الخطاب الديني - أهلاً العربية

الخطاب الديني ما له وما عليه

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۵-۱-۲۰۱۵ - ۱۱:۱۲ ص

في إحتفالية وزارة الأوقاف بمناسبة المولد النبوي الشريف ألقى الرئيس السيسي كلمة قوية حمّل فيها الأزهر الشريف إماماً ودعاة مسؤلية تجديد الخطاب الديني وأشار إلى أنهم مسؤلون أمام الله عن تحديث الخطاب الديني ونشر مفهوم الدين الوسطي بما يتوافق مع مقتضيات العصر. ولا يخفي علي أي مصري أو عربي أن هذه الدعوة أتت من محض ما تعانيه مصر من ويلات التطرّف الأرعن الذي تصاعد فيما بعد إلى إرهاب وتهديد للأمن القومي.

جُملة "الخطاب الديني" تحمل من المدلول والمضمون ما يتخطى حدود الوعظ والإرشاد التي تلقن من على منابر المساجد، والحوارات والمناظرات التي تُبث عبر برامج التلفزيون. هي بلا شك جملة تحمل معاني عريضة شاملة وتغطي مساحات واسعة من المجتمع وتفعيلها لن ينحصر على الدعاة ورِجَال الدين بل المعلمون والكتّاب والمثقفون وكل من ملكت أهليتةُ القدرة على النهضة بالعقول.

ولا تكمن صعوبة هذا المهمة في كيفية نقل المفاهيم والتعاليم، فشبكات الإنترنت وبرامج التواصل الإجتماعي والبث الحي للمحاضرات والإجتماعات العلمية تنقل المعلومات في دقائق وبين البلدان والقارات، ولا في نُدرة الكوادر والمؤهلين فهناك فيض ووفرة في عقول على قدر من الِإحاطة والإطلاع تنتظر وتتحفز للحظة الإنطلاق، ولا في كم البشر الذي تخطى التسعين مليونا فالتكوين الفكري للمصريين بسيط يعشق الحضارة ويستطيع بذكاء أن يستخلص منها ما ينفعه وينبذ ما لا ينفعه، ولكن تكمن صعوبتها في إعادة شرح وتفسير الفتاوى والإجتهادات الموجودة في كتب التراث الديني وهي كَتب ترجع إلى أصحاب السنن مثل البخاري ومسلم وابن حبان وابن دَاوُدَ والنسائي وغيرهم، فهناك مشكلة في تعامل البعض مع هذه الكتب والتي لم تترك شاردة وواردة إلا وتناولتها وتحتوي على أراء وإجتهادات عن أحداث معينة تمت في سياق تاريخي معين يختلف تماماً عن السياق المُعاصر الذي يتميز بالتطور التكنولوچي والعلمي ونمط الحياة السريع وعلاقات معقدة.

ليس معنى هذا أن نستدرج اجتهاداتهم وتفسيراتهم تحت النقد الفكري أو العلمي أو نرفض ما قبلوه ونقبل ما رفضوه، أو نشجب ونستنكر ما أقْروا بشرعيته ووجوبه، بل نستنبط منهم إجتهادات متزنة سوية تحوي مفاهيم الدين الوسطي وتتوافق مع تغيرات العصر التي إرتقت فيه العلوم والمعرفة وانفتحت الثقافات على بعضها وتشابكت المصالح الإقتصادية والسياسية والدولية.

تخيلوا كيف يكون حال المسلم إن إستنبطنا منها إجتهادات تبني قيم إنسانية وأخلاقيه تكون جزءاً أصيلا من سلوكيات المسلم المُعاصر. مثل دقة العمل وإتقانه، إحترام الحقوق والحريات، رفض النظرة السلبية للعالم وإعتبار أن كل ما هو قادم من الخارج عدوا أو بدعة، عدم إطلاق أحكام سلبية على من يختلفون في العقيدة أو الدين، ترسيخ النزاهة والإمتناع عن الرشوة، إحترام البيئة والحفاظ على النظافة، ثم إعلاء المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. جميعها قيّم ثرية إن إتبعها المسلم ستتغير التربية الدينية والمجتمعية والفكرية لديه وسيكون بالفعل سيد الكون.

الخطاب الديني بما له وما عليه قادر على إحداث كل هذا التغيرات الجوهرية بسلاسة وفاعلية فحياة المسلم كانت ولازالت تدور حول ما ينصه القرأن وتُقِره الشريعة والسنة وهي المدخل الحقيقي لعقله وقلبه، وتلك حقيقة لا تقبل التأويل. فعلى كل من يحمل مسؤلية الخطاب الديني أن يقدم خطاب حكيم معتدل يتزن معه التكوين العقائدي للمسلم يستطيع من خلاله أن يرفض العنف والفكر المتشدد ويميز بين الإتجاه السوي والمنهج المنحرف ثُمَّ يكون بدوره مرشد ومعلم ينقل هذا المعرفة إلى أجيال حق لها أن تتباهى بدين وعقيدة يشهد لَهَا العالم بالسماحة والسلام.

نحن مسؤلون أمام أنفسنا وأمام الله أولاً وأخيراً عن حالة الجمود والتقزّم والزلل التي أصابت الأمة الإسلامية عندما تركنا شرذمة ضئيلة من أصحاب الفكر التكفيري المتطرف يحددون هوية مليار ونصف مليار مسلم وتركناهم يرتعون في جهل ووحشية يقتلون ويهدرون الأرواح ويشوهون قدسية الأمة الإسلامية ويدعون أبنائنا تجني ثمار الحنظل. تعديل الخطاب الديني خطوة كانت تنتظر رجل شجاع ينادي بها وقيادات حكيمه تعمل لها. قد طال انتظارها ولكنها أتت وهي إن شاء الله مباركة. فتوكل على الله وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

فاتن حافظكاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق