ترزية القوانين... كلاكيت ثاني مرة

ترزية القوانين... كلاكيت ثاني مرة

بقلم/
وفاء داود
مصر : ۲۰-۲-۲۰۱۳ - ۱۲:۱٤ م

في عهد الرئيس السابق حسني مبارك إستنكر الجميع ظاهرة ترزية القوانين وقيام النظام بتفصيل القوانين وتطبيقها على الشعب وفقاً لما يحلوا لنظام ضارباً عرض الحائط بآراء الآخرين متجاهلاً معاناة المواطنين غير مهتم بمدى صحة وعدالة تلك القوانين، كل ذلك في سبيل إحكام قبضته على النظام والإطمئنان لمستقبله ولخلاياه السرطانية التي زرعها ونشرها في مفاصل الدولة.

كنا نعتقد أننا ودعنا هذه الظاهرة مع سقوط مبارك، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، وشهدنا العديد من الملامح التي تؤكد إستمرار هذه الظاهرة وعودتها مرة أخرى ولكن في ثوب جديد، وهذا يدل على أن الإشكالية ليست في تغيير الرؤساء أو الأحزاب أو الأنظمة ولكن الإشكالية الحقيقية تكمن في ثقافة الديمقراطية، فرغم سقوط مبارك إلا أن الثقافة التسلطية مازالت قائمة بيننا وتسير على نفس المنهجية التي تقوم على هيمنة سياسية حزب واحد جاء نتيجة نشر ثقافة تسلطية من المحتمل أن تستمر لجيل أو أكثر بعد سقوط مبارك، وذلك بحكم أن القيم الثقافية لا تتغير بين عشيةً وضحها، فمن الأرجح أن تستمر هذه القيم خاصة وأن مصر تنتشر فيها ثقافة الدولة "الرعوية".

إن معطيات تعامل القوى السياسية، لاسيما الحزب الذي يتولى الحكم الآن والذي شكل الحكومة، تؤكد سيره على نهج نظام مبارك لاسيما فيما يتعلق بالأطر التشريعية والقانونية، وهو الأمر الذي تؤكده الحقائق والوقائع التالية:

الإصرار على إجراء الإنتخابات أولاً وتأجيل الدستور في إستفتاء ١٩ مارس ٢٠١١، الأمر الذي يخالف المنطق وأثبت فشله بعد التجربة والخطأ وإرهاق الدولة مالياً وتعطيل عملية الإنتقال الديمقراطي وإستمرار عدم الإستقرار الذي ينعكس بالسلب على المواطن، وربما كانت هذه بداية لنوايا التفصيل التشريعي والقانوني.

الحرص على إصدار قانون العزل السياسي وذلك لمنع رموز الحزب الوطني المنحل من المنافسة السياسية، رغم أن هذا القانون كان محاولة لتطهير الساحة من رموز الفساد إلا أنه أخذ العاطل بالباطل، وكأنه جاء لإقصاء القادرين على المنافسة وإسقاطهم من اللعبة السياسية بصرف النظر عن نزاهتهم أو عدمها.

كانت الإنطلاقة الحقيقية لترزية القوانين بعد الثورة في محفل المطبخ الدستوري، وأعني اللجنة التأسيسية للدستور، الأمر الذي لم يحدث في عهد أكثر النظم إستبداداً في مصر، وإتضح ذلك في عدم الإلتزام بالمعايير الموضوعية التوافقية في تشكيل التأسيسية، وفي نوعية الشخصيات المختارة التي أكدت تعمد تجاهل الفقهاء الدستوريين والتحايل بإدراج المواليين لتيار معين تحت صفة المستقل، فضلاً عن الإصرار على طرح الدستور للإستفتاء في وقت غاب فيه الإتفاق والوفاق.

جاءت المحطة الكبرى والفاصلة بإصرار ترزية القوانين على تفصيلة معينة لقانون الإنتخابات الجديد، ورغم الحكم بعد دستوريته وبسببه تم حل البرلمان، إلا أن الترزية لا يودون تعلم الدرس ولا يستفيدون من الخبرات السابقة، بل كل ما يهمهم المصلحة الضيقة التي لا تتلاءم مع القيم والمبادئ الدستورية، ليصر هؤلاء على ما لا يقبله أحد ويؤكد الشكوك والتخوف من هيمنه التيار الذي يدعي أنه إسلامي بأن يصر الإخوان على بعض النقاط في القانون والتي تمثل قنابل مفجرة ومخربة لركائز الديمقراطية، والغريب أن نجد أن الشق المتشدد في ذلك (السلف) لا يقبل ذلك واقفاً أمام هذا العوج غير القانوني، في هذه اللحظة شعرت وكأن عجلة الزمن رجعت بنا إلى عهد المخلوع، وأن الثورة كأنها كانت حلماً واستيقظنا منه.

يجب إسترجاع موقف قوى المعارضة وما فعلته للفت الإنتباه إلى هذا العوار ومع ذلك تم تهميش آرائهم ومواقفهم والآن جاءت كلمة المحكمة الدستورية العليا لتضع حداً لمثل هذه الأعمال الصبيانية غير القانونية. فكان لزاماً على من إقترح ومن ناقش ومن وافق على هذا القانون أن يحدد ما لم يُحدد، وليسقط العضوية في جميع الحالات التي يغير فيها العضو صفته التي ترشح بها، وإنهاء جدلية الجنسية بالنص على شروط التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفض حالة الإشتباك حول العزل السياسي ومنع قيادات المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للإنتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة ١٠ سنوات فقط لمن كان عضواً في الفصلين التشريعيين السابقيين على قيام الثورة. وهنا يجب أن أشيد بأداء المحكمة الدستورية والقضاء الذي استعاد مكانته بعض عوده البعض من عناصره إلى أروقة القضاء تاركاً مجال السياسة.

إن تفصيل وهندسة القوانين قد لا تقتصر على هذه المحطة بل تم الكشف عن محطة أخرى في خط متوازي والذي يتمثل في قانون التظاهر الجديد، ففي تقديري لكل مظاهرة يجب أن يكون هناك قواعد وإجراءات تنظمها وتحرص على إلتزامها للمسار السلمي وبشكل لا يعوق عجلة الإنتاج، ومع كثرة، التظاهرات بهذا الكم المستجد علينا، يجب أن يكون هناك قانون منظم لها، لكن يجب أن يكون عادلاً محافظاً على الحريات وليس مقيداً لها، واضحاً ومحدداً ولا يفتح الباب على مصرعيه حتى لا يكون نواة لعودة الدولة البوليسية من جديد.

وفاء داودمصر

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق