الإرهاب وعبادة الموت - أهلاً العربية

الإرهاب وعبادة الموت

بقلم/ ياسر المشاط 
مصر : ۵-۷-۲۰۱۵ - ۱۲:۱۳ م - نشر

ها أنا في طريق العودة للمنزل بعد صباح شاق، أمشي في الأزقة كالمعتاد، لكن هنالك أمر غريب اليوم.. تجمعات لناس ونقاشات ذات طابع جدي باعث لريبة، حينها عرفت أن مصيبة قد حلت.. وصلت إلى المنزل فتحت الحاسوب فإذا الخبر "مقتل ٢٦ سائحا على يدي إرهابي بسوسة".

أخبار كهذه للأسف أصبحت روتينية على أعمدة الصحف لكني غرقت في أحاسيس وأفكار زلزلت كياني، إني أكتب هذه الكلمات وأنامل يدي ترتعش، الحزن غمر قلبي وفؤادي، لم أعد أرى مستقبلا لهذه البلاد سوى الدمار والفوضى، إنها العدمية.. يا إلهي ماذا ينتظرنا؟

انعدم الأمن، الإرهاب يصول ويجول بيننا، فقدنا بوصلة الأمان وأصبحت تونسنا تائهة في غابات الهلاك والموت، أخبار القتلى أصبحت حديث الساعة وصور الأشلاء والدماء ملأت صحفنا، لقد انقلبت المفاهيم، تونس لم تعد خضراء وربيعنا لم يعد ربيعا ولقد فقدنا ثورتنا.

لتضحي تونس بلون الدماء وربيعها صار خريفا وثورتها أصبحت نقمة، إن صوتا في داخلي يصرخ أين بلادي؟ أين أرض أجدادي؟

إنها العدمية، لا أكاد أذكر في الفترة الأخيرة تونسيا رسم بسمة في وجهه، إنها حالة من الكآبة والعبوس العام، إني أفقد القدرة على التنفس، لم أعد قادرا سوى على شهيق الذل وزفير المهانة، إنه جو الحطام والخراب، جو لا تستطيع فيه سوى تنفس الرعب والخوف.

إن كل ذرة حب للحياة في جسدي تلوذ بالفرار، ويوما بعد يوم أتجرد من الإحساس بالحياة، أحس بالخواء والفراغ من أي عاطفة، أقولها: إن الموت أرحم من العيش في بلاد فقدت إنسانيتها، إن ذلك تصوري لذلك العالم الوردي قد محي من مخيلتي، ليستبدله عالم أسود اللون عالم كريه قاتم مليء بالتعاسة، عالم مادي يتاجر فيه بالأخلاق والقيم.

ما الحل؟ الحل أعزائي أن تنسلخوا من إنسانيتكم، أن تتجردوا من مشاعركم، أن تصبحوا مجرد كومة من اللحم البشري فاقدة للأحاسيس، تجردوا من الحب والرحمة والشفقة والأمل فهذه الأحاسيس للضعفاء، غذوا في داخلكم مشاعر الكره والطمع والبغض ففي عصرنا هذا هي خصائص الأقوياء.

إن القصص والروايات التي تنتهي بسعادة أبدية وفرح دائم وجب أن تمحيها من مخيلتك، إن النهاية قاتمة حزينة دوما، إن الخير كذبة والشر هو الواقع، الشر هو الحقيقة، فليحيا الشر فلتحى الوضاعة والذل، أعبدوا الموت وبشروا بالزوال، إنه عصر داعش عصر الاضمحلال والفناء.

بأي فكر يستندون وبأي منطق يحكمون وبأي شريعة يلتجئون وأي رب يدعون، ربهم ليس ككل الأرباب دينهم ليس ككل الأديان، ربهم عزرائيل ودينهم الموت، إنها حالة من الغباء العام، إنه الجهل ينبث في عقولهم، إنها الكراهية استولت على قلوبهم، هم مستعدون لتقطيع الرؤوس وإبادة الآلاف والتضحية بأوطان من أجل جنتهم الموعودة. لا والله سئمنا منطقكم وسئمنا هيئتكم وسئمنا وجودكم، سئمناكم.

أفقت من حالتي هذه لأجد نفسي مستلقيا في الفراش ودقات قلبي في تسارع، هل تسللت إلي مشاعر الهزيمة والاستسلام، هل تملك روحي الخوف؟ لا لم ولن أكون هكذا، لن أكون مثلهم، لن أتخذ عزرائيل ربا وسأعبد الله إلاه الرحمة رب السماوات والأرض.

لن أرضخ لعبادة الموت وسنصلي للحياة والجمال، لن نستسلم للموت وسنحارب من أجل الحياة، إنه وقت القراءة والعلم والعمل، سنجتهد ونقدم أرواحنا فداءً لهذا الوطن فداءً لقيم العدالة والرحمة.

لن أدع كياني يهتز، سأبقى ثابتا ولن أغرق في بحور الخوف والذعر، سأغذي نفسي بقيم الحب والعشق.. فلتحيا الحياة. .. لا مكان للموت بيننا.. فليحيا الجمال. .. لا مكان لقبح بيننا.. فلتحيا الألوان ولتحيا تونس الخضراء معها.. صامدون.

ياسر المشاط Tunisia

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق