لماذا تونس؟ - أهلاً العربية

لماذا تونس؟

بقلم/ كريم السمان
مصر : ۱٦-۱۱-۲۰۱٤ - ۵:۱۵ م - نشر

في بدايات الثورة علي نظام المخلوع "مبارك"، طل علينا أحد مقدمي البرامج الرياضية واصماً الثوار بالتقليد الاعمي للشباب التونسي الذي أطاح بنظام الهارب "بن علي"، وساخراً بوضع يديه حول خصره قائلاً "اشمعني تونس؟"، حقيقة لن أتطرق لكونه مذيعا يستغل مساحة برنامجه الرياضي للترويج لقناعاته أو للدفاع عن مصالحه، لكن ما طرحه أستاذ "بندق" يومها كان سؤالاً جد مهم، سؤالا أستوقفني كثيراً كلما خطى الأخوة التوانسة خطوة وراء خطوة في طريقهم نحو "مسار الانتقال الديموقراطي"، تشابهات كثيرة ربطت بين الثورتين ومع الوقت طرأت مجموعة من المفارقات علي المسار المصري بينت خصوصية التجربة، مفارقات كثيرة بين الطبيعة المجتمعية للشعبين تحكمت في النموذجين وباعدت بينهما، لتضرب كلا الثورتين نموذجاً مختلفاً في التغيير نحو الديموقراطية.

مفارقة ١

تقلد نظام "بن علي" للسلطة في تونس عقب انقلاب علي الرئيس الأسبق "الحبيب بورقيبة"، لم يقطع شعرة الوصل بين النظامين، فمبدأ علمانية الدولة والانفتاح علي الغرب لدى كلا النظامين ساهم في احتفاظ العقلية الجمعية للإخوة التوانسة بجزء كبير من الإرث الثقافي الذي أسند النظام الاجتماعي والسياسي التونسي والالتزام بالبناء المؤسسي والدستوري الذي ارساه بورقيبة، أما عن نظام "مبارك" في مصر فقد جاء في ظل فترة طويلة من التجهيل المتعمد وقمع للتنويرين بدأ منذ عام ١٩٥٢، فترة شهدت "جيشنة" الدولة وانغلاق نحو الداخل، فالتلاعب بالتاريخ وتسخير الإرث الثقافي والمجتمعي جميعها أضحت أدوات لاستتاب السلطة.

مفارقة ٢

كان نظام "مبارك" من أقوي الأنظمة السياسية في المنطقة، إن لم يكن أقواها علي الأطلاق، فكان حليفاً استراتيجيا للغرب، وبالرجوع للموقع الاستراتيجي لمصر كونها أحد أضلاع مثلث المقاومة العربية ضد إسرائيل مع سورية والأردن، ومرور اكثر من نصف بترول العالم من إيران والخليج كذلك التجارة الدولية عبر قناة السويس، ووجود جيشاً من أقوى جيوش المنطقة وإفريقيا، كلها عوامل أدت لقوة النظام المصري تجاه أي محاولات لتغييره، في حين كانت أهمية نظام "بن علي" في تونس أقل وأقتصر دوره على كونه جزءاً من مكافحة الإرهاب في المغرب العربي وتقليل الهجرة غير الشرعية للساحل الأوروبي وكلاهما هدفان يمكن للغرب يتعاون فيهما مع أي نظام أخر في تونس.

مفارقة ٣

لطالما كان الجيش المصري جزءاً أصيلاً من معادلة المنطقة الاستراتيجية والعسكرية أو حتى السياسية، فالجيش منذ ٥٢ فرض نفسه كنظام سياسي قائم بذاته متعدد الصور والاستراتيجيات بما يناسب الخريطة العالمية، سيطرة الجيش على مقاليد المجتمع وتحكمه من وراء الكواليس في اقتصاد أكثر من ٨٠ مليون مواطن وتمتعه بشعبية كبيرة في الشارع أدت لصعوبة تغيير نظامه السياسي وتحييده عن أي محاولة لبسط الطموحات الديموقراطية المنشودة وكأن أي تغيير في المشهد لابد وأن يأتي من الطرف العسكري وعدم الثقة في كل ما هو مدني وبذلك تولى المجلس العسكري الحكم، وكان رفض الجيش لمشروع التوريث الذي سينحي الجيش عن إدارته للبلاد للأبد والذي تم الإفصاح عنه بعد الثورة هو المؤشر القوي بتغيير نظام مبارك، أما الجيش في تونس أقتصر دوره علي حماية أرواح التوانسة وحدودهم.

مفارقة ٤

غالبا ما تكون المعارضة ضلع من أضلاع النظام القائم لكونها لم تساهم بالشكل المطلوب لتغييره، هكذا كانت جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، جماعة شهدت الكثير من القمع والتنكيل فيما تلى ٥٢، لكنها عادت لتعمل مع الرئيس الراحل "أنور السادات"، أما في عهد "مبارك" عملت بالتوازي مع النظام، صحيح أنها أدعت أحيان كثيرة المظلومية والاضطهاد، لكنها كانت بالفعل هي الظهير الشعبي للنظام في الشارع، فكون النظام يستطيع مواجهة تطلعات الإخوان في الحكم شجعه علي ترك الشارع لها في أحيان كثيرة، فالمنفعة مشتركة لاشك، النظام يرهب الشارع بإستخدام "فزاعة الاخوان"، والإخوان يدعون "المظلومية" لكسب تأييد المزيد من قواعدها الشعبية.

بعد ثورة ٢٥ يناير شذ الإخوان عن الصف الثوري، وفضلوا التفاوض مع المجلس العسكري، وكلنا نتذكر صفقة توليهم الحكم في ٢٠١٣ ومن قبله برلمان ٢٠١٢، كانت الطعنة القاتلة للثورة هي التي وجهتها الاخوان للثورة بتصريح الكتاتنى أن الثورة انتهت بانتخاب البرلمان، وبالرغم من التحذيرات صمم إخوان مصر علي خوض الرئاسية والفوز بها ليكتبوا فصلا جديدا من فصول التغول، وما زكى من الاحتقان الشعبي أكثر من السياسات الخاطئة والالتحاف بالدين والعسكر، هو خطابات التخوين والتكفير، فرجع الشعب المصري للميادين مرة أخري في أقل من ثلاث سنوات، للمطالبة بإسقاط النظام، أما إخوان تونس شاركوا في الحراك المدني التونسي، وبالرغم من الخلافات والاختلافات لم تترك النهضة وحلفائها المدنيون الطريق خالياً للثورة المضادة، بل تخلت عن الحكومة مفضلة رأب الصدع في الصفوف الثورية.

مفارقة ٥

العامل المشترك بين القوي المدنية في مصر وتونس كونهم كيانات ضعيفة، فالأحزاب تفتقر لشعبية الشارع، والحركات الشعبية ليس لديها آليات الوصول للحكم، مما أدي لتزوير الانتخابات لصالح الحزبيين الحاكمين في كلا البلدين، الحزب الوطني الديموقراطي وحزب التجمع الوحدوي، أما بعد الثورة فشهدت كلا البلدين زيادة مهولة في أعداد الأحزاب بالبلدين، لكن المفارقة هنا أن الأحزاب في الشقيقة تونس لديها إستراتيجيات واضحة، في حين تعاني الاحزاب المصرية من نقص في العنصرين البشري والمادي بجانب لغياب الرؤية، كما أن صيغة الـ"أنا" لدي النخبة المدنية المصرية تتجلى في تعدديتها الحزبية بالرغم عدم وجود اختلافات حقيقية، القوي المدنية المصرية لم تطرح حلولاً حقيقية لتفرض نفسها كبديل لنظامي مبارك أو الإخوان وأكتفت في الحالة الأخيرة بالحشد الثوري الذي أنتهي أخيراً بالمطالبة بتدخل القوات المسلحة وهو ما أدي للرجوع لنقطة صفر من جديد.

مفارقة ٦

بالرغم من الآلة الإعلامية المصرية المهولة يقدر عدد موظفي أحد عناصرها بما يوازي ثلاثة جيوش عربية، ففشلت حتي الآن في القيام بدورها التوعوي تجاه المواطنين، بل يساهم أغلبها في تصفية حسابات محددة ومنغلقة داخلياً للاسف لا تساهم في حل المشكلة بل تزكيها، ففي حين يرفع الإعلام التونسي شعار "أوفياء أوفياء لدماء الشهداء" يطل علينا إعلاميين مصريين متهجمين الثورة المصرية، وواصفين الشهيد "خالد سعيد" بالحشاش ليحاجيهم الأخير في محاكم الأخرة أمام القاضي العدل بعدما سئم مرافعات الدنيا.

واليوم ونحن بعد أن أمضينا ٤ سنوات مريرات علي ثورتي تونس ومصر ندرك مدي التغيير في كلا الثورتيين، فبالرغم من كمية الدماء التي سالت في الشوارع والميادين وعلي الحدود، علمتناً تونس أن القضية قضية كيف لا كم، القضية هي ليس كم متراً من الأرض رويتها بدمائك، بقدر كونها قضية قبض علي "جمر الحرية"، وأتمني أن نكون أدركنا نحن وأستاذ "بندق" "إشمعني تونس".

كريم السمانEgypt

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق