الفصام - أهلاً العربية

الفصام

بقلم/
مصر : ۲۹-۸-۲۰۱٤ - ۷:۰۳ ص - نشر

man in gardenسحبني الصديق الجزائري عبد العزيز بوخروبة من يدي، ومن شرفة داره البعيدة عن العاصمة، أشار إلى عجوز فرنسي في ساحة الطبقة الارضية راح يـُشذب أشجاراً مثمرة، ويسقي صفوفا من الأزهار اليانعة، ويـُقلب التربة بعناية وصبر، حول بعض اشتال الخضروات الموسمية التي زرعها في ظل تلك الاشجار.

كان مستغرقا في نشاطه وهو يتلمس براعم الأزهار، ويتحسـَّس حبّ الليمون، وعناقيد الدالية المخضرة الصلبة تتدلى بلا حصر من سقف التربيعة الخشبية.

قلتُ، وقد اعجبني المشهد: "حديقة غنـَّاء جميلة وارفة الظلال، وإنسان يعرف كيف يعيش" ردَّ الدكتور بوخروبة: "ولكن ليس هذا هو المهم…"

نظرتُ إليه، وكان ما يزال يتابع تحركات ذلك العجوز الفرنسي وهو منكبٌ على سقي أزهاره وأشجاره. وعندما لاحظ نظرات الفضول تـُطل من عينيّ قال: "إسمه باتريس موليه، يعمل خبيرا في المؤسسة الوطنية للصناعات المعدنية، ويعيش هنا منذ سنوات.. يقضي أيام عطلته في معظم الأحيان بين الأشجار الباسقة في هذه الحديقة الصغيرة، يزرع الخضار والفواكه والازهار، ويهدي لنا، من حين إلى آخر، نتاج حديقته".

قلتُ :"غنيٌ عن البيان انه شخصٌ منتج رغم أنه تجاوز الستين من عمره… ليتك تزرع المساحات العارية المحاذية لدارك، وبذلك تمضي أوقات فراغك في ما يفيد، وتمارس بعض النشاط اليدوي الذي يصبح ضروريا لذوي الياقات البيضاء، وخاصة للعاملين في المجال الثقافي والفكري والتعليمي"…

إبتسم صديقي وقال: "هذا، يا سي عبدالقادر، عين الصواب.. ولكنه جزء فقط مما أردت أن أحدثك بشأنه. باختصار شديد، هذا الرجل العجوز الذي تراه الآن يعمل بكل هذا النشاط وهذا الحرص على التعلق بالارض وما تنبت، هل تبدو عليه سمات من سيرحل غدا ونهائيا إلى بلاده؟"

ولم أعرف، للوهلة الأولى، بماذا أجيب الصديق الجزائري.

وتابع الدكتور بوخروبة حديثه قائلا: "لقد انتهى عمله في بلادنا، وسيعود نهائيا إلى فرنسا.. لقد ذكرني بالامس بذلك، وكان قبل شهرين قد أخبرني بموعد رحيله… وأشهد أنه، منذ ذلك التاريخ، وهو يعمل بالحديقة الصغيرة بنفس الهمـَّة والنشاط والحب الذي عهدناه فيه قبل اكثر من خمس سنولت.. لقد أدهش الجيران وهم يرونه صباح كل أحد على هذا النحو، وتساءلوا مستغربين:

كيف يتسنى له أن ينكبَّ على العمل في حديقة منزله بمثل هذه الروح وهذا الوفاء، وهو سيغادر بلادنا نهائيا؟ وتطوع أكثر من واحد ليقول لهم بأنه لو كان في مكان هذا الأجنبي وظروفه لما حفل البتة بتلك الحديقة، ولأهملها منذ أشهر.

نظر إليَّ صديقي طويلا.. كانت الحكاية قد انتهت.. وكان العجوز الفرنسي ما يزال في ساحة الطبقة الارضية يدور بين شجيراته المزهرة، وكنت بدوري قد استوعبت كل التفاصيل وكل الاشارات المحملة بالدلالات، وفهمت مدى هذا التعارض الفاضح بين نمطين من انماط السلوك والتفكير، بين عقلية تعيش نهارها لنهارها ولنفسها، ولا ترى الخير الا من منظورها الفردي الأناني، شعارها المرفوع دائما "اللهم يا ربّ نفسي…" أو "بعد حماري ما ينبت حشيش"، كما يقول الأخوة السوريون.

كما أدركت، بالمقابل، معنى أن تكون متحضراً، ومعنى أن تكون الحضارة ممارسة، قولا ً وفعلاً وليس مجرد شعارات جوفاء، وكيف تكون الحياة تواصلاً وعطاءاً واستمراراً، لا توقفا او انقطاعا عن الآخرين، او انغلاقا عما حولنا.

إن الحكاية قصيرة وبسيطة: مشهد عادي لرجل أجنبي يعود غدا إلى بلده، ولكنه ما زال، حتى اللحظة الاخيرة، يزرع حديقة المنزل الذي يسكنه ويعتني بأزهارها وثمارها.

قلت لنفسي وأنا أتأمل المشهد: "لا يكفي الإنسان أن يطلع على أفكار حضارته وقيمها، بل لا بد من أن نترجم هذه القيم في سلوكنا وعلاقاتنا مع الآخرين، في أخلاقنا وأعمالنا، والا سقطنا فيما يـُسميه سيغموند فرويد بمرض الفصام".

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Jönköping

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق