حوار مع ألفونسو آركي - أهلاً العربية

مملكة الطين.. إبلا: حوار مع المستشرق ألفونسو آركي

بقلم/ د. مصطفى عبد الفتاح
مصر : ۲٦-۱۱-۲۰۱٤ - ۱۲:۳۹ م - نشر

arceإبلا: أقدم معجم، وأقدم معصرة زيتون، وأقدم معاهدة سياسية، وأقدم قصيدة حب في التاريخ… روما: متحف مفتوح، لكن تراب إبلا المذهل جذبني أكثر… أليست مفارقة أن تسألني، وأنت ابن هذه الأرض، عن تاريخ أرضكم؟

بتكليف من إدارة المشروع الثقافي الإيطالي الخاص بالمدن الأثرية المَنسِيَّة دُعيتُ لكتابة مسرحية تتناول تاريخ مدينة إبلا التي ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد في الشمال السوري، فقمت بزيارة موقع التنقيب في تل مرديخ، وسعت بي الجهود للقاء المستشرق والعالِم الإيطالي ألفونسو آركي، الرجل الأول الذي يقوم بمهمة ترجمة نصوص مملكة إبلا من اللغة الإبلوية إلى الإيطالية، زرته في مقر إقامة البعثة، كان الوقت مساءً حين رحب بي هذا الرجل الهادئ الخجول، واستضافني في منزله المتواضع، وهو رجل علم مثابر، لا يحب التلوث بالضجيج، ويقدس الوقت إلى درجة أنه يعتبر أن أي أمر يبعده عن بحوثه في ترجمة الرُّقُم الطينية هو أمر مزعج، حتى لو كان لقاءً صحافياً، وقد ابتعد عن حياة الرفاه التي تؤمنها له ثروة عائلته الغنية ليتفرغ للعلم، قليل الكلام، يقضي وقت استراحته في التأمل، وله ساعة قراءة يومية قبل النوم، يتصف بلطفه ومزاحه.

عبرتُ البوابة فإذا بي ضمن فسحة سماوية مربعة تملؤها الجرار الفخارية الكبيرة المُرَمَّمَة، وعلى أطرافها صناديق مليئة بمئات من القطع المكسَّرة، وهناك تَنْشُرُ حفيفَها بعضُ أشجار الرمان، ودالية عنب تسقف أوراقُها ثلث سماء الفسحة، وثلاث هررة صغيرة وأمها تجوب باحة الدار، وكان هذا الحوار..

س. ماذا تمثل مملكة إبلا بالنسبة لكم بعد هذا الزمن الطويل؟

ج. إبلا هي أقدم معجم، وأقدم معصرة زيتون، وأقدم معاهدة سياسية، وأقدم قصيدة حب في التاريخ.

س. لكل بداية سحرها الخاص، كيف كانت البداية؟

ج. زار العالم باولو ماتييه المنطقة كسائح في عام ١٩٦٢، وتعرف في متحف حلب على دمية فخارية معروضة في خزانة زجاجية لها تاريخ لم يشعر بالرضا حياله، وعلم أنها مصادرة أمنياً في منطقة تل مرديخ في محافظة إدلب، زار التل فرآه مغرياً بشكله، وبوجود فتات الفخار التي أظهرتها عمليات فلاحة التل من قبل المزارعين، بدأ العمل في التل عام ١٩٦٤، وتم العثور على عدد من اللُّقَى السطحية التي تعود إلى الألف الثالث وحتى الألف الأول قبل الميلاد، ظلت التنقيبات منذ بداياتها وحتى عام ١٩٦٨ خالية من أي شاهد كتابي يعين على معرفة اسم المدينة التي كانت عامرة في هذا الموقع أو لغة أهلها، أول الاكتشافات كانت في العام ١٩٦٨ حين تم العثور على جزء من تمثال لرجل منحوت من حجر الصوان الأسود فَقَدَ رأسه وجزءاً من أحد كتفيه، يحمل نقشاً كتب عليه اسم الموقع القديم لتل مرديخ أي "إبلا" مرتين، وكتبت عليه العبارة التالية: "إن ملك إبلا أبيت ليم يقدم هذا النذر إلى الآلهة عشتار"، وبناء على هذا الاكتشاف تأكد لنا أننا نبحث في موقع إبلا، وكان النقش باللغة الآكادية، وهي أقدم لغة سامِيَّة ظهرت مع السلالة الآكادية في بلاد الرافدين في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ومنذ ذلك الكشف لزمتُ البحث والتنقيب والترجمة، موزعاً حياتي بين روما وإبلا، روما متحف مفتوح، لكن تراب إبلا المذهل جذبني أكثر.

س. هذا يعني أنكم كنتم تعرفون اسم إبلا من قبل؟

ج. لم يكن الاسم إبلا نكرة في أذهان العلماء والمؤرخين، فهذا الاسم رددته النقوش الكتابية المسمارية التي خلفها الملك الآكادي صارغون الأول وحفيده نارام سين، ونقوش الملك السومري غوديا ملك لاغاش، فالملكان الآكاديان يزعمان أنهما احتلا إبلا، حيث عثر على كتابة تنسب لصارغون يقول فيها: "لقد استطعت أن استولي على إبلا وأرمانوم المنيعتين، وما كان باستطاعة أحد قبلي أن يقوم بهذا العمل"، أما الملك السومري فيعتز باستيراده الأخشاب من جبال إبلا، كما أن بعض النصوص الإدارية المكتشفة في مدينة أور بمنطقة الرافدين والتي ترجع إلى ٢٠٠٠ قبل الميلاد تذكر مدينة إبلا على أنها مركز لصناعة نسج بديعة، ويظهر اسم إبلا مقترناً باسم ماري أكثر من مرة في نص اكتشف في موقع "دربهم" في العراق، وفي مصر العليا كتابة هيروغليفية نقشت على أحد أعمدة معبد الكرنك في وادي الملوك، وتعود إلى عهد فرعون مصر تحتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وتحتوي قائمة بأسماء عدة مدن قديمة من بينها إبلا، باعتبارها ناحية اجتازها الجيش المصري في مسيرته المظفرة صوب الفرات، وورد ذكرها أيضاً في سجلات العَمَارِنَة جنوب فلسطين، وذُكِرَت كمدينة خربة حوالي العام ٦٠٠ قبل الميلاد.

س. بمناسبة الحديث عن خرابها، هناك تعارض في الآراء حول نهاية إبلا، ما هو الصحيح الذي ترونه؟

ج. حازت إبلا على عصرين من الازدهار: الأول في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، والثاني في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، ويرى مكتشف إبلا ماتييه أن القصر الملكي دمر نحو ٢٢٥٠ ق.م على يد الملك الأكادي نارام سين، بينما أرى أن المسؤول المحتمل عن دمار إبلا هو مملكة ماري، ولن يحسم هذا الخلاف حتى تنتهيَ أعمال التنقيب، وتترجم كل الرُّقُم الطينية.

س. ما قصة الألواح الطينية، وكيف تعاملتم مع محتوياتها؟

ج. حدثت الضجة الكبرى خلال التنقيبات في عام ١٩٧٥ عندما عثرنا على حوالي أربعين رقيماً طينياً مسطراً بكتابة مسمارية في غرفة الأرشيف، وهي صغيرة في أبعادها، ثم وجدت المئات من اللوحات الطينية المشوية تغطي أرض الغرفة، والتي تجاوز عددها ١٧٠٠٠ رُقَيم مسماري بين كامل وناقص، أما الألواح السليمة تماما فكان عددها حوالي٢٠٠ رقيم، وكتبت هذه الألواح بالإشارات المسمارية، التي تكتب من اليمين لليسار ومن الأعلى لأسفل، ومن الملفت للنظر أن هذه الألواح كانت مرتبة ومنظمة في غرفة الأرشيف على رفوف خشبية تسندها أعمدة، وصُنِّفَت الألواح حسب الموضوعات، فقسم للأدب وفيه نص مميز هو أنشودة النجوم، وقسم للنصوص الاقتصادية، وقسم للنصوص الدينية، وقسم للنصوص التعليمية، وقسم للنصوص السياسية وفيه نص مميز أيضاً هو نص معاهدة أبرسال، وقسم للنصوص الإدارية، وكانت الألواح مختلفة الحجوم حسب الموضوع، فكانت النصوص الإدارية ذات ألواح كبيرة، والنصوص الدينية والاقتصادية ذات ألواح صغيرة، كل حسب موضوعه واستخدامه، ومن أهم موضوعات النصوص المسمارية، وجود القواميس التي تحتوي على الكلمات الإبلوية وما يقابلها من كلمات سومرية، نظمت على ألواح كبيرة مربعة أو مستديرة، ولحسن الحظ فقد ساعد الحريق الذي تعرضت له غرفة الأرشيف على تقوية هذه اللوحات التي سقطت من رفوفها وتراكمت فوق بعضها البعض، وعدت هذه المكتبة أقدم مركز ثقافي وحضاري لسورية وبلاد الشام عامة، خلال الألف الثالث قبل الميلاد، إن كل النصوص المعجمية في إبلا وُجدت في موضع صغير تحت الرواق في باحة القصر الملكي، وهو مكان المحفوظات الملكية في المدينة، والنصوص المعجمية السومرية ذات اللغة الواحدة وردت على ٤٧ رقيماً جيدة الحفظ إجمالاً، و٢٠٦ أجزاء من الرُّقُم، والمجموع يعادل ما عُثر عليه في موقع فارة في العراق في مدينة شوروباك، وكذلك في موقع أبو صلابيخ، ويبلغ عدد النصوص المعجمية التي تشمل لغتين ٣٢ كاملة و٩١ جزءاً وبعض الشظايا، وبعضُ الرُّقُم المعجمية يحمل على الوجه عشرة أعمدة ومثلها من الجهة الخلفية، وأرى أن هذا الترتيب غير معروف في موقعي فارة وأبو صلابيخ، ولكن ثمة نصوص معجمية في إبلا تسير وفق النسق المعروف في ذينك الموقعين، ومن ذلك قوائم بأسماء المهن والطيور والأسماك وقوائم مفردات وأَثْبات جغرافية، وقد تألفت لجنة عالمية تضم عدداً من كبار علماء المسماريات في العالم مثل: إِدزارد، وغاريلّي، وكلينجل، وكوبر، وسولبرجر، للعمل على نشرها من قبل جامعة روما في سلسلة تحمل اسم محفوظات إبلا الملكية وهي المعروفة بالآريتات، وتتضمن مجلدات هذه السلسلة صوراً ونسخاً وترجمات لنصوص إبلا وشروحاً عنها، وقد صدر منها حتى الآن سبعة عشر مجلداً من النصوص الإدارية والدينية والتاريخية والمعجمية، وصدرت أربعة مجلدات أخرى عن معهد الدراسات الشرقية في جامعة نابولي بإيطالية، تُرجم بعضها إلى الإنكليزية وإلى الألمانية، لكن لم تترجم إلى العربية، وهذه مسؤولية يتحملها الباحثون العرب.

س. ذكرتم نَصَّين مميزين هما "أنشودة النجوم" و"معاهدة أبرسال"، ما الذي يضعهما فوق منصة التَّمَيُّز؟

ج. متأملاً نحو الأعلى.. نعم، أنشودة النجوم.. إنها نص مميز لأن هذه القصيدة هي أقدم قصيدة حب في التاريخ، تقول كلماتُها:

أَصْمُدُ خَبْخِي

أَصْمُدُ لَسَانِمْ

أَصْمُدُ دَخِرْ سَيْنَمْ

أَصْمُدُكِ كُلّ أَبْنِيْمْ صَلْمِيْمْ

عَلّْ زِيْدَاْنْ آمانْ

أَصْمُدُكِ عَلَى زَنَبَاتِ شَمْشْ

لابْنَمْ يَلِيْنْ، لَبْتُمْ

عَلَى بَانِيَّ إِنْلِيْلْ أَبِيْ إِيْلِيْ

وَ كَبْكَبْ

وهذه القصيدة تتحدث عن استعداد المحب لتقديم الهدايا لمحبوبته بمناسبة الزواج الذي سيتم في معبد إنليل، وأظنك قرأتَها وقرأتَ ترجمَتَها من قبل.

س. نعم قرأتُها وقرأتُ ترجَمَتَها، وقد أشار أحد الباحثين إلى أن هذه القصيدة تحمل عدداً من الكلمات العربية، مثل كلمة "أصمد" التي تعني أضع للتكريم، وكلمة "زنبات" التي تعني أطراف، وكلمة "شمش" التي تعني الشمس. النص الثاني المميز في رُقُم إبلا معاهدة أبرسال، ما هي تلك المعاهدة؟

ج. معاهدة أبرسال هي أول معاهدة سياسية واقتصادية في التاريخ، عقَدَتْها إبلا مع مدينة أبرسال التي لم يعثر عليها حتى الآن، وهي مكتوبة بأربعة وعشرين سطراً على وَجْهَي الرقيم، ويعود تاريخها إلى عام ٢٣٥٠ قبل الميلاد، وهي فترة القوة والازدهار لإبلا، تحدثت عن تبادل السفراء بين الدولتين، واستخدام ميناء إيمار على نهر الفرات والذي كان تابعاً لإبلا وقتها، وتضمنت عدداً كبيراً من اللعنات التي تصبها الآلهة على من يخالف بنود المعاهدة، مما يغني معرفتنا عن الحياة الدينية لإبلا، كما تضمنت المعاهدة أحكاماً ملزمة للطرفين وهي: عدم محاولة احتلال المناطق المجاورة بينهما، وعدم التشهير واللعن، والمحافظة على سرية الحركة التجارية بينهما، وعدم السماح للأفراد بالسفر إلى الدولة الثانية دون الحصول على موافقة حاكمها، وتسهيل حركة التجارة بين المدينتين، وعدم إراقة الدماء أثناء تأدية الشعائر الدينية، وهناك شروط خاصة بكل طرف من طرفي المعاهدة، وعقوبات تفرض على المخالف لشروطها، لكن الأمر الواضح تماماً أن إبلا هي الطرف الأقوى في هذه المعاهدة لأن الشروط التي فرضت على أبرسال أشد قسوة من تلك التي فرضت على إبلا.

س. هل أشارت الرُّقُم إلى دور المرأة في الحياة في تلك العصور؟

ج. كان للمرأة دور كبير في مملكة إبلا، فهي التي تشرف على الحصاد، وتدير مشاغل الصوف، ومن أشهر النساء الإبلائيات دوسيغو زوجة الملك إركب دامو التي لم تحصل على لقب الملكة، واستطاعت أن تضع ابنها إيشار دامو على العرش، ولم يبلغ الثامنة من عمره، كما وصلتنا بعض الأسماء للأميرات بنات إركب دامو، وهن: الأميرة كيشيدوت التي تزوجت من ملك كيش‏، والأميرة تشاليم التي تزوجت من الملك أتري دامو ملك إيمار، وكان لهذا الزواج دور سياسي في العلاقة بين البلدين، كما ورد ذكر الأميرة زانيب التي تزوجت من ملك لوبان، أما تكريش دامو فقد تزوجت من الملك مرا إيلو ملك نجد، فيما تزوجت كيرسون من ملك إيمار فيما بعد.‏

س. هذا عن نساءِ إبلا، ماذا عن المرأة في حياة ألفونسو آركي؟

ج. يضحك.. هذا جزء من ثمن التفرغ للعلم والبحث في مملكة التراب، لقد تأخر زواجي، وظن البعض أنني لم أفكر في الأمر البتة، لكن الحقيقة أنني لم أجد وقتاً لمشروع الزواج حتى التقيت بالعالمة ستيفانيا جيوفاني ماتزوني، الأستاذة في جامعة بيزا في روما، ورئيسة بعثة التنقيب في تل آفس الأثري قرب سراقب في إدلب، حيث توجد مدينة تاريخية قديمة اسمها حزرق تعود إلى العصر الحجري النحاسي في فترة الكالكوليت، وكانت قبلها تعمل في بعثة إبلا، وتم الزواج، ولم ننجب أولاداً، وعندما يسأل العاملون في التنقيب عن الأولاد تقول زوجتي المرحة جداً: أنتم كلكم أبنائي، أما أنا فأبنائي الرائعون هم مفردات اللغة الإبلوية في الرُّقُم الطينية، فأنا أعيش معهم منذ عشرات السنين.

س. لنتحدث إذاً عن أبنائكم الرائعين، هل تتعاملون مع اللغة، عندما تمارسون الترجمة، باعتبارها مجرد وسيط أو أداة للتعبير، أم باعتبارها وعاءً للثقافة التي تنتمي إليها هذه اللغة؟

ج. تنطوي عملية الترجمة الناجحة على صعوبات كبيرة، فما إتقان اللغتين سوى ركيزة واحدة من ركائزها، فيجب على المترجم مراعاة الثقافة التي أنتجت النص، والشروط التاريخية الخاصة بزمن كتابته، وغيرها، من هنا نجد أن المسألة فيها أكثر من مجرد اعتبار اللغة وسيطاً، ومن ذلك ما يذهب إليه البروفيسور آربري الذي قام بترجمة القرآن الكريم في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، من أن الترجمة الخلاقة هي للمعنى والروح لا للكلم والحروف، وبالتالي يجب اعتبار الثقافة التي تنتمي إليها اللغة، مع اشتراط الأمانة المتناهية للنص، رغم عدم وجود تطابق بين لغتين.

س. إذا لم يكن هناك تطابق بين لغتين، فهل الترجمة خلق وإبداع؟

ج. هذه المشكلة قديمة، يرى البعض أن المترجم هو الذي يقوم بتفهم الأفكار والأقوال في النصوص الأصلية ونقلها، وعندها يعد من الفنانين المبدعين، وهناك من يرى أن عملية نقل أثر من لغة إلى أخرى تنطوي على درجة الإبداع والإيحاء نفسها التي ينطوي عليها هذا الأثر، ولكن من الناحية الأخرى يرى بعضهم أن الترجمة ما هي في الأصل إلا مهارة من المهارات التي يمكن اكتسابها وصقلها وتطويرها، وأنها تصل إلى أعلى ذرا الكمال عند أولئك الأشخاص الذين يفصحون عن إحساس مرهف في أسلوبهم عندما يمتلكون تلك المهارة، وأنه إذا أراد المترجم أن يدلل على أصالته الفنية وجب عليه أن يأتي بالنص الأصلي للعمل الفني، وبوسع المترجم الملهم إعادة تشكيل عمل فني بأسلوب يجعله يبدو وكأنه عمل جديد، ومن ذلك ما قامت به كونستانس جارنيت في ترجمة آثار دوستويفسكي إلى الإنكليزية، والتي لا يوازيها إلا عمل يكون قد كتبه دوستويفسكي إنكليزي، لكن لا يغيب عن البال أنه في مثل هذه الحالات كان هناك أثر فني في اللغة الأصلية، وما الترجمة إلا عمل منبثق عنه.

س. هل تصعب الترجمة حين تكون اللغة المنقول عنها لغةً قديمة كاللغة الإبلوية؟

ج. نعم، ويصعب الأمر أكثر حين يكون الوسيط لغة ثالثة، فأنا أعتمد على اللغة السومرية لفهم اللغة الإبلوية ومن ثم ترجمتها إلى الإيطالية.

س. تعاملتم مع اللغة السومرية كمفتاحٍ لفهم لغة إبلا، مع أن اللغة السومرية من اللغات الهندوأوربية وليست لغة عربية؟ أليس في هذا الأمر قطع للصلة بين إنسان الأمس الذي كتب بتلك الكتابات السحرية، وبين إنسان اليوم الذي يعيش بلا انقطاع في هذه المنطقة؟

ج. هز إصبعه مشيراً نحوي مع ابتسامة لطيفة.. يبدو أنك كنت تضمر هذا السؤال حين أشرتَ إلى بضع كلمات عربية وردت في أنشودة النجوم، لقد انقسمت آراء العلماء حول طبيعة لغة إبلا وعلاقتها باللغات التي دعيت سامية، فيرى جيوفاني بتيناتو مثلاً أن لغة إبلا تختلف كثيراً عن اللغتين الأكدية والأمورية في نظام الأفعال والضمائر والاشتقاقات وتركيب الجملة وغيرها، وهي أقرب إلى اللغات التي تصنف على أنها سامية شمالية غربية، إذ تظهر الصلة وثيقة بالأوغاريتية والكنعانية، وبناء على هذه الصلة القوية يمكن أن تسمى هذه اللغة كنعانية قديمة، وهي أقدم لغة شمالية غربية معروفة حتى الآن، وتوازي زمنياً الأكدية القديمة، ويرى آخرون مثل غِلْب Gelb أن أوثق العلاقات اللغوية للإبلوية كانت مع الأكدية القديمة والأمورية، وبعيدة عن الأوغاريتية وأبعد ما تكون عن العبرية، ولا يمكن أن تعد لهجة أكادية أو أمورية، كذلك لا يمكن عدّها كنعانية، فهي لغة مستقلة يمكن أن تضاف إلى قائمة اللغات الثماني المعروفة التي تصنف تحت اسم اللغات السامية لتكون اللغة التاسعة فيها، أما أنا فأرى أن اللغة الإبلوية شديدة الصلة بالأكادية القديمة في نحوها، وبعض أشكال النحو فيها أقرب إلى العربية والعربية الجنوبية، بيد أنها من الناحية المعجمية أشد ارتباطاً باللغات الشمالية الغربية، الأوغاريتية والكنعانية والآرامية، لكن الذي دفعني شخصياً لاستخدام اللغة السومرية سببان، الأول هو العثور على أول معجم في التاريخ ضمن رُقُم إبلا وهو معجم باللغتين الإبلوية والسومرية، والسبب الثاني أنني لم أطلع على اللغة العربية إلا من خلال المعايشة اليومية لفريق العمل، بالإضافة لبعض القراءات الأدبية، وهذا لا يتجاوز المحادثة العادية إلى فقه اللغة، وربما صح يوماً ما ذهب إليه بعض الباحثين السوريين من أن اسم إبلا هو اسم عربي لفظه "عَبْلاء" وتعني الصخرة البيضاء، ولا أستبعد أبداً أن تصبح اللغة العربية هي المفتاح لفهم اللغة واللهجات الإبلوية، لكن بشرط، وهو أن يهتم الدارسون السوريون الذين استقبلتهم جامعات إيطالية، ومنحتهم فرصة الحصول على شهادات عالية متخصصة في الدراسات الإبلوية، لكنهم للأسف حتى الآن اكتفوا بالوظائف الإدارية عند عودتهم إلى سورية، وأنا حتى الآن لم أجد منهم أحداً، وفيهم من يحمل شهادة الدكتوراه، قد حرص على ملازمتي لتعلم اللغة الإبلوية، فأنا قد كبرت في السن، وعملي في ترجمة الرُّقُم سيتوقف عند حدود العمر، أما الرُّقُم فلم يترجم منها إلا العدد القليل، قياساً على ما هو مكتشف، وتحتاج إلى جهود أجيال من المترجمين والباحثين.

س. هل تدرسون النطق في اللغة الإبلوية؟

ج. ما زلنا في المراحل المبكرة من دراسة هذه اللغة القديمة، ونحتاج إلى وقت طويل لنصل إلى طبيعة النطق في اللغة الإبلوية، فالنطق، كما تعلم، هو مصطلح مغالٍ في الانطباعية والإبهام، وهو يشمل وقائع ألسنية مختلفة جداً، بدءاً من علم دراسة اللهجات، مروراً بعلم النفس الألسني، وانتهاءً بعلم الأصوات التطبيقي، وهذا الأمر هو جانب واحد من جوانب أخرى تزيد من تعقيد الأمر وصعوبته.

س. ما هي الصعوبات الأخرى التي تواجهكم في دراسة اللغة، واللغة القديمة على وجه التحديد، هل هي صعوبة على مستوى الجملة، أم على مستوى الكلمة، أم على مستوى المونيمات؟

ج. إن لكل الوحدات اللغوية سواء كانت كلمة أو جملة شكلاً كتابياً ندعوه الدَّالّ، والذي يمكننا ملاحظته مادياً، لكن المدلول لا يمكننا مع الأسف ملاحظته مباشرة، لأنه المقابل للدَّال في فكر الكاتب، وكل الصعوبات في الدراسة العلمية للغات القديمة تنشأ من هنا، لكن الصعوبة الكبرى تكون فيما يخص المونيمات، وهي الوحدات الأصغر التي لها شكل ودلالة كالسوابق واللواحق، ومعرفة دلالة المونيم يكسر الصعوبة المتعلقة بالكلمة ومن ثم بالجملة.

س. هل تؤيدون، كباحث متخصص في اللغة، ما يذهب إليه أصحاب علم الخطوط أو ما يدعى علم الكتابة عن الدلالة السيكولوجية للكتابة؟

ج. لاحظ الصينيون العلاقة بين الكتابة والطبع، إن حركة الكتابة وشكلها يعكسان الحالة الذهنية لمن يكتب واستعداده الداخلي.

س. لكم رأي خاص بالبطولات التاريخية القديمة، ويقول البعض: "إن من بَدَا نجماً ساطعاً في التاريخ، يتحول عند ألفونسو آركي إلى مجرد عابث لا طائل من كفاحه"، كيف تردُّون على ذلك؟

ج. إن عهود الملاحم كالأوديسة والإلياذة ليست هي العهود التي توجه فيها الشعوب طاقاتها الاجتماعية نحو أهدافها الواقعية، سواء أكانت هذه الأهداف بعيدة أم قريبة، بل هي تَصْرِفُ في مثل هذه العهود طاقاتها تسلية وإشباعاً لخيالاتها، وما جهود الأبطال الذين يقومون بأدوارهم في تلك الملاحم إلا جهود من أجل الطموح واكتساب المجد أو إرضاء العقيدة، فهم لا يقاتلون مدركين أن نصرهم قريب، وأن طريقهم إلى تخليص مجتمعهم محدد واضح، فمجدهم هذا أقرب إلى الأسطورة منه إلى التاريخ، ولو أننا سألنا أحدهم عن بواعث كفاحه، فإنه لا يستطيع أن يجد بكل وضوح المبررات التي تتصل عادة بالأعمال التاريخية، فهو يعلم أن مجهوداته كلها تذهب هباءً، غير أن دوافعه الدينية وشرفه الإنساني قد حَتَّما عليه مثل هذا المسير.

س. هل وجدتم حالات من التأثير والتأثر بين حضارة إبلا والحضارات المزامِنَة لها؟

ج. أظهرت رُقُم إبلا في بادئ الأمر اقتباسات مادية من الحضارات الأخرى العراقية والمصرية شملت بعض أنواع الثياب والأسلحة والأدوات، ثم اقتباسات اجتماعية وسياسية كالنظام الملكي والجهاز الإداري، وأخيراً اقتباسات روحية، لكن هذا الانتقال الثقافي يبدو أنه تم على نحو انتقائي، وهو تأثير تفاعلي، فإبلا قدمت للحضارات الأخرى المعاصرة لها بقدر ما أخذت، وربما تظهر كتابات الرُّقُم الطينية في الزمن القادم ما هو أكثر.

س. تقول عبارة مشهورة: "إن مياه نهر العاصي تصب في نهر التيبر"، إذا انتقلنا إلى أزمنة أقرب من زمن مملكة إبلا، ما مدى تأثير حضارات الشرق بحضارات الغرب؟

ج. لا مجال لذكر ذلك التأثير الكبير ضمن لقائنا هذا، لكن للتوضيح أتوقف عند خمسة أباطرة من أصل سوري حكموا روما مدة ستة وخمسين عاماً، حيث بلغ هذا التأثير أشده بنقل حجر معبد إله الشمس إلى روما، فانتشرت عبادته، ودخلت الآلهة السورية في طقوس العبادة الرومانية، وقد اكْتُشِفَتْ في روما على منحدر جانيكولا آثار ثلاثة أبنية متراكبة عثر فيها على كتابات تدشينية باسم الآلهة السورية، حدد، وحدد أكروريتس، وجوبيتير مالكيبروديس المنسوب إلى مَلِك يبرود، وقد عمل هؤلاء الأباطرة على إبراز أهمية سوريا ومكانتها، ولا بد من الإشارة إلى أن حملة الاضطهادات ضد المسيحيين قد خفت وطأتها أو توقفت في عهودهم، وثمة ملوك آخرون من سلالة الملكة الحمصية جوليا دومنة حكموا روما أيضاً، وكذلك الأسطورة التاريخية الدمشقية أبولودور الدمشقي، الذي بنى روما وحكمها، فأصبحت تحفة الزمان، وحسبُنا أن اسم أوربا هو اسم أميرة سورية، ويمكن أن تجد في كتابات المستشرقين الغربييين الكثير عن هذا التأثير.

س. يشد انتباهي القرار الغربي بالتوقف عن استخدام مصطلح استشراق، أو كما قال أحد العلماء: "إن هذا المصطلح قد ألقي به في حاويات نفايات التاريخ"، هل رأى الغرب أن هذا المصطلح لم يعد يفي بوصف الباحثين المتخصصين في مجال الدراسات الشرقية؟ أم أنه ينطوي على حمولات تاريخية ودلالات سلبية، كأن يُتَّهَم بفرضه حدوداً معوقة على الفكر والعقل، فكان التخلي عنه أمر لا بد منه؟

ج. إن الاستغناء عن مصطلح الاستشراق كان من قرارات منظمة المؤتمرات العالمية في مؤتمرها الذي عقد في باريس عام ١٩٧٣، وأطلق على هذه المنظمة اسم: "المؤتمرات العالمية للدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا"، وعقدت المنظمة مؤتمرين تحت هذا العنوان إلى أن تم تغييره مرة ثانية إلى: "المؤتمرات العالمية للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية"، وقد عارض هذا القرار دول الكتلة الشرقية، روسيا والدول التي كانت تدور في فلكها، ومع ذلك ففي المؤتمر الدولي الخامس والثلاثين للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية الذي عقد في بودابست بالمجر كان مصطلح استشراق ومستشرقين يستخدم دون أي تحفظات.

س. هذا يعني أن الأوروبيين الغربيين والأمريكيين هم الأكثر اعتراضاً على هذا المصطلح؟

ج. نعم، ولعل هذا يفيد المغايرة، بحيث يتحدثون عن المستشرقين ليثبتوا أنهم غير ذلك بل هم مستعربون، أو باحثون في العلوم الإنسانية، أو متخصصون في الدراسات الإقليمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي تختص ببلد معين أو منطقة جغرافية معينة، وإذا كان بعض المستشرقين قد وضعوا هذا المصطلح والعاملين تحت لوائه في حيز من الدلالات السلبية، فمما لا شك فيه أيضاً أن لمستشرقين آخَرين فضلاً كبيراً في إخراج الكثير من كتب التراث ونشرها محققة مفهرسة مبوبة، ولا شك أن الكثير منهم يملكون منهجية علمية تعينهم على البحث، ولا ريب في أن لدى بعضهم صبراً ودأباً وجلداً في التحقيق والتمحيص وتتبع المسائل، وأظن أن الكثيرين لا يختلفون مع الفكرة التي تقول: إن أجمل ما كتب عن الحضارة العربية هو ما خطته أقلام المستشرقين كالألمانية زيغريد هونكة، وغوستاف لوبون، الذي نبه الغرب في ذروة استعباده للشعوب إلى أن التاريخ لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب، وكذلك الفرنسي سيديو الذي وضع كتاب "تاريخ العرب"، ولفت انتباه أوربا إلى الآثار الجليلة للأمة العربية، وعلو شأنها، وتفرد جمال أخلاقها.

س. أقف عند الفكرة الأخيرة التي تشير إلى أن أجمل ما كُتب عن الحضارة العربية كان بأقلام المستشرقين، من زاوية أخرى يرى البعض أن الغَرْبَ تَعَوَّدَ أن يكتب التاريخ من وجهة نظره وحده ليقرأه الشرق، ويتساءلون: ألم يحن الوقت الذي يكتب فيه الشرقُ تاريخه؟

ج. دعني أوضح أن أقدم آثار سورية تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى، أي منذ حوالي مليون عام، عاش في تلك الفترة إنسان الهوموإركتوس، الإنسان المنتصب القامة، الذي اشتهر بتصنيع الفؤوس الحجرية، وذلك في موقع ست مرخو شمال اللاذقية، وفي موقع القرماشي واللطامنة على العاصي وفي البادية التدمرية، أليست مفارقة أن هذه الحقائق التاريخية البسيطة عن الشرق لا يعرفها أبناء الشرق أليست مفارقة أن تسألني، وأنت ابن هذه الأرض، عن تاريخ أرضكم؟ أنا أرى أن الشرقيين توقفوا عند حدود ما كتبه الغرب عنهم في فهمه لحضارتهم، ورددوا أقواله، واكتفوا باستنتاجاته دون إضافة أو بحث أو استقراء، وما زالت بحوث الشرقيين في هذا السياق تجميعية ونظرية ومعلوماتية، بعيدة كل البعد عن الإبداع، والابتكار، واستخلاص النتائج، والفكر العربي المعاصر ما زال مشغولاً بإعادة طرح الأسئلة القديمة، مع أن الفكر مطالَب بإنتاج الوعي، فضلاً عن كتابة التاريخ.

س. يقول الكاتب البلغاري نيكولا خايتوف: "الشعراء ينضجون كتفاح الصيف، أما تفاح الروائيين فينضج في الخريف"، ماذا يقول البروفيسور ألفونسو آركي عن نفسه؟

ج. يضحك متأملاً الرُّقُم التي أمامه فوق المنضدة.. أقول: إن كرومنا لا تنضج حتى تستهلك العمر كله.

المستشرق ألفونسو جالبيرتو آركي، حسبما ورد في سجلات متحف إدلب، أمه ليتزيا فرانسيسكو زافالي، ولد في بافيا من مدن إيطاليا بتاريخ: ٢٨-١٢-١٩٤٠م، ويقيم في مدينة روما في حي باريولي، شارع مونتيفيديو، درس الثانوية في بافيا، ثم درس في جامعة فلورنسا الإيطالية في كلية الآثار الشرقية القديمة، وتخصص في جامعة هامبورغ في ألمانيا في ترجمة الرُّقُم المسمارية، ويحمل دكتوراه في اللغات القديمة منذ عام ١٩٦٤م، وقد اتبع دورات تخصصية في اللغات القديمة في ألمانيا من عام ١٩٦٥ حتى عام ١٩٦٧، وأصبح عضواً في بعثة تل مرديخ كمترجم للغة الإبلوية، ومنذ عام ١٩٨١م أصبح أستاذاً في جامعة لاسابيينزا في روما، وله العديد من المؤلفات والأبحاث عن إبلا واللغة الإبلوية قدمها في المؤتمرات وفي المراكز الثقافية في الوطن العربي وأوربا، بالإضافة لنشره ترجماته لنصوص الرُّقُم ضمن مجلدات باللغة الإيطالية تدعى الآريتات.

د. مصطفى عبد الفتاحSyria

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق