنحاء العالم، وجعله بحق منارة فلسطينية يهتدي بها كل مناهض للظلم والقهر، وكل داعية للحريّة والعـدل والكرامة الإنسانية.

 

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Stockholm

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2017 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق