رحل.. ولم يترجل

بقلم/
مصر : ۱۱-٤-۲۰۱۵ - ٤:۰٤ م - نشر

ziadienغيَّبَ الموت يوم الأحد الماضي الرفيق الدكتور يعقوب زيادين، المناضل الشيوعي الأردني الفذ والقائد الوطني الكبيرعن عمر قارب ٩٢ عاما قضاها في خدمة شعبه.. رحل أبو خليل بهدوء دون ضجيج وصخب، رحل هذا الشيوعي العتيق بعد أن تركت سنوات النضال الشاق بصماتها في مسيرة كفاحه الطويل، رحل بعد أن حفرت اقبية السجون الأردنية أخاديدها على جسده الذي انهكته رحلة نضال طويل امتدت لعشرات السنين.

غادرنا أبو خليل نظيف اليد طيب القلب، تاركا خلفه سيرة نضالية تميزيت بالعطاء الثوري غير المحدود في وقت عزَّ فيه العطاء، وبزرع بذور قيم الحرية والديموقراطية والعدالة اﻻجتماعية والتضامن اﻻممي.

غادرنا أبو خليل ولم ينله تعب، ولم ينحن له ظهر، رغم طعنات الظهر التي تلقاها من جاحدين يعتقدون أن ذاكرة الشعب الأردني سوف تنسى مناضلا بحجم أبي خليل.

ولد يعقوب زيادين عام ١٩٢٢ في محافظة الكرك الأردنية في مجتمع رعوي أقرب إلى البداوة. تلقى تعليمه الإبتدائي في القرية، ثم انتقل إلى المدرسة الأميرية في الكرك. بعد انتهائه من المرحلة الثانوية انتقل إلى دمشق حيث تعرف على الحزب الشيوعي ومبادئه. لكنه بعد سنتين تحول إلى دراسة الطب في بيروت، وبعد تخرجه طبيبا جراحا بدأ العمل في القدس حيث تعرف على فؤاد نصار، وقد أنشآ معا عام ١٩٥١ الحزب الشيوعي الأردني.

في عام ١٩٥٦ انتخب نائبا عن محافظة القدس رغم كونه من الكرك، وأصبح عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وقد ترأس الحزب الشيوعي الأردني عام ١٩٨٧ واستقال من منصبه عام ١٩٩٧.

زار الدكتور زيادين الاتحاد السوفيتي عدة مرات إلا أنه لم يترك لديه انطباعات ايجابية. وبالمقارنة مع العديد من الشيوعيين العرب، لم يتخلى الدكتور زيادين عن مبادئه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وظل حتى الرمق الأخير على قناعة بأنه لا طريق آخر لخلاص البشرية إلا الاشتراكية العلمية.

في مذكراته "البدايات.. أربعون سنة في الحركة الوطنية الأردنية" يقول الدكتور زيادين أن قريته كانت "من أفقر القرى" من حيث الأراضي الزراعية، وكان هناك "الكثير من المظالم بين الناس" مما خلق لدية وعيا مبكرا في الصراع الطبقي. ويشير الدكتور زيادين الى أن سليمان النابلسي، الذي شكَّل أول حكومة حزبية وطنية في الاردن عام ١٩٥٦، ترك لدية انطباعا لأول مرة بأن "الوطن والوطنية والنشيد الوطني أشياء مقدسة لا يجوز الاستخفاف بها" حينما كان مدرسا في المدرسة الأميرية عام ١٩٣٣.

ويُقرّ زيادين في "البدايات" أن عام ١٩٤٣ كان عاما حاسما في بلورة قناعاته لأنه "استمع من الدكتور نبيه إرشيدات لأول مرة عن الظلم والاستغلال، ومن هو المستفيد منه، وكيف يتكون رأس المال من استغلال العمال بتشغيلهم ساعات عمل أكثر وأجور أقل".

التفت إلى نبيه إرشيدات وسأله بجدية تامة: "كيف تعرف كل هذه الأشياء؟ من أين لك كل هذه المعرفة؟ قل لي حالا…"

وأشار إرشيدات الى حي المزرعة في دمشق وقال له: "هنا مكتب الحزب الشيوعي السوري، فيه كل هذه المعلومات،وهناك جريدته (صوت الشعب) التي تصدر يوميا من بيروت." وأجابه زيادين: "خذني حالا الى هناك. وأرسل لي الجريدة غدا. وخذ الاشتراك الان…"

ويضيف زيادين: "دخلت مكتب الحزب.. رأيت عشرات الكتب والكراريس والمنشورات وصور لينين وستالين التي أراها لأول مرة على الجدران. جمعت عدد من الكتب وعدت الى البيت. لم أغمض جفني حتى قرأتها كلها، ثم نمت هادئ البال سعيدا سعادة لم أعشها من قبل، سعادة من وجد ضالته الغالية. بعد ذلك راودتني أحلام الإخاء بين الناس وانتفاء الظلم والطغيان والاستبداد والاستغلال."

من نافلة القول أن الدكتور يعقوب زيادين جزء من الذاكرة الوطنية الاردنية، وعلم من اعلام النضال في الاردن والعالم العربي.

ويقول زيادين إن من ربط رزقه ورزق اطفاله بمؤسسات الحزب (أي حزب) وأمواله لن يستطيع امتلاك القدرة على نقد سياساته الخاطئة، مضيفا أن استقلاله الاقتصادي ساعده على المحافظة على موقفه، وكشف الأخطاء التي ارتكبها بعض رفاق دربه.

وفي المخيمات الفلسطينية يعرف الجميع أن أبا خليل كان يعالج الفقراء مجانا.. كان يصادقهم ويشاركهم شظف العيش. ويتذكر أبو خليل الخيمة التي ولد فيها، مشيراً الى أن تلك الايام ما زالت منطبعة في ذهنه حيث الحياة المتواضعة البسيطة، ويقول الى انه عمل كثيرا على مساعدة أهله في تلك الفترة ورعى الغنم لفترة قصيرة.

ويشر زيادين الى انه دخل المدرسة مبكرا.. "كانت الحياة صعبة، مما انعكس على حياة الناس حيث كان الاطفال يذهبون إلى المدرسة حفاة شبة عراة، ويجلسون على الارض الباردة في الشتاء. كانت القرية فقيرة جداً، وكان معظم أبناء صفه الصغار، جوعى في معظم الأحيان، يأكلون خبز القمح وخبز الشعير، أو خبز الذرة، وأعتقد أني كنت الطالب الوحيد الذي يملك رغيفاً من خبز القمح.." ويثنى زيادين على والدته الفلاحة الأمية التي شجعته على الذهاب للدراسة.

وجد الطبيب الشاب عند تخرّجه عملاً في مستشفى "أوغستا فيكتوريا" أو "المطلع" في القدس، فضمن من خلاله مأوىً ومصدر دخل. أضرب أبو خليل مع أطباء المستشفى عن العمل، إثر قرار وكالة الغوث بإغلاق المستشفى، ونجح في النهاية بالتصدي للقرار.

في القدس لم يكفّ أبو خليل عن العمل السياسي، إذ ازدادت شعبيته بين المقدسيّين بعد التصدي لقرار إغلاق المستشفى، حتى جاءت انتخابات ١٩٥٦ وفاز فيها عن مقعد القدس إلى جانب خمسة شيوعيين.

كانت الاوضاع في الاردن في فترة حكومة سليمان النابلسي الوطنية تبشر بالخير مما أسهم في "رفد آمال الناس بحكم وطني ديموقراطي"، كما يقول زيادين في مذكّراته. في ذلك الوقت، شُكّلت لجان لمكافحة الفساد، وأُجريت المفاوضات لإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية، وسُمح للحزب الشيوعي بإصدار جريدة "الجماهير" الأسبوعية.. إلى أن أقيلت حكومة النابلسي، وبدأت مطاردة الوطنيين والشيوعيين، ليقضي يعقوب ١٢ عاماً في المعتقلات الأردنية.

كان معتقل "الجفور" الصحراوي الرهيب يرمز إلى نهاية العالم. وكان المعتقل (الذي أقامه غلوب باشا، قائد قوات البادية البريطاني في جنوب الأردن)، يضمَّ عدداً من الرموز الوطنية: بهجت أبو غربيّة، فؤاد نصّار، منيف الرزّاز، وغيرهم. حوّله المعتقلون إلى مدينة صغيرة تضم مزرعة للخضار والفاكهة، مراكز للترجمة، ومحاضرات تثقيفية وتعليمية، وعيادات طبية لمعالجة المعتقلين والسجّانين وعائلاتهم.

رحل أبو خليل، القائد الاممي المرموق، وفي قلبه غصة وفي نفسه حسرة، جراء تدهور الحال العربي الى الدرك الاسفل، وانكفائه الى عصر الظلمات، وخذلانه لآمال وتطلعات وتضحيات عدة اجيال من المناضلين العرب الذين نذروا حياتهم لخدمة امتهم، والدفاع عن حقها في الحرية والتقدم والعيش الكريم.

كان أبو خليل قائداً بمعنى الكلمة، وقاسماً مشتركاً لتيارات الحركة الوطنية الاردنية التي ما فتئت تفقد رموزها وفرسانها تباعاً، دون أن تقوى على سد الفراغ.

وداعاً.. أبا خليل، سيبقى مكانك عابقاً بأريج المحبة والوفاء..‏

لك الغار والندى.. فالأشجار تموت واقفة.

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Jönköping

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك