الإرهاب وإعتداء تشارلي - أهلاً العربية

الإرهاب فقط إعتداء تشارلي: من ليس معنا فهو مع الإرهاب

بقلم/ عبد الباقي بن مير
مصر : ۱۷-۱-۲۰۱۵ - ۸:۱۱ ص - نشر

إن أية حادثة أو ظاهرة لابد أن يكون وراء ظهورها إرهاصات وبوادر تساعد على بروزها وانتشارها، ولا شك أن الأحداث الأخيرة التي عاشتها فرنسا كانت نتيجة لعدة تراكمات اجتماعية ودينية وسياسية وأمنية استخبراتية.

على الرغم مما عاناه العالم الإسلامي والعربي، وما يعانيه حتى اللحظة من دمار ومآسي وكوارث، إلا أن نظرة العالم الغربي له لم تتغير قط، فهو دائماً المصدر الوحيد لمشاكلهم وأزماتهم، وما تعانيه دوله، بل هو المُصدِر لمرتكبي الجرائم هناك، فكل المتطرفين من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وكل حدث عنيف أو اعتداء أو عملية إرهابية فأبناء الجالية المسلمة وذوي الأصول العربية تحديداً وراء ذلك.

١- حرية تعبير أم تطرف وتشهير:

سنُركز ونسلط الضوء كثيراً في هذا المقال على حرية التعبير والصحافة، بحكم أنهما كانا العاملين البارزين في أحداث تشارلي وعليه سيحاول الباحث تتبُع بعض المُفارقات فيما يخص الحرية التي يلوح بها الغرب، خاصة فرنسا، أين ساعدت تلك المفارقات على تنامي الفجوة، والهوة بين أفراد المجتمع هنالك؟

أين الحرية التي تنادي بها فرنسا من منع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب، فقد صدر قانون رقم ٢٨٨-٢٠٠٤ المؤرخ في ١٥ مارس ٢٠٠٤ والمتعلق بحظر ارتداء الرموز الدينية داخل المدارس والمعاهد الحكومية. وبعده صدر قانون رقم ١١٩٢-٢٠١٠ المؤرخ في ١١ أكتوبر ٢٠١٠ والمتعلق بحظر تغطية الوجه "النقاب" في الأماكن العمومية، وفي المقابل يتم السماح لغير المسلمين بارتداء، ووضع ما يحلو من رموز وشعارات دينية مثل الصليب بالنسبة للمسحيين، والطاقية بالنسبة لليهوديين دون قيد أو شرط.

أليس ذلك استهدافاً لفئة دون غيرها، ولدين دون غيره؟ كما أن تلك القوانين جاءت مناقضة لنص إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لسنة ١٧٨٩ وفي مادته الأولى التي تنص: "يولد الناس ويعيشون أحراراً متساوين في الحقوق، ولا يمتاز بعضهم عن بعض إلا فيما يخص بالمصلحة العمومية". وهنا لا أعتقد أن المصلحة العمومية تقتضي ما تم منعه، وتنص المادة الرابعة من الإعلان نفسه على أن: "كل الناس أحرار والحرية هي إباحة كل عمل لا يضر أحداً. وبناء عليه لا حدً لحقوق الإنسان الواحد غير حقوق الإنسان الثاني. ووضع هذه الحدود منوط بالقانون دون سواه". وهنا أيضاً أليس ما نُشر في تلك الصحيفة ألحق ضرراً بفئة كبيرة عبر العالم، وكبيرة أيضاً في فرنسا ذاتها؟

وفي مادته الحادية عشر كذلك ورد: "إن حرية نشر الأفكار والآراء حق من حقوق كل إنسان. فلكل إنسان أن يتكلم ويكتب وينشر آراءه بحرية. ولكن عليه عهدة ما يكتبه في المسائل التي ينص القانون عليها".

في يوم الأربعاء ١٤ جانفي الجاري تم طبع ما يزيد عن ثلاثة ملاين نسخة من صحيفة تشارلي إيبدو في عدد خاص يحمل الرقم ١١٧٨، وبستة عشر (١٦) لغة، وسُوق أو بِيع في ٢٥ دولة، والعدد يحمل صوراً مُسيئة للإسلام، ولرسوله محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام. فلماذا لا تتحمل تلك الصحيفة مسؤولية ما نشر؟

فالصحافة الحديثة تعتمد اعتماداً تاماً على الرسوم، للتأثير الكامل في نفوس الجماهير، والرسوم الكاريكاتورية هي سلاح خطير في أيدي الصحفيين يجب أن يحسنوا استغلاله. فإن رسماً واحداً من هذا النوع يُشيع السخط على شيء أو السخرية منه أو الرضا به والانحياز إليه. كما لا تستطيع الفنون الصحفية الأخرى أن تصل إليه أو تقوم به، فالكاريكاتير لا ينقل شيئاً من الخبر أو الحدث، إلا أن يريد به دائماً نقد شخص من الأشخاص أو فكرة من الأفكار أو لرأي من الآراء، أو سياسة معينة (١).

وهو ما حصل فعلاً في الصور التي نشرتها الصحيفة الفرنسية، فهي بذلك تستهزئ بشعور المسلمين الذي يزيد تعدادهم عن ١,٧ مليار مسلم عموماً، وفي فرنسا ثلاثة ملايين مسلم (٢)، وهو ما يثبت ويؤكد السخرية والاستهزاء.

فالإقرار بالديمقراطية في المواثيق والبرامج لا يكفي، وإنما يجب ترجمة مفاهيم الديمقراطية من خلال تجسيد ذلك في الصحافة والتعبير واحترام الرأي الآخر في الممارسات اليومية، وعلاقات القوى السياسية بعضها مع بعض وتطور مختلف أشكال العمل المشترك (٣).

٢- ديمقراطية وحرية إنسان مزيفتان:

إن الإنزال الكبير والتوافد القوي المتمثل في العدد الذي ناهز أربعين (٤٠) رئيس دولة، وشخصيات دبلوماسية، تنديداً بما حدث من اعتداء على مجلة أو صحيفة تشارلي إيبدو الساخرة. هذا فضلاً عن الأعداد الهائلة من الفرنسيين التي فاقت ١,٦ مليون شخص بباريس وحدها، و٢,١ مليون في مناطق متفرقة من فرنسا والتي من ضمنها المغتربين بما فيهم أفراد الجالية العربية، ذلك الإنزال والتوافد قد يُنِم فعلاً على رفض الإرهاب، لكن هل كان سيحضر كل من حضر مسيرة الجمهورية الأحد ١١ جانفي الجاري لو أن مرتكبي اعتداء تشارلي هم فرنسيين من أصول فرنسية؟ الأكيد طبعاً لا. والأكثر من ذلك ما كان يدعو لتنظيم المسيرة أصلاً.

فرغم ما تشهده الدول العربية، وخاصة دول الربيع العربي من مشاهد مأساوية من قتل يومي، وتفجيرات من حين لآخر، لم تتحرك الدول الغربية للتنديد بما يحدث، وإن حدث فذلك إلا من أجل الاستهلاك الإعلامي، والتسويق لإنسانية تلك الدول، ويمكننا هنا أن نتغاضى على الاستشهاد بدول الربيع العربي، إذا سلمنا جدلاً بأن أطراف تلك الأحداث داخلية، ومن أبناء البلد الواحد.

لكن ما حدث ويحدث في العراق منذ سقوط العاصمة بغداد مارس ٢٠٠٣، حيث تجاوز عدد القتلى المليون شخص (٤)، ومن احتلال إسرائيلي لدولة فلسطين حيث يموت الآلاف من الأبرياء، خاصة من قطاع غزة، إذا علمنا بأن مجازر غزة الأخيرة فقط لسنة ٢٠١٤ خلفت خسائر مادية وبشرية هائلة، فمثلاً بلغ عدد الشهداء خلال ٥١ يوماً ٢١٤٧ شهيدا، بينهم ٥٣٠ طفلاً و٣٠٢ امرأة و٢٣ من الطواقم الطبية و١٦ صحفياً و١١ موظفاً من وكالة غوث وتم تنفيذ ٨٢١٠ هجمة على القطاع، وبلغت تقديرات الخسائر الاقتصادية ما يزيد عن ٣,٦ مليار دولار (٥).

رغم ذلك لم نشهد حركة بذات الحشود البشرية، وبذات الصدى الإعلامي ما عدا بعض الأصوات من هنا وهناك التي لا تأخذ الطابع الرسمي. بل على العكس من هذا فعدد كبير من الدول وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا لا تتوانى في دعم الجهاديين، والمتطرفين والجماعات المسلحة في العديد من الدول العربية، فعلى فرنسا خاصة مراجعة حساباتها تجاه الدول العربية وسياساتها حيال عدة قضايا وفي مقدمتها تمويل الجماعات المسلحة في عدة مناطق، من خلال تقديم الفدية نظير إطلاق صراح بعض الرهائن الفرنسيين، بالإضافة إلى التدخل في الشؤون الداخلية لعدد من البلدان، الذي تجسد في ضرب دولة مالي سنة ٢٠١٣ وتسليح ما يطلق عليه بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق مثلاً.

٣- فرضية المؤامرة واردة:

هناك قناعة شبه عامة في أوساط الناس، بما فيهم الكُتاب والمثقفون والسياسيون بأن كل أمر يرمز للطائفية حتى لو كان يرمز للطائفية أكثر من كونه يعني الطائفية فهو مذموم ينبغي النأي عنه (٦).

من وجهة نظري المتواضعة أرى بأن مسيرة الجمهورية ينطبق عليها مقولة "كلمة حق يراد بها باطل" وأعتقد أن المستهدف الوحيد منها هو الإسلام والمسلمين، كما أن عدم استدعاء حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبن، للمشاركة في المسيرة كان مقصوداً لإبعاد التأويلات، والقراءات التي تفسد ما أريد وسُطر للمسيرة.

فالطائفية ببساطة هي: ميل فردي أو اجتماعي إلى تفضيل تفسير محدد، أو مدرسة فقهية محددة لدين أو مذهب على غيرها من الأديان والمذاهب، يأخذ بتأثير ظروف اقتصادية وسياسية، صفة تعصُبِية تتداخل مع مفهوم اعتبارات الذات في تفضيل أبناء المذاهب المذهب نفسه أو الدين نفسه على غيرهم من المنتمين إلى مذاهب أو أديان أخرى، وقد تتصاعد هذه الميول أحياناً إلى حد تتخذ فيه أشكالاً عدوانية تجاه المذاهب أو الأديان الأخرى (٧).

وهو ما أدى بالخبير الأمني أحمد عظيمي للقول: إن حادثة تشارلي إيبدو هي سيناريو مفتعل أريد به صفع فرنسا بعد إقرارها في الآونة الأخيرة بعدالة القضية الفلسطينية، فقبل شهر من الحادثة اتخذ البرلمان الفرنسي موقفاً مدعماً لفلسطين، وقبلها بأسبوع فرنسا تتخذ موقفاً مدعماً للقضية الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة وتابع يوجد احتمال كبير في أن تكون الحادثة سيناريو مفبرك من طرف فرنسي أو اللوبي الصهيوني أو قوى أخرى خارجية. كما أشار الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: إن شكوكاً كبيرة تحُوم على العملية التي أسفرت عن مقتل ١٧ صحفياً، خاصة وأن الحبكة الفنية التي قدمها الفرنسيون ينقصها الكثير (٨).

٤- تعامل رسمي فرنسي ذكي:

في هذا الصدد أكد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أمام البرلمان الفرنسي يوم الثلاثاء ١٣ جانفي الجاري "إنه لا يمكن السماح بالاعتداء على المسلمين، والأماكن التابعة لهم" حيث أردف قائلاً: إن الإسلام يُعد الدين الثاني في فرنسا، لكن بعد حادثة تشارلي مباشرة تعرضت بعض المساجد، والأماكن التابعة للمسلمين إلى عمليات حرق وتخريب.

وبعدها بيوم مباشرة أي يوم الخميس ١٥ جانفي، ألقى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند كلمة في معهد العالم العربي، قال فيها: "إن المسلمين هم أول ضحايا التعصب والتطرف وعدم التسامح في العالم، وأن الإسلام المتطرف والراديكالي تغذى من كل التناقضات والنزاعات التي لم يتم تسويتها منذ وقت طويل" (٩).

أعتقد أنه لو لم تُعد صحيفة تشارلي إيبدو نشر تلك الصور لما طل علينا الرئيس الفرنسي ليقول ما قاله كمحاولة منه لصرف النظر عن إعادة نشر الصور.

وفي الأخير هنالك أسئلة تطرح نفسها: هل الإرهاب هو الإسلام والمسلمين؟ هل الإرهاب ينحصر في اعتداء تشارلي؟ على اعتبار أن جُل وأغلب الشعارات المرفوعة في مسيرة الجمهورية نادت بالحرية، وحرية التعبير أساساً بعد الحادثة، التي قُتل فيها ١٧ شخص خلال ثلاثة أيام. ويتم غض الطرف على الآلاف بل الملايين من القتلى في الدول العربية منذ فترة طويلة.

الهوامش والإحالات:

(1) عبد اللطيف حمزة، الصحافة والمجتمع، القاهرة: دار القلم للنشر والتوزيع، 1963، ص ص19- 20

(2) المسلمون في فرنسا. متوفر على الرابط التالي:

(3) فلاح أمين الرهيمي، أمركة العالم وليس عولمته. ط1، دمشق: تموز للطباعة والنشر والتوزيع، 2012، ص ص147- 148

(4) القتلى في العراق. متوفر على الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/539065fe-9bc1-4cf2-a395-83244ad1f657

(5) محمد إسليم، هذه مخلفات العدوان الإسرائيلي على غزة. متوفر على الرابط التالي: http://www.maghress.com/akhbarona/87411

(6) موسى الحسيني، "الطائفية في الوطن العربي: تعريفها وأسباب ظهورها"، المستقبل العربي، العدد413، جويلية 2013، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 195

(7) كاظم شبيب، المسألة الطائفية: تعدد الهويات في الدولة الواحدة. ط1، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2011، ص ص49- 50

(8) راجع بهذا الصدد:

– أحمد عظيمي، "حادثة تشارلي صفعة للحكومة الفرنسية بعد إعلان مساندتها لفلسطين". يومية الشروق الجزائرية، العدد: 4616 الصادر يوم: 13/01/53 ص 10

– عبد الرزاق قسوم "تشارلي إيبدو مشكوك في أمرها وهي عملية فنية تنقصها الحبكة". نفس المرجع، المكان نفسه

(9) فرانس 24 "فرانسوا هولاند: المسلمون هم أول ضحايا التعصب والتطرف وعدم التسامح" متوفر على الرابط التالي:

عبد الباقي بن ميرAlgeria, Tiaret

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق