فيلم نوح.. الروائع والجدل - أهلاً العربية

فيلم نوح.. العالم يستمتع بالروائع ونحن نستمتع بالجدل

عصام بن الشيخ
مصر : ۲۱-۷-۲۰۱٤ - ۱۱:۱۱ م

سوف أبني مركبا "سفينة الله" فيلم نوح NOAH… ملحمة دينية عالمية، تجسّد مأساة العصاة وهلاك الظالمين "أظنّ أنّنا نحن المذنبون، لأنّ قادة العالم يصنعون اتجاهاتهم ومصالحهم، حول القضايا التي تخصّنا، أو التي نحن جزء منها، ونبقى متفرّجين عليهم، في مراتب المتلقّين، في كلّ مرّة، ومن دون حراك، وندّعي أننا نحمي أنفسنا حين نقاطعهم".

يتابع العالم بأسره الشاشة الكبيرة، وهي تعرض في عدّة عواصم عالمية فيلم نوح NOAH، أحد روائع هوليود عن أصل الإنسانية وإنقاذ البشرية، الفيلم بلغت كلفته ١٢٥ مليون دولار، وحقق ايرادات تقدّر بـحوالي ٣٥٩ مليون دولار.

يمنع العالم العربي دونا عن غيره من الأمم، عرض هذا الفيلم، وكأنّ مشاهدته ستمحي الصورة المدركة عن رائعة "فيلم الرسالة" للراحل مصطفى العقاد "إبن هوليود نفسها" عن ذاكرتنا وصورنا المدركة، أو معتقداتنا الراسخة، فيلم الرسالة هو آخر ما سمح لنا بالإجماع بمشاهدته من قبل دكاكين الإفتاء العربي التي حرّمت عرضه ومنعت متابعته بفرض رقابة شديدة عليه.

فغير المادة المعروضة عن نبينا الأعظم محمد صلّى الله عليه وسلّم، هل نحن غير معنيين به؟ أبدا، هذا ما اكتشفه بطل الفيلم نفسه، الفنان الاسترالي راسل كراو، الذي قال: "لم أكن أعلم أنّ نوح نبي المسلمين، وأعتذر عن أيّ إساءة"، والغريب أنّ فيلم المسيح وفيلم موسى اللذين سبقا هذا الفيلم قد عرضا في النهاية في عالمنا العربي، وعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسلسلا عن سيّدنا يوسف، ولا تزال أعمالنا الملحمية الدينية، خصوصا السورية منها، تهاجم دون مكمن قصديّ أو هدف غائيّ.

شكرا لموقع يوتوب Youtube الذي أتاح لي متابعة فيلم نوح NOAH من إخراج دارين أرنوفسكي، والممنوع عرضه في السعودية والإمارات وقطر والبحرين وتحفظّ مصر، ويمكنك عزيزي قارئ المقال، أن تضمن لنفسك فرجة حرّة، لهذا الفيلم الملحميّ النادر والعصريّ في آن واحد، ويمكن مشاهدته أعلى هذا المقال.

أنا لا أقوم هنا بوضع إشهار للفيلم أو الموقع الالكتروني الذي يعرضه، لكنني أظنّ أنّ كلّ مسلم مطالب بأن يتابعه، لأنّ النبي نوح، نبيّ للمسلمين أيضا، لن نقف متفرجين ونحن نشاهد ممثلين ملحدين، يجسّدون عملا ملحميا دينيا يخصّنا، ونقف متبلّدين أمام بشرية متحرّرة في الجانب الآخر، نمنع خيالنا من الإبحار في ما هو "غير مفكّر فيه" أو "ممنوع التفكير فيه" في عالمنا العربيّ، بسبب ظاهر الجهل المقدّس، والجهل المؤسّس الذي نعيشه، حيث يمنع عرض الفيلم بشكل رسميّ في دولنا العربية، ولم يمنعنا مانع من مواكبة عجلة السينما الحديثة، وما تطرحه من نقاشات معمقة حول هذا الفلم.

صورة خيالية قريبة للفلم: سمعت وقرأت كثيرا عن سيدنا نوح قبل هذه السنة ٢٠١٤، لكن ما بدر إلى ذهني أوّل ما سمعت بعرض فيلم نوح، أنني في مؤتمر كنت حضرته في عمّان سنة ٢٠١٢ حول التغيير في الربيع العربي، كنت جالسا إلى باحث جزائري اسمه "النوّي"، فجاء إلينا المؤرّخ اللبناني المرموق مسعود ضاهر، ورأيته لا يريد البقاء وحيدا في غرفته بالفندق، وقبل أن يطالعنا على آخر ما صدر في الجرائد اليابانية كما عوّدني، قال مخاطبا الدكتور نوّي، هل تعلم ما معنى اسمك؟ أجاب الدكتور نوي: "نعم، معناه نوح، اسم نبي الله، الذي أرّخ للبشرية قبل وبعد الطوفان، أظنّ أنّ نوي اسم لاتينيّ وأمازيغيّ أيضا، لكنّ نوح هو الاسم العربي لهذا النبيّ"، فأجابه الدكتور مسعود ضاهر: "نعم أنت تحمل اسم النبي نوح، وتاريخه عظيم.." وبدأ يحدّثنا عنه، وأدركت آنذاك توافقات الديانات الابراهيمية الثلاث حول هذا النبي العظيم.

لقد لفت ذلك نظري قبل إعلان صدور فيلم نوح NOAH، عن هوليوود، في ٢٨ مارس ٢٠١٤، أنّ ركودا قد نهضت منه هوليود لإحياء فكرة الدينيّ، بعد سنوات من الانقطاع عن الأعمال المحلمية الدينية، إذ لم يخطئ الحكماء حين قالوا: "الثقافة نسّاءة الديني"، كما لفت نظري في هذا الفيلم أيضا، الاستعانة بعملاقي السينما: الأسترالي راسل كرو، والانجليزي أنطوني هوبكينز، وهو ما يضمن أكبر درجات الإبداع لهذين الممثلين المرموقين في الشاشة الكبيرة، على الصعيد العالميّ.

يسرد لنا هذان العملاقان في ساعتين و١٨ دقيقة، أي ١٣٨ دقيقة، من المشاهدة، أطوار هذه الملحمة الفريدة حقا. تظهر شخصيات الفيلم كالتالي: راسل كرو بدور "نوح"، جينيفر كونلي بدور "والهة"، زوجة نوح. أنتوني هوبكنز بدور "مَتُّوشَلَخَ"، جد نوح. لوجان ليرمان بدور "حام"، ابن نوح. دوغلاس بوث بدور "سام"، ابن نوح. ليو ماكهيو كارول بدور "يافث"، ابن نوح. إيما واتسون بدور "أيلا"، بدور زوجة سام. راي وينستون بدور "توبال قايين"، عدو نوح.

كتب النصّ دارين أرنوفسكي، أما التصوير فكان لـ: ماثيو لابشيك، والموسيقى لـ: كلينت مانسيل، مضامين الفيلم: يبدأ الفيلم بعرض مشهد أفعى، ثم قطف تفاحة، ثم قتل قابيل لهابيل، ثم حلم راسل كرو بطلل الفيلم الذي يجسّد دور نوح، بغرق الأرض في طوفان، تتبعا مشاهد مقتل والد نوح "لامك" على يد "توبال قايين"، ويجسّد مشهد القتل أشدّ مشاهد عصيان الله بقتل الإنسان لأخيه، بعد مقتل هابيل.

يتوجه نوح في رحلة البحث عن جده، وفي الطريق يصادف مجموعة من الناس المقتولين، ويتبنى الفتاة "إيلا" الناجية الوحيدة، التي ضربت على بطنها وتفقد رحمها منذ الصغر. بعد رؤيا المنام ونمو زهرة من العدم، يلتقي نوح جدّه متوشلخ الذي يحدّثه عن تكليف الله عزّ وجلّ له لإنقاذ ما بقي من بني البشر من الانقراض، وإنقاذ الحيوانات، الكائنات الوحيدة التي لم تتغير منذ نزول الكائنات من الجنة، ولم تعص الله مثل الإنسان، يغرس نوح بذرة شجر من جنات عدن، فتنفجر بئر ماء، يحيل الأرض القاحلة غابة وحدائق غنّاء بالثمار، ويبدع المخرج باستخدام أفضل المؤثرات البصرية لتجسيد هذه المشاهد الرائعة.

يبتسم نوح مخاطبا أهله، هذه الغابة سفينتنا، فتقرّر العمالقة مساعدة نوح، فيشق ينبوع ماء الأرض وتشرب منه الطيور، ويبدأ نوح صناعة السفينة. المشهد مرعب، عمالقة من الحجارة، عمال يصنعون سفينة بأمر نوح صانعها وقبطانها، بأمر الله، فتزحف الحيوانات جميعها من كلّ نوع، ولا بدّ وأن يثير وجود الأفاعي رعب يافث إبن نوح الصغير، يغلق نوح باب السفينة، وتنام الحيوانات بفعل البخور، شيم وإيلا يشكلان ثنائيا، أما حام فيكتشف الغيرة ويتحجج بوحدته وويافث، يتحيّن الفرصة بالشكوى إلى والده نوح قائلا: "لماذا كل الحيوانات ثنائيات، وشيم وإيلاّ، دوننا أنا حام ويافث"، وغاضبا في الغابة، يقابل توبال قايين الذي يهديه مطرقة، ويواجه نوح جيش توبال قايين، ويطلب من حام إعادة المطرقة لتوبال قايين.

يتهم توبال نوح ببناء حصن للاختباء منه، يعترف له بأنّ توجه الطيور لغابة نوح قد أثار اهتمامه، يعترف توبال بأنه شاهد نوح من قبل، فيفزعه نوح "أنا ابن لامك"، محتميا بالحراس العمالقة، ويقدّم المخرج أروع صورة لصمود نوح أمام جيش توبال قايين، ومن شدّة خوفه يحاول توبال قايين حجز مكان له في السفينة بعد أن شاهد حماية العمالقة لنوح، لكن نوح يرفض، يبدأ توبال قايين في صناعة الأسلحة، وتجييش الجيش، لمواجهة الحراس العمالقة، وفي مشهد مرعب آخر، تتجه الفيلة والجواميس والأبقار والخرفان والغزلان وعشرات الأنواع من القطيع، نحو السفينة، وصوّرها المخرج ببراعة من داخل السفينة، وسام ينشر البخور لتنام القطعان، بينما يحجز توبال قايين الأطفال والنساء حتى لا يأكلوا طعام المقاتلين.

تنفرد ايلا بطلب بحث نوح عن زوجة لحام، وتبكي لأنها عاقر، لكنّ نوح يتعاطف معها، ويبدأ رحلة البحث عن أزواج لحام ويافث، يذهب نوح للمستوطنة المجاورة للبحث عن زوجات لحام ويافث، لكنه يشهد أكل لحوم البشر بواسطة الناس الجوعى فيقرر التراجع. بعد ذلك، يقوم مَتُّوشَلَخَ بشفاء أيلا من العقم. يقرر حام البحث عن زوجة بنفسه، فيلتقي بفتاة تدعى نائل، لكن عندما يهاجم رجال توبال قايين السفينة، يجبر نوح حام على الذهاب وترك نائل لتموت. تدخل جميع عائلة نوح السفينة ما عدا مَتُّوشَلَخَ جدّ نوح. بينما يبدأ الطوفان، يقوم الحراس بالتضحية بأنفسهم لحماية السفينة من رجال توبال، وتصعد أرواحهم إلى السماء. يغرق الفيضان قوم نوح، لكن توبال قايين يتمكن من الصعود على متنها ويغري حام، مستفيداً من غضبه تجاه نوح لتركه نائل تموت. تصبح أيلا حاملا بينما يتوقف المطر، تمر أشهر، وأيلا وسام يبنون طوفا للهروب من قرار نوح قتل طفلة ايلا المنتظرة، لكن نوحا يحرق الطوف بعد أن يكتشف أمره.

بعد ذلك، تلد أيلا توأم بنات. يقنع توبال قايين حام بمساعدته في قتل نوح، فيهاجم نوح بواسطة توبال وحام وسام الذي يريد حماية زوجته وبناته. وبينما يتقاتلون، تصطدم السفينة بجبل، ويقتل حام توبال قايين. يأخذ نوح توأم البنات وقبل أن يقتلهم بالخنجر ينظر إلى براءتهم ويقرر الصفح عنهما. عقب الخروج من السفينة، يعزل نوح نفسه عن الآخرين في كهف قريب. بعد ذلك يتصالح مع أبنائه ثم يسافر حام لوحده، بناء على طلب أيلا، يقوم نوح بمباركة العائلة كبداية للجنس البشري الجديد، ويشهدوا قوس قزح هائل.

القصة الحقيقية كما رواها القرآن الكريم: إنّ ما نعلمه نحن المسلمون عن سيّدنا نوح عليه السلام، أنّ الله بعث سيّنا نوحا عليه السلام إلى قومه، ليرشدهم إلى الطريق وينهاهم عن عبادة الأصنام، ويهديم إلى عبادة الله تعالى، حيث قال: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره"، فكذّبوه، فأنذرهم من عذاب الله، قائلا: "إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم"، فردّوا أنهم يرونه في ضلال مبين، فقال: "يا قوم ليس بي ضلالةُ، ولكني رسول من ربّ العالمين، أبلّغكم رسالات ربّي، وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون". فتعجّب القوم من قوله، وقالوا كيف تكون رسولاً من عند الله وأنت بشر مثلنا؟، وشجّعوا بعضهم بعضاً في عبادة أصنامهم، "وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّا ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً".

ولما طال حوارهم وجدالهم، وأخذ سيدنا نوح عليه السلام جانب اللين واللّطف، ولكن القوم لم يزيدوا إلا عناداً. ومع ذلك، لم ييأس منهم، بل كان يأتيهم كل صباح ومساء، ويدعوهم وينذرهم بلطف ولين، حتى أصبحوا يضعون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا كلامه، واستغشوا ثيابهم حين تغطّوا بها حتى لا يروه، وكثيراً ما هاجموه، وضربوه حتى يغشى عليه، لكنّ نوحاً النبي العظيم العطوف الحليم، كان إذا أفاق يقول: "اللهم إهد قومي فإنّهم لا يعلمون".

لكنّه لما يئس من ردّهم له، "قال ربّ إنّي دعوت قومي ليلاً ونهاراً فيلم يزدهم دعائي إلا فراراً، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً. ثم إني دعوتهم جهاراً، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهاراً".

طلب منه قومه أن يطرد غير الشرفاء، فأجابهم "وما أنا بطارد المؤمنين"، كيف أطرد جماعة آمنوا بي، وآزروني وساعدوني، فلما يئسوا منه، رجموه بالحجارة "قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين"، فضرع إلى الله تعالى، في أن ينجّيه من هؤلاء المعاندين: "قال ربّ إن قومي كذّبون، فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجّني ومن معي من المؤمنين".

ولما تأكّد نوح عليه السلام من جحودهم، ما يقرب من عشرة قرون، يئس منهم يأساً باتّاً، وأشفق على أولادهم وأحفادهم أن يأخذوا طريقة الآباء في الكفر والإلحاد، فدعا إلى الله تعالى، قائلاً: "ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفّاراً"، وحينئذ أمره الله تعالى أن يغرس النخل فإذا أثمر نزل عليهم العذاب.

ومن رحمته تعالى أنّه لا يعذّب طفلاً صغيراً بذنوب الآباء، فعقّم أرحام النساء أربعين سنة، فيلم يولد لهم مولود ولم يبق لهم طفل غير مكلّف، وفي تلك المدّة شرع نوح في غرس النخل، فكان القوم يمرّون به ويسخرون منه، ويستهزئون به، قائلين: انّه شيخٌ قد أتى عليه تسعمائة سنة، وكانوا يرمونه بالحجارة. ولما بلغ النخل، وانقضت خمسون سنة، أمر نوحٌ بقطعه.. فقالوا: إن هذا الشيخ قد خرف.. وبلغ منه الكبر مبلغه مرّة يقول: أنا رسول.. ومرّة يغرس النخل.. ومرّة يأمر بقطعة؟، ولمّا اكتمل الأمر وصارت المدّة ألف سنة إلا خمسين عاما، أوحى الله إليه بصنع السفينة "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا".

أخذ نوح يصنع الفلك، وسيدنا جبريل عليه السلام، يعلّمه كيف يصنعها، لتسع ملايين المخلوقات، فأوحى الله إليه: أن يكون طول السفينة ألفاً ومائتي ذراع، وعرضها ثمانمائة ذراع، وارتفاعها ثمانين ذراعاً، فيكون الحجم سبعة ملايين، وستمائة وثمانين ألف ذراع. كان محلّ صنع السفينة صحراء واسعة، وأعانه أفراد من قومه أغرتهم أكوام الذهب والفضة، وبقي قومه يسخرون: "تصنع السفينة للبحر، وأنت تصنعها في البر؟، وكانوا يتضاحكون، وتهمون نوحا عليه السلام بالسفه والجنون.

أمر الله سبحانه أن يحمل في السفينة الذي آمنوا معه، ومِن كل ذي روح زوجين اثنين، لئلا ينقرض نسل الحيوان، فحمل سيدنا نوح في السفينة من جميع أصناف الحيوانات، التي تغرق في الماء، ولا يمكّن أن يعيش فيه: "فحمل من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الغزال اثنين، ومن اليحمور اثنين، ومن البغل اثنين، ومن الفرس اثنين، ومن الأسد اثنين، ومن النمر اثنين، ومن الفيل اثنين، ومن الكلب اثنين، ومن الدّب اثنين.. وهكذا..، وحمل من الحمام اثنين، ومن العصفور اثنين، ومن الصعوة اثنين، ومن الغراب اثنين، ومن الكركي اثنين، ومن البلبل اثنين، ومن الببغاء اثنين، ومن النّسر اثنين ومن الهدهد اثنين، ومن الفاختة اثنين، ومن الطاووس اثنين.. وهكذا..، وحمل من الجعلان اثنين، ومن اليراعة اثنين، ومن اليربوع اثنين، ومن السنور اثنين، ومن الخنافس اثنين.. وهكذا..

حمل سيدنا نوح الذين آمنوا به، وكان عددهم ثمانين شخصاً، "وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها إن ربّي لغفور رحيم". كان لنوح عليه السلام زوجتان، إحداهما مؤمنة، والثانية كافرة، وكانت الزوجة الكافرة تؤذي نوحاً، وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى هذه الزوجة، حيث يقول: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فيلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين".

ولما ركب نوح عليه السلام السفينة، اركب معه الزوجة المؤمنة، وترك الكافرة، فغرقت مع سائر الكفار. ولما ركب نوح والّذين آمنوا معه السفينة، كسفت الشمس، وأخذت السماء تمطر مطراً غزيراً، وطفقت عيون الأرض تنبع بالمياه الكثيرة حتى جرت المياه على وجه الأرض، فالتقى ماء الأرض وماء السماء، حتى صار العالم كبحر كبير، استمرّ هطول الأمطار ونبع العيون أربعين يوماً. كانت السفينة تجري فوق ظهر الماء حسب هبوب الرياح، رأى سيّدنا نوح ولده يفرّ من الغرق، فناداه: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"، لكن الابن العاق أبى قبول نصيحة والده الشفيق، وأجاب نوحاً: "قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"، فنظر إليه نوح نظر مشفقٍ وقال: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم". أخذت نوح عليه السلام الرقة على ولده حين غرق، فتضرّع إلى الله تعالى في نجاة ابنه الغريق، وقد وعده الله تعالى بنجاة أهله، ولكنّ الله تعالى، كان قد وعد نجاة أهل نوح الذين كانوا من الصالحين، فأجابه: "يا نوح إنه ليس من أهلك، إنّه عمل غير صالح". فهلك كل كافر في الأرض: "قيل يا أرض ابلعي ماءك"، وأوحى إلى السماء، يا سماء اقلعي، وكُفي عن الانصباب والمطر، فانقطع المطر، واستوت السفينة على "الجودي" وهو جبل، أرست السفينة عليه. ثم أوحى إلى نوح عليه السلام: "يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أممٍ ممن معك"، فنزل نوح من السفينة، ونزل المؤمنون الذين كانوا معه، وبنوا مدينةً، وغرسوا الأشجار، وأطلقوا الحيوانات التي كانت معهم، وابتدأت العمارة في الأرض، وأخذ الناس يتوالدون ويتناسلون، لصنع تاريخ بشرية ما بعد الطوفان.

اعتراضات فنية على الفيلم: بعد السرد الدينيّ القرآنيّ للقصة الصحيحة، يتأكّد اجتزاء الكثير من هذه التفاصيل في الفيلم، وهو ما يجعله عملا فنيا غير مرجعيّ في هذا الجانب بالنسبة لجميع الديانات السماوية، ويجب التأكيد على ما قد يحمله من مغالطات أو نقائص لعقول صغار السنّ، أو الغافلين، أو قليلي العلم بالدين. مع ذلك، فقد رأيت أنّ من ايجابياته العديدة، أنّه دعا المسلمين إلى إعادة البحث عن هذا النبيّ في القرآن الكريم، والحمد لله ربّ العالمين.

أول اعتراض أنّ لغة الفيلم باللغة الانجليزية ولا أعلم ما إذا كان ممكننا التمثيل بلغة أخرى غيرها، لكنّ الأكيد أنّ سيدنا آدم قرأ كتابة باللغة العربية في عرش الرحمان قبل استعماره الأرض.

الاعتراض الثاني، حيث يقوم جدّ نوح متشولخ، بأخذ نوح على انفراد بعد أن يتسبب بوضع إصبعه على جبهة شيم لينام، وقال: "هذا ليس حديثا يقال أمام الأطفال"، أظنّ أنّها سقطة من سقطات الفيلم، حيث شاهد شيم العمالقة "الحراس ملائكة من جنات عدن": وهي الأنوار التي سكنت الأرض لحماية سيدنا آدم، ثم لبست الحجر عقابا من الله، ويتمّ تنويم شيم حتى لا يسمع ما يقوله جدّ نوح وهو أمر غريب.

الاعتراض الثالث، دعوة جد نوح للأخير لشرب كأس من الشاي، فهل هذا ممكن؟ أم أنّه سقطة ثالثة في الفيلم، وفي مشهد غريب آخر، يبدي نوح اهتماما بما سيحلّ بالبشرية حين تحرق النار العصاة، وينهي الطوفان مصير الأشرار، يجلس جدّ نوح متشولخ، جانبا، بعد ايقاظه لشيم، يعلمه لعبة خيط الأصابع، ثم يرفع رأس شبكة لعبة خيط الأصابع، معلنا في لقطة واضحة جدا في الدقيقة ٢٩ من الفلم، عن "تور برج ايفل" الماثل في العاصمة الفرنسية باريس، فهل هو إشهار عن حداثة الغرب أم سقطة أخرى للفيلم؟ وأحدّ أخطر الأخطاء في نظري ابراز القسوة الشيدة لنوح على ابنه حام وضربه له في الدقيقة ٥٨ من الفيلم، فيما تؤكّد النصوص الإسلامية رفق سيدنا نوح بقومه وأهله، وصبره على أذاهم.

عصام بن الشيخAlgeria, Tindouf

Copyright © 2014 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق