السياسة بين الصاحب والعدو - أهلاً العربية

السياسة بين الصاحب والعدو

بقلم/
مصر : ۲٤-۳-۲۰۱۵ - ۸:۰۰ م - نشر

fightersأتحدث عن السياسة.. فقط كمشاركة.. لن يكون حديثي عن السياسة كفعل.. أي كقرارات اتخذت من أجل التعدي على حقوق الآخرين.. أو من أجل مؤامرات تحاك.. أو حتى بحسن نية.. وإنما حديثي في الحقيقة عن ما خلف السياسة.. سأتحدث عن الفاعل السياسي.. عن ذاك الشخص الذي يقوم بالفعل كيفما كان ذاك الفعل.

أقتبس من "ول ديورانت" كلمات عن المشكل السياسي إذ يقول "وراء المشاكل السياسية تكمن طبيعة الإنسان، ولنفهم السياسة يجب علينا لسوء الحظ أن نفهم علم النفس.. تختلف الحكومات باختلاف أخلاق الرجال".

أظن أن هذا الإقتباس كاف لتوضيح الأمر.. فالحقيقة أنه خلف كل فعل سياسي هناك مقرر.. هناك شخص أو جماعة تؤمن بمادئ معينة، حتى وإن كانت هذه المبادئ غير أخلاقية بالمرة.. لطالما قرأت عن الجماعات السرية التي تقوم بأفعال إبادة وقتل وذبح إيمانا منها بفكرة اقترحها عليهم أحدهم، وأكدها لهم.. وليست الجماعات السرية وحدها.. فما هو ظاهر كان كذلك أيضا.. طوال التاريخ البشري كافحت طوائف دينية بعضها البعض وقتلت أعداءها متى ما تسنى لها ذلك.. وكان الضعيف يذعن للقوي حتى إذا تمكن انقلب السحر على الساحر.

أنا أدين حقيقة لأحد أساتذتي الذي شرح لنا عن النازيين كيف أنهم لم يكونو أشرارا بطبيعته، أي الشر من أجل الشر، وإنما كانو يؤمنون بمبادئ استوحاها نظامهم من نظرية دارون وغيرها.. وحتى هتلر نفسه الذي استطاع أن يقنع شعبه بتلك الفكرة الماكرة إن استطعنا دراسته بدون خلفية معنوية.. سنجد أنه قد هرب من واقع أليم.. شاب رأى الحياة بطريقة سوداوية.. ولكم أن تقرأوا رسائله التي كان يرسلها لعشيقته لتصدموا بكلماته تلك.. أحب أن أذكركم أنني لا أدافع عنه مطلقا.

تاريخ الكنيسة الكاثوليكية حافل بذكريات لا تحب الحديث عنها.. بل وحاربت بشتى الوسائل كل من سولت له نفسه نبش الحفريات القديمة.. وتاريخنا نحن المسلمون ليس أبيضا على الإطلاق: محمد بن تومرت، السلطان سليمان، معاوية، وغيرهم.. هي أسماء مبجلة في تاريخ السلاطين والملوك.. ولكن من أجل تلك المكانة التي احتلوها فقد دفع الثمن باهضا، لم يكن مالا فحسب.. وإنما كان دما نفيسا.. دما بشريا.. وجماجم احتوت يوما على عقول عبقرية.. وحتى إن لم تكن كذلك فاستباحة حرمة الإنسان كانت إحدى الطرق التي نعبر فيها عن قوتنا.

خلف ذلك.. أجزم بحزم.. أنه إن أردت أن أحكي لكم عن السلطان سليمان مثلا كيف قتل ابنيه وثلاثة من أحفاده، سوف تشمئزون.. ولكن إن شرحت لكم نفسيته ووضعيته وخوفه.. وعوامل عديدة سوف يكون اشمئزازكم قد تبخر لأن الحكم حينها سوف يكون منصفا.. أحب تذكيركم مرة أخرى أنني لا أدافع عن أحد.. إذ أني اعلم أن ما قاموا به لا يمكن أن يعتبر صحيحا.. لكن أحاول جاهدا أن أجعلكم تنظرون إلى المسألة بشخصية كل واحد فينا.. أن نلتمس أعذار كل شخص.. أن ننظر للحياة بطريقة أكثر وعيا وتبصرا.

والآن في عالمنا المعاصر.. واستفادة من تاريخ "عظيم" حافل بالخبرات والتجارب.. هل تعتقدون حقا أن بشار الأسد.. أو داعش.. أو إسرائيل…. أو أيا كان.. هل تعتقدون أنهم سيتخلون عن ما يفعلون بسهولة.. منهم من يؤمن حقا بقضيته تماما كما نؤمن نحن بقضيتنا.. ومنهم من يفعل ذلك لغرض مصلحة، وحتى هذا أعتبره مؤمنا لا واعيا بأن العالم ساحة حرب ولذلك وجب أن يحمي نفسه.

ما الذي أحاول التلميح له؟ خلاصة الأمر أنني أعتقد بصراحة تامة.. أنني كإنسان ليس هدفي في هذا العالم أن أصارع أو أحارب.. ليس هدفي أن أغير أحدا.. حتى أنه ليس هدفي أن أثبت وجهة نظري في عقل أحد.. العالم ليس ساحة حرب نحيا من أجل أن نموت.. العالم أوسع وأرحب من ذلك بكثير.

سوف أدلي بملاحظة قد لا تعجب البعض.. نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. قد كان واعيا حقا حينما قال لقريش "ما تظنون أني فاعل بكم.. قالوا أخ كريم وابن أخ كريم.. قال اذهبوا فأنتم الطلقاء" لقد استطاع أن يكون مبصرا لحقيقة كل منهم.. ما وراء أفعالهم.. ما يتجاوز القرارات الواعية التي يأخذونها.

وبهذا فإن كنت تدعو لإسلام يوصي بإبادة الكفار، الذين هم في هذه الحالة باقي العالم.. فأعتذر لك.. ابحث عن أحد غيري فهم في انتظارك..

ملاحظة أخيرة: إن كان أحد يريد نسخ هذه المقالة ونشرها باسمه.. فأنا أجيز له ذلك.. فقط من أجل أن لا يبوء بإثمي.. لكن عليه أن يتذكر أنه بذلك يقتل بذرة الإبداع بداخله.

أيوب لعبيديMorocco, Rabat

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق