رسالة في القدر - أهلاً العربية

رِسالَـةٌ فِي القَضَاءِ والقَدَرِ وأَفْعـال العِبـاد

بقلم/ مُحَمَّدٌ الشَّهـَـاويُّ الإبشَّـانيُّ الأثـَـري
مصر : ۱-۱۲-۲۰۱٤ - ۸:٤۵ ص - نشر

اللهُمَّ إنَّا نحْمَدُك على مَا علَّـمْتَ من البَيانِ. وألْهَمْتَ من التِّبْيَان. كمَـا نحْمَدُك على ما أسْبغْتَ مِـنَ العَطَاء. وأسبَلْـتَ مِـْن الغِطَاء. ونَعُـوذُ بكَ مِنْ شِرّةِ اللَّسَنِ. وفضولِ الهَذَرِ. كمَــا نَعوذُ بِكَ مِـنْ مَعَـرّةِ اللّـَكَنِ. وفُضُوحِ الحَصَرِ. ونَستَكـْفِي بِكَ الافتِتانَ بإطْراءِ المَادِحِ. وإغْضَــــاءِ المُسَامِحِ. كَمَا نَستَكْفِي بكَ الانتِصَـابَ لإزْراء القَادِحِ. وهتْكِ الفاضِحِ. ونسْتغْفِرُك مِـنْ سَوْقِ الشَّهـَواتِ. الى سوقِ الشُّـبُهاتِ. كمَا نستغْفِـرُكَ مِنْ نقْلِ الخطَوَاتِ. الى خِطَطِ الخَطِـيئَاتِ. ونسْتَوْهِبُ مِنْكَ تَـوفِيقَاً قَائِداً إلى الرُشْدِ. وقَلْباً متقلِّباً معَ الحقّ. ولِساناً متحلّياً بالصّـــدْقِ. ونُطْقاً مؤيَّداً بالحُجّةِ. وإصابةً ذائِدَةً عنِ الزَّيْغِ. وعَزيمةً قاهِرةً هَوى النّفْسِ. وبصيرةً نُدْرِكُ بها عِرْفانَ القَدْرِ. وأنْ تُسعِدَنا بالهِدايَةِ. الى الدِّرايةِ. وتَعْضُدَنا بالإعانَةِ. على الإبـانَــــةِ. وتعْصِمَنا منَ الغَوايَةِ. في الرّوايَةِ. وتصرِفَنا عنِ السّفاهَةِ. في الفُكاهَةِ. حتى تأمَنَ حصــائِدَ الألْسِنَةِ. ونُكْفَى غَوائِلَ الزّخْرفَةِ. فلا نَرِدَ موْرِدَ مأثَمةٍ. ولا نقِفَ موْقِفَ مَنْدمَــةٍ. ولا نُـرْهَقَ بتَبعــــةٍ ولا مَعتَبَةٍ. ولا نُلْجَأَ الى معْذِرَةٍ عنْ بادِرَةٍ.

اللهُمّ فحقِّقْ لَنا هذِهِ المُنْيَةَ. وأنِلْنا هذِه البُغْيَـةَ. ولا تُضْحِنا عنْ ظِلّكَ السّابِغِ. ولا تجْعَلْنا مُضغَةً للماضِغِ. فقدْ مدَدْنا إليْكَ يدَ المسْألَةِ. وبخَعْنـــا بالاسْتِكانَةِ لكَ والمَسْكَنةِ. واستَنْزَلْنا كرَمَك الجَمّ. وفضْلَكَ الذي عـــــــمّ. بضَــراعَةِ الطّلَبِ. وبِضاعَةِ الأمَـلِ. بالتّوسّلِ بمحَمَّــدٍ سيَّدِ البشَرِ. والشّفيعِ المُشفَّـــــعِ في المحْشَرِ. الذي ختَمْتَ بهِ النّبيّينَ. وأعليتَ درجتَهُ في عِلّيّينَ. ووَصَفْتَه في كِتابِك المُبينِ. فقُلتَ وأنـــــتَ أصدَقُ القَـائلِين: "وما أرْسَلْناكَ إلاّ رحمـةً للعالَمينَ". اللهُمّ فصَلِّ علَيه وعلى آلِه الهادينَ. وأصحابِه الذين شادوا الدّين. واجْعَلْنا لهَدْيِه وهَديهمْ متّبِعينَ. وانْفَعْنا بمحبّتِه ومحبّتِهِمْ أجْمَعينَ. إنّك على كُلّ شيء قديرٌ. وبالإجَـابةِ جَـديرٌ.

يسأل البعضُ دومَاً عن قضيةِ القـَـدَر، بَلْ وهناك مَنْ هو فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْــرِهِ عن بعض مــا يتَعَـلَّقُ بقَضِيةِ القَضـَاءِ والقَـدَر، والكَثْرَةُ الكثيرةُ، حتى مِــنْ العَوَام، تعْرِفُ أنَّ أَعْمالنا مُقَــدَّرةٌ قَبْلَ خَلْـقِ الخَلْق بِأَلآف السِّنِين، وهَذا يجْعَلهُم يَتَـسائَـلُـون: إذا كَـانَ ذلِكَ كذلِك، فلِماذا يُعَذَّبُ الإنسـانُ الذي يقْتَرِفُ السيئات أَصْلاً لا سيمَا وهذا مَكْتُـوبٌ، ومُقَدَّرٌ مِـنْ قَبْل خَلْقِ الخَلْق بخمسين ألف سَنَة؟! أيّ فمَتَى كـانت الحَسَنَات مُقَــدَّرَة في اللوحِ المَحْـفُوظ، فلا جَـرَمَ أن السيئاتَ كذلِك وهذا إذن فيهِ، لِمَنْ يَجْهَـلُ حِكْمَة الله وراء ذلك التَقْدير، ظُــلْماً لِمَن يَرتَكِب السيئَة لأنَّهَا مُقَدَّرة أصلاً، وليس لَهُ كإنسانٍ أَنْ يُغَيِّر مَـا قَد قَــدَّرَهُ اللهُ جَلَّ وعَزْ وقضَاه! فَمَا الرَدُ الشَّافِي عَلَى مِثْل هذه المُلاَبسـَات والظنُون التي لا شَكَ تدورُ هُنَا وهُنـَاك في أذهَـانِ إخْـوانِنَا بَيْنَ الفَيْنَةِ والفَيْنَة. هذا وقَد ارتأَيْتُ، بِفَضْلِ اللهِ وكَرَمـه أَنْ أُجِيـب، في هذه الرسالة القَصيرة المُوجِزَة، عَنْ بَعض مــا يَشْفي صدور مَن يَبْـغُونَ الحَقَ طاعَــةً للهِ ورسُولِه، وليس أولئِكَ الذين رانَ على قلُبهم ودائمَاً وأبداً يُمـَـارونَ في الحَـق غَيرَ أنَّ الحَـقَ أبْلَج والبَاطِل لَجْلَج، وأعُوذُ باللهِ مِنْ كُفْرٍ بَعْـدَ إيمان.

مَنْ شَّـمَ رائِحَةَ العِلْمِ يَعْلَمُ جَـيدَاً أننا مَسؤولون عَنْ أَعْمـَالِنَا كما قال عَزَّ مِنْ قَـائِل: "وقِفُـوهُـمْ إِنَّهُـمْ مَسْؤُولُون" وهذا يعنِي أننَا القَادِرُونَ عَليها، أيّ أَعْمَالنـَا، فِعْـلاً وترْكاً، بَيْـدَ أنَّـهُ لا مَسْؤولية أَلْبَتـةَ دُونمَـا قُـدْرَةٍ واخْتيَار. واللهُ تعَالى هو المُسَدِّد والموَّفِق، وليسَتْ إرادتهُ "سَالِبة" لإرادةِ الإنسَـانِ واخْتيَارُه وقَـد هـدَانَا النجْـدين: نَجْدُ الخَيرِ ودعَانَا للتشَـبُث بِه، ونَجْـد الشَّر ونهَانَا عَنْ اقْتِـحَامِـه، ومِنْ المعلومِ أنَّ التغييـرَ يأْت مِنَ اللهِ بَعْدَ حُصُـولِ التَغْيِيرِ مِنَ الإنْسَان: "إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّــــرُ مَــا بِقَــــومٍ حَتَّى يُغَيِّــــرُوا مَـــا بأنْفُســِهِــم" غَيـرَ أنَّ عِلْمَ الله بِمَا يَجْـري ويصْدُر عَـنَّا ليس "دخيـلاً" في حدوثِهِ وصدُورِه، فهو نظيرُ عِلْمِ الأُسْتَاذ برسُوبِ التلْمِيذِ الفَـاشِل، ولا يكون عِلْمه بذلك، أي المُعَلِّـم، سببَاً لرسوبهِ، أي الطَـالِب، في الإمتحان، وللهِ المثل الأعْلَى. ومعنى كَوْن أفْعَال العِبَاد مُقَدَّرة هو كَونهَا مَعْلُومَة لله سُبْحَانَهُ وتعَالى، وليس بمعنى الجَـبْرِ والإكْرَاهِ عَلى حصولها مِنْ جَانِبِ اللهِ، واللهُ أعْلَـم.

وهناك أيضاً من يسألُ عن مدى حرية الإنسان والقدر؟ وعلاقه ذلك بعلم الله الأزلى؟ وعلاقته بما كتب أو يكتب فى اللوح المحفوظ؟

كَمَا أسْلَفْنَا فيما سبق أنَّ عِلْمَ الله تعالى بصدُورِ الأفعال من الإنسانِ ليس من أسبابِ صدورها "عَنْهُ" وإنَّمَا هـو مِنْ بَابِ الإنْكِـشَاِف والإطِّلاَعِ عَلَى أسبابِ حُصُولها بالإرادةِ والإختيَار، وهو لا ينافي صدورها بالقدرةِ والإختيار الـلاَّزمَـينِ لِحُصُولِ الأَفْعَال والمسؤولية عَنْهَـا، ومِن شروطُ التَّكْليفِ عِنْدَنَا "العَـقْل" والمَقْدِرَةِ على الفِعْلِ، والإرادةِ والإختيَـارِ في اتخَاذِ القَرَارِ، وهي تساوي حُـرِّيَـة الإنسان لأنَّهُ لَيسَ ثُـمَّة تكْـليِفٍ دُونمَا حُرِّيَة. وقد أشَارَ إلى هَـذا المَعْنَى الإمَامُ عَلي رَضْيَّ اللهُ عَنـهُ للسَّائلِ لمَّا سَأَلَهُ: "أَكانَ مَسيرنَا إِلى الشَّـامِ بقضَاءٍ مِنْ اللهِ وقَدَر؟" فـَرَدَ عَلي بن أبي طالب بعْـد كَلامٍ طَويلٍ أظنُّ هَذا غيَضٌ مِنْ فَيْضِـهِ:

"وَيْحَكَ! لعَلَّكَ ظَنَنْتُ قَضَاءً لاَزِماً، وَقَدَراً حَاتِماً، وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ والْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيد. إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً، وَلَمْ يُرْسِـلِ الأَنْبِيَاءَ لَعِبَاً، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً، “ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ".

ما هو مفهوم القدر في الفكر الإسلامي تحديداً، وهل له تعريفات متعددة في المدارس الفكرية في الإسلام؟

الذي يبدو من تتبع الحديث في مسألة القضاء والقدر عند علماء الكلام أنهم قد انقسموا حول معنى القدر إلى فريقين مشهورين، بعضهم أراد منه القدر اللاَّزم والقضاء الحَتْمِـي وهذا المعنى يؤدي إلى القول بأن الإنسان مجبور على أفعاله بلا وَزَر، كمَـا قالَ بعضهم في ذلك شعْـرَاً:

جَرَى قَلَمُ القَضَاء بِمَـا يَكُونُ … فَسيَّانَ التّحَرك والسكُونُ

جنُونٌ مِنْكَ أَنْ تَسْعَى لِرِزقٍ … ويُرْزقُ فِي غِشَاوَتِـهِ الجَنينُ

وبعضهم أراد من القدر "الإِحْكَامِ" بربْطِ المُسببَاتِ بأسْبَابِهَا والعِلْم بحصولها عَنْ إرادةٍ واختيار وهو بهذا المعنى لا يكون سالِبَـاً لإرادة الإنسان واختياره وكَذا لا يكون مُغْنيَاً عَنْ سَعْيِهِ لصُنْعِ حَاضِرِهِ ومستقبله. وقد أخذ هذا الجدل حيزاً مهمّا في علم الكلام انتقلت آثاره إلى قادة سياسيين كما يظهر من بعض الروايات منها ما نقله صاحب كتاب الطرائف عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: إن أحسن ما انتهى إلي ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنَّه قال: "أتَظُنُّ أَنَّ الذي نَهَاكَ دهَاكْ؟ وإِنَّمَا دَهَاَك أَسْفَلكَ وأَعْلاَك، واللهُ بَريءٌ مِنْ ذَاكَ". وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "لو كَانَ الزُّور فِي الأصْـلِ مَحْتُومَاً لكَـانَ المُزَوِّر في القصاصِ مظلومَاً". وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "أَيَدُلُّكَ عَلَى الطريِـق ويأخُذ عَلَيْكَ المَضِيق؟!". وكتب إليهِ الشَّعْبي: أحْسَـن ما سَمِعْت فِي القضَاءِ والقَدر قَـول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رَضْي الله عَنْـهُ: "كُلُّ مَا اسْتغفَرْتَ مِنْـهُ فَهْوَ مِنْك، وكُـلُّ مَا حَمَدتَ الله عَـلَيهِ فَهْوَ مِنْهُ". فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال: "لَـقَـد أَخَـذُوهَا مِـن عَـينٍ صَـافِيَـة”.

مُحَمَّدٌ الشَّهـَـاويُّ الإبشَّـانيُّ الأثـَـريEgypt, Alexandria

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق