الميزانية والعدالة الإجتماعية

الميزانية والعدالة الإجتماعية

بقلم/
حازم مهني
مصر : ۲٤-۵-۲۰۱۳ - ۷:٤۷ ص - نشر

العدالة الإجتماعية من أهم مطالب ثورة ٢٥ يناير "عيش، حرّية، عدالة إجتماعية" التي سطّرها الشهداء بدمائهم الذكية، فكانت شموساً في سماء مصر الغالية، لكن لاتزال شمس الحريّة لم تشرق ولم تستطع أن تمزّق ستائر الظلم والظلام، لعلّها لم تصل كبد السماء بعد لتبدّد ظلامات القهر والاستعباد التي عاشها الشعب الكادح المسكين سنين طويلة.

أولى المصائب لازالت في المعاناة للحصول على رغيف العيش، الطوابير هي الطوابير، وبيع الدقيق بالسوق السوداء "شغّال على ودنه، وعينه كمان"، ولم يكتف أصحاب المخابز بهوّات جهنم السحيقة التي بنوها من قوت الشعب المسكين، لكن مع كل طلعة شمس يبنون جحوراً أشد ظلمة وظلاماً في هوّات جهنم التي ستشوي جلودهم وعيونهم ثمناً لتجارتهم في دماء الشعب المسكين وبيعهم دقيق المواطنين بالسوق السوداء، وشجّعهم على ذلك تلك المنظومة العرجاء "منظومة الخبز" التي تسير بقدم سليمة يقودها رجالات التموين والأحياء ومنظمات المجتمع المدني من الشرفاء، وقدم أخرى يقودها أبناء الشيطان الطامعين في شعبهم وأهلهم، ماتت ضمائرهم فأكلو دعم الشعب، وشربوا دماءه، وتنفّسوا الجشع، فاقتسموا الحرام فيما بينهم، يحلمون بالمزيد من فجر الإقطاع.

أما ثاني المصائب وأكبرها، والطامة الكبرى فهي فجيعة ميزانية الدولة لعام ٢٠١٤، التي غابت عنها تماماً معايير العدالة الإجتماعية، فعلى سبيل المثال نفس الأجور كما هي لم تتغير، ونفس المخصصات هي نفس المخصصات مع الأخذ في الاعتبار الزيادات الدورية والسنوية، لكن هل حدثت ثورة بنائية في هياكل الأجور؟ لم يحدث.

فالذين يضعون الميزانية لا يستحيون عندما يقولون إن الحد الأدنى للأجور وصل (٧٥٠ جنيهاً) سبعمائة وخمسون جنيهاً مصريّاً، والسؤال : هل يكفي ذلك أسرة مكونة من خمسة أفراد "يعنى أبّ وأمّ عندهم ثلاثة أولاد فقط"، تأكل فول وطعمية وبطاطس وجبنة قريش، بلا لبن، بلا سمك، بلا لحمة، بلا جمبري، بلا سي فود، بلا كول سلو، بلا سلطة فواكه، إذا كان متوسط ثمن الوجبة لهم عشرة جنيهات فيكون متوسّط تكلفة الطعام وحده (٩٠٠جنيهاً) تسعمائة جنيه شهريّاً؟

السادة الذين يضعون رؤوسهم في الرمال، وآذانهم في المياه أمام الأجور الخاصّة بأصحاب المناصب العليا والمستشارين ورؤساء مجالس الإدارات في جميع مرافق وقطاعات الدولة، حكومة وإدارة محليّة ووزارات وهيئات سياديّة وقطاعات إقتصاديّة وشركات استثماريّة تابعة للدولة، فلا زلنا نسمع فرقعات إعلاميّة بالتعليمات المشدّدة أن يكون الحد الأقصى خمسة وثلاثين ضعفاً، أي (٢٥٠٠٠ جنيهاً) خمسة وعشرون ألف جنيه مصري.

والسؤال: هل يستطيع وزراء المالية والاستثمار والبترول والعدل أن يقسموا على المصحف الشريف أمام الجماهير بأنه لا يوجد موظّف عام يتقاضى راتبه من الدّولة المسكينة بقيمة أعلى من هذا الرقم؟ وما زاد عن هذا المبلغ يرد للدولة، ويعاقب المسئول عن ذلك؟

وهنا نتساءل عمّا قيل في مجلس الشورى بأن هناك (٢٦٠٠٠) ستة وعشرين ألف مستشار يتقاضون (ستّة عشر مليار جنيه) بمعدّل (٦١٠٠٠) واحد وستين ألف جنيه مصرى لكل مستشار شهريّا؟ وكلّهم تمّ تعيينهم أيّام المخلوع بالمحسوبيّة والكوسة والمجاملة، ألم تصل إليهم رياح الثورة بعد؟ وقانون الحد الأقصى؟

يا معالي وزير الماليّة إذا أردت تحقيق العدالة الماليّة فلتخرج على الشعب بكشوفات الأجور والمرتّبات لجميع العاملين بالدّولة دون استثناء لنعلم ما يتقاضاه الجميع، السادة الوزراء ونوابهم، والملحقين الدّبلوماسيّين الذين يتقاضون عشرات الألاف من الدولارات شهريّاً، والمحافظون ونوابهم، ورؤساء الجامعات، والذين تمّ تعيينهم كرؤساء مجالس إدارات شركات بقطاعات البترول والمقاولات والإتصالات والأدوية وغيرها من كلّ القطاعات المملوكة للدّولة المصرية الذين يتقاضون ّ أرباحاً سنوية تصل ملايين الجنيهات؟

وكم هو إجمالى المبالِغ التي تقاضاها كل من سبق ذكرهم على سبيل المثال بطرق قانونية سليمة في الموازنة المنصرمة (٢٠١٢ – ٢٠١٣)؟

وأخيراً… ما حقيقة أن ميزانيّة مصر السّنوية الحقيقية لا تقلّ عن ثلاثة ترليون جنيه مصرى، يخصّص منها لموازنة الدولة (٦٩٢ مليارجنيه) ستمائة وإثنان وتسعون مليارجنيه مصرى، والباقي يدخل في بطن الصناديق الخاصة والهيئات الاستثمارية والشركات والقطاعات الاقتصاديّة؟

مصر الغالية دولة غنيّة برجالها ومواردها، لكنها مازالت تعاني من سوء تخطيط وتوزيع وارداتها وثرواتها بما يعتريه من نقص خبرة، وطمع، وجشع.

العدالة الإجتماعيّة هي أهمّ أهداف الثورة، ومازالت أهمّ التحدّيّات الحقيقية التي تواجه الثورة المصرية.

حازم مهنيمصر

عضو نقابة الصحفيين المصريين المستقلة – عضو جمعية الإعلام المصرية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق