التدخل الفرنسي في مالي.. رجعت ريما لعادتها القديمة

التدخل الفرنسي في مالي.. رجعت ريما لعادتها القديمة

بقلم/
وفاء داود
مصر : ۲۹-۱-۲۰۱۳ - ۵:۲۷ م

إن أزمة مالي تعود إلى عقود مضت من التعارض بين الحكومة المركزية ومجموعات مسلحة من الطوارق تطالب بعدد من الحقوق، وقد تتطرف الجماعات المسلحة في مطالبها إلى حد المطالبة بإستقلال منطقة أزواد، وفي كل مرة تتصاعد الأزمة بين المسلحين والحكومة تنتهي بإجراء مزيد من المفاوضات، يعطى من خلالها الطوارق عدد من الإستحقاقات تنتهي بموجبها الأزمة دون الحاجة لتدخل خارجي. إلا أن الأزمة الأخيرة أخذت منحى آخر، وساهم في تطورها عدد من العوامل منها: سقوط نظام القذافي في ليبيا مما مكن الطوارق من الحصول على أسلحة متطورة وبسط نفوذهم على شمال البلاد، بالإضافة إلى الإنقلاب العسكري الذي قاده أحد قادة الجيش، ممن تدرب في أمريكا سابقاً وهو أمادو سانوغو، وذلك في توقيت شديد الغرابة حيث جرى قبل أقل من شهر من موعد الإنتخابات الرئاسية التي أعلن الرئيس عدم ترشحه فيها.

هذا الإنقلاب أضعف قدرات الجيش المالي على مواجهة تمرد الشمال وأدى إلى إنقسام البلاد، وهو الأمر الذي ساعد الطوارق في حربهم ضد الجنوب. وزاد الموقف تعقداً مع دخول مجموعات إسلامية مسلحة على الخط، ودعمها للطوارق في حربهم وسيطرتهم على عدد من المدن في الشمال.

هذا المشهد رغم تعقيداته كان من الممكن التوصل فيه إلى حلول ترضي جميع الأطراف، من خلال ممارسة ضغوط من دول الجوار على الأطراف المتصارعة، خاصة وأن الفصيل الإسلامي الرئيسي في الشمال، جماعة أنصار الدين، والذي يسيطر على معظم المدن الشمالية، أعرب عن قبوله للحوار وأبدى مرونة في هذا المجال، إلا أن المشهد تطور مع تدخلت فرنسا عسكريا تلبية لنداء استغاثة من السلطات لوقف زحف الإسلاميين المسلحين نحو باماكو العاصمة، وقصف الطيران الفرنسي مواقع في معقلهم بكيدال وسيطر الجيشان الفرنسي والمالي على غاو كبرى مدن شمال مالي التي إستعاداها إثر هجوم خاطف، في الوقت الذي يقود مالي سلطات إنتقالية، تشكلت بعد الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس أمادو توماني توري في ٢٠١٢ مما سرع في سقوط شمال مالي في أيدي الحركات المسلحة والمتمردين الطوارق.

إن الهدف الأول للتدخل العسكري الفرنسي هو حماية مصالح فرنسا الإقتصادية والسياسية، وفرنسا كقوة إستعمارية سابقة في أفريقيا، لم تقبل أن تفقد مناطق نفوذها السابقة لصالح قوى أخرى بدأت تتغلغل إليها كالصين وإيران، لذلك رأت أن الوقت والظروف مناسبان لحماية مصالحها.

بالطبع ستتأزم الأوضاع الداخلية إثر هذا التدخل، وحتى في حال نجاح الخيار العسكري، فإن فرنسا ستطلب من الحكومة المالية مزيداً من التبعية لباريس رداً للجميل، مما يعيد حقبة الإستعمار لأفريقيا مرة آخرى خاصة بعد إكتشاف الموارد المعدنية واحتياطيات من النفط واليورانيوم والغاز والفوسفات في إقليم أزواد.

أخشى أن يكون التدخل الفرنسي مدخلاً لتطبيق السيناريو الصومالي في مالي، خاصة وأن معظم الدول المحيطة بمالي دول هشة وستتضرر من العملية العسكرية، ففي موريتانيا عدد من المتمردين وتعاني نواكشوط من أوضاع أمنية واجتماعية وإقتصادية مزرية لن تحتمل حرب إستنزاف طويلة في هذه المنطقة، بالإضافة إلى الجزائر التي ترتبط بحدود طويلة مع مالي مما يصعب السيطرة التامة عليها، فضلاً عن أن ردود فعل الجماعات المسلحة التي تسيطر على شمال مالي لا يمكن التحكم فيها، وقد تلجأ إلى دخول أراضي الجزائر في حال إشتداد الضغوط عليها.

إن التدخل العسكري الفرنسي في مالي يعتبر بمثابة حرب إستباقية ومقامرة كبيرة سيكون له ثمن باهظ، وهو إستمراراً لخطط الهيمنة الغربية على ثروات القارة السمراء، وتكراراً مستهلكاً لاستراتجيات إتبعت في الحرب على العراق لتغيير الكل بالجزء. إن أزمة مالي متشعبة ومعقدة، ولن تنتهي باللجوء إلى الخيار العسكري، لذا ندعو المجتمع الدولي أن يتعاطي معها في إطار سلمي بعيد عن النزاعات المسلحة التي أعيت القارة الإفريقيَّة.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق