الصراع في الشرق الأوسط - أهلاً العربية

الصراع في الشرق الأوسط
جذوره التاريخية وخلفياته الإقتصادية

بقلم/ حاتم البقالي
مصر : ۳-۵-۲۰۱۵ - ۷:۰۱ ص - نشر

putinيعيش العالم العربي عامة والشرق الأوسط خاصة صراعا أفقيا بين مكوناته المذهبية والإثنية له جذور تاريخية وثقافية عميقة، يتم توجيهه عموديا من طرف القوى الدولية لخدمة إستراتيجياتها الإقتصادية.. كيف ذلك؟

ــ الجذور التاريخية والثقافية للصراع

إن التوترات السياسية والصراعات الأهلية العربية هي ليست أحداثا معزولة أو معلقة في الفراغ بل هي حالة إجتماعية وثقافية لها جذور في التاريخ وصيرورة لم تنتهي بعد، إنطلقت شرارتها الأولى منذ حادثة السقيفة، حينما وجد المسلمون أنفسهم أمام فراغ السلطة وغياب التوافق حول آليات إنتقالها، ولولا التوافق على أحقية الصحابة بالسلطة بسبب الشرعية التي كانوا يتمتعون بها ورمزيتهم الدينية، لإنقسم المجتمع الإسلامي منذ بداياته.

ثم إشتعلت جذوة هذه الصراعات من جديد مع معركة الجمل ثم إندلعت شرارتها كالنار في الهشيم مع معركة صفين، التي قسمت المسلمين فعلا إلى صفين عظيمين، وبعدها معركة فخ وكربلاء، ثم تلتها معارك كثيرة دارت رحاها بين طامح للسلطة ومترف فيها، حتى صار الصراع على الحكم من ثوابت التاريخ الإسلامي.

وظلت النخب والزعامات تحشد طائفتها وتعبئ مذهبها بقيم العنف والإقصاء ونظريات الحقيقة المطلقة، لتبرير وصولها إلى السلطة وإقصائها للآخر المخالف لها مذهبيا أو عرقيا، ولم يسبق بتاتا لمسالة الحكم في التاريخ الإسلامي أن حسمت بقواعد التداول السلمي، ولم تكن السلطة يوما منبثقة عن إرادة الأمة، بل ظلت خاضعة لمنطق السيف والعصبية، كما قال بن خلدون، فالدولة التي عرفها المسلمون عبر التاريخ هي دولة الطائفة ودولة القبيلة المتغلبة وليست دولة الجميع، فاذا صار الحكم لبني أمية قمعوا العلويين، وإذا كان بيد بني عباس إضطهدوا الأمويين، واذا حكم الفاطميون نكلوا بمن دونهم، فلا صوت يعلوا على صوت السيف، والبيعة تنعقد لمن دانت له رقاب الأمة.

أما العلماء، فإنصرف جهدهم إلى التنقيب في فقه الضرورات لتسويغ هذا النوع من الحكم، فأنتجوا فقها سلطانيا يشرعن إمارة المتغلب، وهو الحاكم المستبد القوي الذي يستولي على الحكم بالسيف لكنه يستطيع القضاء على الفتن والحفاظ على وحدة المسلمين، فحاكم غشوم خير من فتنة تدوم، فاستحكم الاستبداد عمليا ونظريا، وإنتشرت ثقافة العنف والقوة والهيمنة، فلا نسمع في التاريخ إلا عن فئة مضطهدة وأخرى مضطهدة، الطائفة المضطهدة تتشوف للإنتقام وتنتظر فرصة التمكين، لتعيد إنتاج نفس السلوك الإستبدادي الذي مورس عليها لمدة طويلة.

إن هذه الصيرورة أفرزت مجتمعا عربيا محتقن سياسيا ومنقسم طائفيا ومذهبيا، تغيب فيه ثقافة التعايش وتنعدم الثقة بين مكوناته، مما حدا بالجميع إلى الإرتماء في أحضان الخارج لحسم معركة السلطة. فإرتهن مصير الأمة بيد غيرها.

ــ الخلفيات الإقتصادية للصراع

منطقة الشرق الأـوسط هي موطن حوالي ٤٠% من إحتياطي العالم من النفط و٦٠% من إحتياطي الغاز الطبيعي وتكفي هذه المعطيات ليكون الشرق الأوسط هدفا لأطماع القوى الدولية التي تظل حاجتها ملحة إلى مصادر الطاقة من أجل ضخها إلى البنى الصناعية التي تقوم عليها إقتصادياتها، وإذا كانت الثروة النفطية للعراق تفسر إلى حد ما الصراع الدولي للسيطرة على هذا البلد. فما الذي تملكه سوريا لتتحول إلى ارض معركة حقيقية تدور رحاها بين قوتين دوليتين بالوكالة (أمريكا وروسيا) لدرجة الحديث عن عودة الحرب الباردة؟

لعل الصراع الدولي على التجارة العالمية للغاز يكشف لنا عن جانب مهم من خلفيات الصراع الإقليمي والدولي القائم بسوريا؟ كيف ذلك؟ وما علاقة سوريا بالغاز؟

باتت روسيا في العقود الأخيرة تحتكر تجارة الغاز العالمي باعتبارها اكبر منتج لهذه المادة الحيوية في العالم، الشيء الذي يسمح لها بالسيطرة على شبكة معقدة من خطوط أنابيب الغاز وتوظيفها كسلاح إستراتيجي في سياستها الخارجية ضد الدول الأوروبية التي تزودها بـ٤٠% من حاجياتها الغازية عبر شركتها العملاقة غاز بروم.

إزاء هذا الوضع قررت أمريكا وحلفاءها الاوروبين إنشاء خط أنابيب مستقل عن روسيا، فتم الإعلان سنة ٢٠٠٢ من طرف الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروع ضخم يتمثل في خط أنابيب الغاز "نابوكو" الذي يبلغ طوله ٣٥٠٠ كلم ويهدف إلى نقل الغاز من حوض بحر قزوين إلى وسط أوروبا، ينطلق من دول القوقاز تركمستان اذربيذجان ويقطع تركيا ورومانيا وبلغاريا إلى النمسا، وذلك في محاولة لتطويق الدب الروسي وإنهاء تحكمه في الحاجيات الغربية من الغاز.

هكذا وبعد إستثمار أموال ضخمة في هذا المشروع وإبرام إتفاقيات مع دول العبور، تدخلت روسيا بكل ثقلها لتعطيل هذا المشروع حيث إشترت غاز أسيا الوسطى وبحر قزوين عبر مناقصة لإبعاده عن تزويد خط "نابوكو"، وبهذا تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد تلقت ضربة موجعة من غريمها الروسي.

أمام هذا المأزق سارعت أمريكا وحلفاؤها الأطلسيين إلى وضع خطة بديلة لإنقاذ مشروع "نابوكو"، تمثلت في ربط خطوط الغاز العربي القادمة من مصر وفلسطين وقطر بأنبوب "نابوكو' 'على الأراضي التركية، وسيتم ذلك بواسطة خط أنبوب عربي ينطلق من قطر ويمر بالسعودية ثم يتجه غربا إلى الأراضي السورية حيث يلتقي هناك بخط الغاز المصري ثم يتجه إلى الحدود السورية التركية وهنا سيتم توصيله بخط "نابوكو" ليوصل بالقارة الأوروبية، إن الرهان على الغاز العربي لضمان الأمن الطاقي الغربي، يشكل مدخلا لفهم الكثير من التقاطبات الإقليمية والدولية بالشرق الأوسط.

فنظام بشار الاسد حليف روسيا يشكل حجر عثرة أمام المشروع الغربي الرامي إلى الإستغناء عن الغاز الروسي، ولهذا تتطلع أمريكا والدول الأوروبية إلى إسقاط هذا النظام أو على الأقل دفعه للقبول بخدمة المشاريع الطاقية الغربية، اما دولة قطر فإنها تعتبر النظام السوري حاجز يمنع تدفق منتجاتها الغازية إلى الغرب وهذا ما يفسر سلوكها العدواني تجاه هذا النظام، كما تصر تركيا على إزاحة هذا النظام نظرا لما سيدره عليها مشروع "نابوكو" من عائدات مالية حينما سيقطع أراضيها، كما سيمكنها من إمتلاك ورقة ضغط حقيقية على الإتحاد الأوروبي لتحقيق مطلب الإنضمام، ويستمر الروس في مساندة النظام البعثي السوري لأن إنهيار هذا النظام يعني وصول الغاز العربي لخط "نابوكو" وفقدان موسكو لموقعها كمزود لـ٤٠% من إحتياجات أوروبا من الغاز، ما سيفضي إلى تحول عميق في موازين القوى لصالح الغرب. فسوريا تشكل اليوم نقطة إنطلاق الإستراتيجية الإقتصادية للقوى الدولية بالشرق الأوسط.

ــ متى ينتهي الصراع؟

ما تقدم يفيد بأن جميع القوى المتصارعة بالشرق الأوسط، داعش.. النصرة.. حزب الله.. الحوثيون..، هي فصائل متحكم فيها ولا أحد منها خارج السيطرة ولا احد منها يملك قراره، فكل طرف يحتاج لدعم المال والسلاح من الخارج، ومن فقد دعم القوى الدولية والإقليمية صار لقمة سائغة في يد أعداءه، فحسم الصراع بالشرق الأوسط يتوقف على إرادة الدول العظمى، إذ لا بد من الوصول إلى تسويات مصالح بين هذه الدول ينتج عنها ميلاد نظام إقليمي عربي جديد يمتلك فيه كل طرف حصته من الثروة والنفوذ تتناسب مع مركزه وحجم قوته في العالم.

الشواهد التاريخية تؤكد ذلك، فالنظام الاقليمي العربي الموروث عن الحقبة العثمانية تمت مراجعته بمقتضى إتفاقيات "سايكس بيكو" أما النظام الإقليمي المنبثق عن هذه الإتفاقيات فيتم تفكيكه اليوم وتفجير تناقضاته الإثنية والثقافية وقلب معادلاته السياسية في أفق إعادة رسم الخريطة العربية من جديد.

حاتم البقاليMorocco, Casablanca

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق