كيف يمكن للسيسي أن يؤسس مصر الحديثة؟

كيف يمكن للسيسي أن يؤسس مصر الحديثة؟

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۳-۱۰-۲۰۱۳ - ۳:۳۵ م

الشعب في معظمه، وخاصة النساء والعاطفيون من الرجال، يريدون السيسي رئيسا للجمهورية. الشخص القوي المخلص، حتى ولو كان دكتاتورا هو الاختيار الأول لهم لرئاسة الجمهورية طالما أنه يحقق طموحات الجماهير ويوفر احتياجاتهم، وخاصة الأمن والطعام والصحة والتعليم والكرامة.

البقية الأخرى من الشعب، وهي القلة، يخافون بسبب النفاق وتأليه الحاكم، أن يتحول السيسي إلى دكتاتور يعادي الديمقراطية ويعبد نفسه مؤلها إياها، كما يعبد إنجازاته وأساليب حله للمشكلات الوطنية. وهنا يفقد السيسي "عزم بروميثيوس"، وينسى القضية الأساسية وهي بناء الدولة القوية الحديثة والتأسيس لها.

والآن، أيها القارئ اللبيب، اسأل نفسك: هل أريد دكتاتورا قويا يحل مشاكل مصر الحالية بسرعة. يوقف مؤامرات الغرب كتفتيت الدول العربية وعلى رأسها مصر، ويحقق الأمن، ويتخذ من القرارات ما لا تقوى عليه الحكومة "المرتعشة" حاليا، أم أريد رئيسا مدنيا غير عسكري الأصل يسعى فعلا إلى بناء الدولة القوية الحديثة ويؤسس لها، وليكن مثل "حمدين صباحي" على سبيل المثال. وهنا ربما سيتأخر تحقيق الأمن والحاجات الأساسية للشعب تأخيرا نسبيا، وتستمر لمدة أطول نسبيا معاناة الشعب من الإرهاب الإخواني والديني وأتباعه في الخارج؟ وببساطة شديدة، "عاوز تنجز" وتأكل طبق بامية "ماسخ" مطبوخ في البرستو، أم هل تستطيع أن تتحمل متاعب إعداد "طاجن" البامية الشهي المسبك بالفرن؟

وهنا ربما ستسألني أيها القارئ الكريم: لماذا تريد أن تفرض علىً أحد هذين الخيارين مغلقا في وجهي حق التفكير وحرية الإبداع ومحاولة التوصل إلى التوفيق بين المتناقضات والتوصل إلى حل فيه معظم المزايا مع أقل العيوب؟

الإجابة هي: على العكس، أنا أتمنى أن نفكر معا في هذا الحل التوافقي الذي نتمناه جميعا. وأنا هنا أبدأ الحوار بعرض ما أراه لتحقيق ذلك من خلال الاعتبارات التالية:

١. لقد أثبتت أحداث ما بعد ثورتي يناير المجيدة ويونيو الفريدة أن القوة الصلبة، مؤسسيا وتكنولوجيا واقتصاديا، والممثلة في الجيش والشرطة، هي في النهاية التي تحسم الأمور محليا وعالميا مهما كانت قوة المؤامرات العالمية والإرهاب المحلي، وذلك طالما أن الشعب يؤيد تلك القوة ويتعانق معها.

٢. إذن، يعتمد بناء الدولة الحديثة على تأييد وتعظيم دور الجيش والشرطة، بما لا يعني بالضرورة أن يتولى عسكري، أيا كان، دور رئاسة الجمهورية، خاصة أن تلك القوة الصلبة (الجيش والشرطة) تحتاج في حد ذاتها إلى تطوير وتقوية هائلين من أجل تحقيق الردع لأي معتد داخلي أو خارجي والدفاع عن الوطن بكفاءة وفاعلية.

٣. يعتمد بناء الدولة الحديثة على التعايش السلمي مع الغرب (أمريكا وأوروبا) وإسرائيل وأذنابهما من القوى الإقليمية والعالمية وبقية دول العالم، بالإضافة إلى الإجراءات المؤسسية الشجاعة والجريئة من أجل الديمقراطية والقضاء على بيروقراطية الدولة العميقة وإقطاعها الحكومي الطفيلي وتحقيق العدالة الاجتماعية وإطلاق طاقة الشعب الإنتاجية.

٤. إذا كان حبيب الشعب الفريق أول عبد الفتاح السيسي يرى في نفسه، حاملا كفنه على كتفيه، أنه يعرف، ويرغب، ويستطيع أن يقوم بدور تقوية القوة الصلبة (الجيش والشرطة)، وفي نفس الوقت يقوم ببناء الدولة الحديثة فسوف يكون ذلك هو الحل الذي سيفرح له الشعب ويطرب ويشعر بالمزيد من حلاوة "تسلم الأيادي".

٥. إذا تردد الفريق أول السيسي في حمل هذه المسئولية المضاعفة فلن يتبقى إلا حل آخر أراه مناسبا، ألا وهو:

‌أ. يبقى السيسي بقوته الصلبة كرمانة الميزان لمسيرة الشعب نحو الحداثة والقوة. هذا الدور في تقديري هو أهم دور في بناء الدولة المصرية. وقد لعب السيسي بالفعل هذا الدور من قبل، وبصورة خاصة أثناء فترة الحكم الدكتاتوري الطائفي الانتهازي لجماعة الإخوان التي نهبت ثروة مصر بمعدل أكبر مما نهبها مبارك من قبل. كانت النتيجة لهذا الدور هي الثالث من يوليو والسادس والعشرين منه وما تبعهما من تحرر من الاغتصاب الإخواني، وقضاء نسبي على الإرهاب.

‌ب. يؤيد النقطة الأولى، أن السيسي نفسه قد وعد بعدم الترشح للرئاسة قائلا أنه يشرف بالدفاع عن الوطن أكثر مما يشرف برئاسة الجمهورية. الشعب يقدر دور الجيش الأساسي، ويعشق السيسي، ولا يتمنى أن يتلوث السيسي بأوحال السياسة الرخيصة أحيانا، ثم في النهاية ستضعف قوة السيسي بتقلده رئاسة الجمهورية بعد اتجاه الدستور الجديد لتقليص دور رئيس الجمهورية نسبيا مما يحد من صلاحياته دستوريا.

‌ج. يؤيد النقطة الأولى أيضا تفرغ الفريق السيسي لتطوير وتقوية القوة الصلبة (الجيش) كما قلنا من قبل خاصة أمام التحديات الهائلة التي تعترض تلك المهمة الجبارة، خاصة أيضا، وأن الجيش يسيطر الآن على ما يقرب من ٣٠-٤٠% من الاقتصاد المصري الذي يعاون الاقتصاد المدني دائما وخاصة وقت الحاجة الطارئة.

‌د. بالرغم من وجود رؤساء جمهورية عسكريي الأصل أمثال ديجول وإيزنهاور إلا أن واقع الأمر هو أن العقلية العسكرية والثقافة المرتبطة بها تعتمدان على السمع والطاعة والالتزام الصارم بالقوالب الفكرية مما يحد من قدرة العسكري على الإبداع والمرونة اللازمين للسياسة وبناء الدول. ولو اختار السيسي بالذات الترشح للرئاسة، فإني أقر أنه لن يقل بإذن الله عن ديجول أو أيزنهاور.

‌هـ. النقطة الخامسة والأخيرة والخلاصة هي، بصراحة، أن يهندس الجيش والشرطة الآن، ظاهرا أم باطنا، دعم مرشح مدني معين يقترن مع كفاءته للرئاسة توافقه الكامل مع الجيش والشرطة. وأرجو ألا نكتفي بإقرار المرشح نفسه بالتوافق الكامل مع الجيش والشرطة رغبة في حصد أصوات الشعب، وإنما لابد بطريقة معينة أن يدرك الشعب أن القوة الصلبة تدعم هذا المرشح بصفة خاصة، ولا عيب في ذلك لأننا لا نريد صراعا، أو ازدواجا في مصادر القوة في هذه المرحلة بالذات، وذلك كما قال الأستاذ هيكل موحيا بتأييده لترشح الفريق السيسي للرئاسة. وتماشيا مع صراحتي والحمد لله، وبالرغم من تعرضي للنقد الذي قد يكون لاذعا، سأقول في النهاية هذه العبارة الصارخة الواضحة: "نحن في هذه المرحلة نريد حكما مدنيا برئيس في مستوى حمدين صباحي وتوجهاته على الأقل، ولكن يكون الجيش والشرطة هما رمانة الميزان التي لا ينازعها أحد، أيا كان."

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق