سوريا.. الداخل والخارج - أهلاً العربية

سوريا.. دراسة الداخل وانتظار تسوية الخارج

مصر : ۲۷-۹-۲۰۱۳ - ۸:۰۵ ص

على من يريد أن يفهم الحال الداخلي للدولة في سوريا أن يعرف أنها نموذج لاقتصاد الدولة من حيث تأمين الصحة والسكن والدعم الغذائي… وهذه الدولة التي كانت أداة ووسيلة تحول اقتصادي وتغيير نهضوي استوعبت طبقة رجال الأعمال القديمة وفي نفس الوقت خلقت طبقة رجال أعمال جديدة ولكن هي طبقة مرتبطة بالأجهزة الأمنية في بلد نفطي زراعي سياحي يعتمد على المساعدات الخارجية وقاعدة من أصول أموال لمهاجرين سوريين تصل إلى ثمانين ألف مليون دولار.

إن هذه الدورة النهضوية الاقتصادية التي قادها حزب البعث الجناح اليساري توقفت عند منتصف الثمانينات حيث بدأت دورة الفساد بثنائية "رجال الأعمال والأجهزة الأمنية" التي تم السماح لها بالعمل بالتجارة لسبب غير معروف، وأيضا غير مفهوم من رأس الدولة الرئيس السابق حافظ الأسد الذي كان إلى وفاته يعيش تقشفا ثوريا معروف للجميع وظل يعيش في شقته الصغيرة في حي المزة إلى يوم وفاته وحتي أولاده لم يميزهم عن بقية الناس ضمن حالة التقشف الثوري.

هذا بالتأكيد أكسبه شعبية مهمة ولكن لماذا سمح بدورة الفساد وهو الحاكم المسيطر، هو سؤال لا أعرف الإجابة عليه؟ ضمن دورة الفساد التي بدأت بمنتصف الثمانينات وتوقف النهضة وتراجع انجازات السبعينات ومتاعب انخفاض عائدات النفط ومواسم الجفاف وهبوط تحويلات المغتربين السوريين وحصار دولي شامل نتيجة استقلالية القرار السياسي السوري. هذا كله شكل بداية دورة الفساد السوري ونهاية نهضة السبعينات ضمن دولة البعث القومية.

بدأ آنذاك المشكل السوري بتفجر الفارق الطبقي بين دورة الفساد ثنائية الرؤوس، رجال الإعمال والأجهزة الأمنية، وباقي الطبقات الشعبية السورية. إزداد الفقر وانتشرت البطالة لعشرين بالمائة من قوة العمل، ناهيك عن نمو سكاني لا تقابله تنمية مقابلة، وطبعا هذا كله ضمن استبداد داخلي يستخدم نفوذه بالأجهزة الأمنية لتحقيق وتصنيع عائلات تجارية وشبكة علاقات اجتماعية مرتبطة بدورة الفساد الثنائية المذكورة أعلاه.

هذا كله شكل قاعدة لدخول التآمر الخارجي الذي لا يهدف إلى ضرب الاستبداد الداخلي ولكن إلى ضرب استقلالية القرار السوري الاستراتيجي بما يخص الصراع العربي الصهيوني ومحور الإستراتيجية السورية بفرض السلام على الصهاينة وراعيه الدولي الاستكباري بما يعيد الجولان المحتل ويقدم "نوع" من الحل للفلسطينيين ومن ضمنها حق العودة وما شابه.

إذن حصل فشل سوري في مشروع النهضة ولم تستطع تكرار نموذج الصين التي صنعت نموا اقتصاديا في ظل قمع داخلي، إذن ثنائية "رجال الإعمال والأجهزة الأمنية" كونت ضمن العلاقات العائلية للأجهزة الأمنية شبكة سرطانية للمصالح التجارية زادت معها البطالة والفقر والاستبداد الداخلي المرتبط بمصالح هؤلاء وليس له علاقة بحماية الدولة من التأمر الخارجي.

إذن كلما كبرت ثنائية دورة الفساد السورية كلما زاد الغضب الشعبي وكلما كبرت مصالح تلك الثنائية كلما دمرت منجزات الدولة القومية بسوريا بما يخص الطبقات الشعبية والوسطي وأصبح مفتاح الاستثمار الأجنبي داخل سوريا هو علاقات الشركات الدولية العابرة للقارات بتلك الثنائية الفاسدة مما يفسر غياب أو تأخير أو قل عدم رغبة الشركات الدولية المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات بالضغط على الدولة السورية لتحقيق إصلاحات سياسية مما أدي إلى تعزيز وتثبيت دورة الفساد السوري مما زاد منتوج الغضب الشعبي ودمر مكتسبات الناس.

إن ثنائية الفساد السورية تحركت بعد وفاة حافظ الأسد إلى تحقيق ليبرالية اقتصادية بمعزل عن أية ليبرالية سياسية إذا صح التعبير في ظل عزل دولي موجود وحصار شامل نتيجة استقلال القرار السياسي بما يخص تحرير الجولان ضمن الخطة السورية للتحرير ووجود جيش قتالي حقيقي، المطلوب صهيونيا القضاء عليه وتدميره.

إذن استقلالية القرار السياسي بسوريا ودورها في الصراع العربي الصهيوني والتقشف الثوري لقيادة حافظ الأسد وإخلاصه لقوميته العربية وشفافية خطابه التعبوي ونجاحات السبعينات الاقتصادية وقيادته لسوريا من بلد "ملعب" لكل العالم بواحد وعشرين انقلابا بين ١٩٤٦ إلى عام ١٩٧٠ إلى بلد "لاعب" دولي مهم وباستقلالية قرار وقوة إقليمية خلقت بيئة اجتماعية ممتدة مساندة للنظام جعلته يستمر ضمن سرطان مدمر يتمثل بثنائية الفساد.

إن هذا "اللاعب" أصبح حاليا "ملعبا" لكل دول العالم وانفتحت البلد بعد وفاة حافظ الأسد بليبرالية اقتصادية تسعي لمصلحة طبقتها ودائرة فسادها إلى أن دخلت آليات الثورات الناعمة لتدمر سوريا.

ما سبق كلام عن الداخل السوري ولكن ماذا عن المستجدات الحالية من التطورات المتلاحقة والمتسارعة؟ المفارقة الحالية هو دخول التنظيمات المسلحة التي تحارب الدولة في سوريا إلى حرب فيما بينها وحرب أخرى تمارسها هذه التنظيمات ضد القومية الكردية؟ صحيح من كان يقول إن الرئيس بشار الأسد لو إختار معارضين له لما إختار أسوأ من الموجودين حاليا ولا أغبي منهم.

ضمن غباء وسوء الجماعات المسلحة يجري كذلك الكلام عن مؤتمر جنيف اثنان وهو محاولة إحداث انتقال سلمي للسلطة في سوريا برعاية دولية يضمن وقف الدعم المالي الاستخباراتي والتنظيمي للجماعات المسلحة ضمن كلام إعلامي عن أكثر من مائة وثلاثين ألف مقاتل أجنبي غير سوري وكلام أكثر خطورة على أن في سوريا حاليا هناك من التكفيريين والمعقدين مذهبيا أكثر من عدد "الأفغان العرب" بالثمانيات وكأن سوريا من بعد حافظ الأسد أصبحت ملجأ لكل مجانين التكفيريين والمعقدين مذهبيا والأغبياء من المتدينين الذين ينفذون مشاريع آيتان شارون ومقررات مؤتمر هيرتسليا بعمالة مأجورة أو ببغباء داخلي يعيشونه.

نشاهد ضمن كلام عن تسوية قادمة تراجع الكلام الغربي عن الاستبداد الداخلي السوري أو المشاكل الاقتصادية وتحول الصراع إلى الكلام عن "رقابة" دولية على أسلحة كيماوية تطور إلى نزع لاحق ودخول إلى معاهدة الأسلحة الكيماوية وسط تمطيط وبرودة سورية معروفة إلى حد الجليد. هذا كله أيضا نشاهده ضمن وضع عالمي لا يسأل الصهاينة عن استخدامهم للفسفور الأبيض في غزة ولا استخدام الأمريكان للبلوتونيوم المنضب في العراق ولا النابالم ضد الفيتناميين ولا مساعدة الغرب لنظام صدام حسين عن بناء ترسانته الكيماوية التي استخدمها ضد شعبه والإيرانيين.

هذه "الرقابة" و"النزع" و"التوقيع" أثبتت انتصار روسيا وتأكيد دورها الجديد في منطقة الشرق الأوسط وكشفت تناقض فرنسي شاذ مندفع يريد تسليح المعارضة المسلحة في سوريا؟ في تناقض غريب حيث حاربت فرنسا تنظيم القاعدة في جمهورية مالي ولكنها تدعم نفس التنظيم للقاعدة في سوريا.

وفي كل الأحوال خسر الموقف الفرنسي معركته في سوريا. ولعل هناك من يعزو هذا الموقف الفرنسي إلى ضعف شخصية رئاسة فرنسا حيث انتقلت قيادة السياسة الدولية من رئيس الدولة الفرنسية إلى وزارة الخارجية التي كانت تاريخيا بروتوكولية لا تعنى بالإستراتيجية وقراءة هذا الانتقال يعزوه البعض إلى ضعف شخصية الرئيس الفرنسي من ناحية كما ذكرنا وأيضا إلى شخصية وزير الخارجية الفرنسي الحالي من حيث كونه صهيونيا بامتياز مرتبط بالمجلس اليهودي وإن أعلن انتقاله للمسيحية فهناك من يفسر هذا الانتقال الديني ليس من باب القناعة الإيمانية بل من باب الرغبة المصلحية للتطور السياسي ليرتقي فابيوس رئاسة فرنسا مستقبلا.

وغير النجاح الروسي والفشل الفرنسي هناك "سقوط" لإستراتيجية تركيا في الوضع السوري وهذا السقوط هناك من يعتبره خسارة تركية لحصتها الموعودة من الغاز وفقدانها الطريق الاقتصادي للدول العربية ضمن تراجعات تركية سابقة عن سياستها الخارجية المسماة صفر مشاكل مع الجيران لتغرق تركيا مجددا مع مشاكلها مع حزب العمال الكردستاني حيث تراجعت ترتيباتها للسلام معه ناهيك عن خسارة الأتراك للتبادل التجاري مع الدولة السورية الذي كان يقدر بالفان مليون دولار سنويا وإن إرتفع تبادلها التجاري مع الصهاينة إلى أربعة ألاف مليون دولار.

إذن هناك كلام عن تسوية قادمة، أم أنها "وهم" لتسوية لن تحدث إلا بخيالات من يعتقد بها ويريدها؟ تسوية يرغبها البعض تمت تهيئة مسرحها التمثيلي ضمن "مقالة" كتبها رئيس الجمهورية الإسلامية المقامة على أرض إيران بالصحافة الأمريكية أثناء قدومه لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة وأيضا تحفيزا لما قيل عن تغير للسياسة الخارجية المصرية بعد "الانقلاب العسكري" ورسائل متبادلة بين الدولة في سوريا والنظام "الجديد القديم" في مصر.

ناهيك عن أمر هام وهو توقيع إتفاقيات دفاعية مشتركة بين سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية المقامة على أرض إيران، ناهيك عن اتفاقيات أخري تختص بالتعليم والرياضة والثقافة ومكافحة المخدرات ومحاربة تهريب البشر وارتباط اقتصادي رفع مستوى سلطنة عمان من التبادل التجاري مع الجمهورية الإسلامية إلى المرتبة الثانية حيث تمثل مع دولة الإمارات العربية المتحدة تبادل تجاري ملياري يصل إلى ثلاثين ألف مليون دولار وهو ما فسره عدد من المراقبين بأن هناك تغير قادم بالمنطقة ومنها تغيرات بوصلة العلاقات التي تمت إعادة ترتيبها.

وأهمية هذا الاتفاق هو ما تحمله سلطنة عمان من استقلال معروف في قرارها وعلاقاتها الخارجية تربط مصلحة الوطن "العماني" فوق أي خلاف قديم أو حديث. فالحكمة العمانية وتاريخية هذه الحكمة المثبتة على مر الزمن بنجاحاتها بالمنطقة وأيضا بصحة قراءتها للواقع الدولي والإقليمي يدفع بالتصديق على إن هناك ما هو قادم بالمنطقة، ويدفع سيناريو تسوية قادم هو تنازل وتراجع تنظيمات قطع الغيار البشري المفبركين غربيا كمعارضة سورية، وقبولهم المفاجئ بالحل السلمي الذي رفضوه بجنيف وبالأساس لا قرار لهم ولا رأي إلا لمن صنعهم وفبركهم من الدوليين.

إذن هناك قرار خاص بمن صنعهم وليس لهم قبل ووافق على التسوية ضمن قناعة إيرانية على أنهم "أي الإيرانيون" الحلقة والعقدة لخطوط الغاز إلى الصين وباقي العالم فالتسوية معها ومع حلفائها الدوليين الروس والسوريين والصينيين ضمن قائمة تشمل كل ملفات المنطقة من النووي الإيراني إلى تقاسم النفوذ الدولي إلى رفع الحصار على الجمهورية الإسلامية.

إذن هي صفقة شاملة للنفوذ الدولي الجديد وتقسيم جديد للحصص الدولية بعد فشل عسكري وسياسي واستخباراتي دولي في سوريا ضمن دلالات ومعطيات كثيرة.

كاتب هذه السطور رغم كل هذا الدفع الإعلامي والحراك الدولي والاجتماعات المرتقبة بين الجمهورية الإسلامية والأمريكان لا يتفاعل على أن هناك تسوية قادمة وقد أكون مخطئا ولكن رأيي هو ببساطة لماذا تريد الولايات المتحدة "تسوية" فهي لا تدفع ضريبة للدم ولا ضريبة للمال في القتال على أرض سوريا وهي سعيدة بالأفغنة الحاصلة حيث يتم تدمير الجيش العربي السوري كأخر جيش عربي "حقيقي" يستطيع الحرب بلا خسائر على الإطلاق للأمريكان بما يخدم "فوضتهم الخلاقة" وما يتناغم مع ما يريده الصهاينة من تدمير الجيش السوري وهذا مثبت بمقررات مؤتمر هيرتسليا التي تتحرك به دولة الكيان الصهيوني كحركة على ارض التطبيق.

ناهيك عن سوابق تاريخية للكذب الأمريكي على العرب فهم من كذبوا على الرئيس حافظ الأسد عن طريق كيسنجر وهم من وعدوا الرئيس حافظ الأسد أيام كارتر بتسوية أخرى تراجعوا عنها أيضا وتاريخ الأمريكان بالكذب على رؤساء الدول كثير وطويل.

إذن لماذا يريد الأمريكان "تسوية" في صراع لا يكلفهم شيئا؟ قد تكون هناك معطيات وأشياء خافية على كاتب هذه السطور ولكن يظل السؤال بلا إجابة إلى حين توفر هذه المعطيات والأشياء المخفية.

د. عادل رضا المملكة العربية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق