الإخوان والفئران تموت رعباً

الإخوان والفئران تموت رعباً

محمد سعـد النجار
مصر : ۲٤-۱-۲۰۱۳ - ۱۲:٤۰ م

يحكى أن أحد الأشخاص كانت عنده مشكلة تؤرقه وعانى منها كثيراً وهي غزو الفئران وإحتلالها لبيته وما تسببه له من إزعاج ومشاكل كثيرة ومقززة، فكان كل يوم يجد فأراً يسير بتمختر على الحائط ولا يستطيع إصطياده. جرب هذا الشخص المسكين كل الحيل لإصطياد هذه الحيوانات الكريهة، عصا المكنسة ومصائد الفئران وسم مخصوص لها وإقتناء القطط الماهرة في إصطياد الفئران. لم تنجح أية وسيلة، بل أحياناً كانت القطط إما تهرب خائفة من الفئران أو تعقد صداقة معها وتتركها تمر بسلام أمامها بل وتلعب معها.

فكر الرجل جدياً في أن يترك شقته بعد أن أعيته جميع الحيل وأصبح غير قادر على تحمل الأمر الواقع والتعايش السلمي مع الفئران، إلى أن أهداه يوماً أحد أصدقائه قطاً ضخم الجثة تبدو عليه علامات الكسل، لا يتحرك إلا للضرورة القصوى أو حين يثيره أحد بشئ يجعله يفقد صبره وهدوءه فيتحرك لمهاجمة من أراد أن يثيره ويختبر قوته ليلقنه درساً قاسياً يجعله لا يعاود الكرة معه أو أن يثيره مرة أخرى.

إستهزأ صاحبنا من منظر القط الكسول ضخم الجثة التي لا يستطيع معها أن يطارد سلحفاة وليس فاراً. فقال له صديقه لا تتعجل إن هذا القط خبير في إصطياد الفئران وسترى بنفسك، خذه ولن تخسر شيئاً أكثر مما خسرت، وكل ما عليك هو ان تضع له بعضاً من اللبن أمامه كل يوم قبل أن تذهب لتنام في الليل ثم في الصباح الباكر قبل خروجك للعمل، فرد مستنكراً، "كمان أجيب له الأكل لحد عنده، لايبحث عن طعامه وعايزه يخلصني من الفئران"، لن تخسر شيئاً قالها الرجل لصاحبنا وهو يضع القط بين يديه وختم حديثه معه بأن قال له لا تنسى أن تشكرني بعد نجاحه في مهمته. هات ياسيدي قطك السمين والشكر مقدماً وإن كان "معنديش أمل". ذهب الرجل لبيته وفي الطريق إشترى بعض من اللبن لزوم إطعام القط الكسول.

فتح الرجل باب شقته ووضع القط بروية على أرضيتها، فتحرك القط بهدوء وتؤدة وتمختر ماشياً إلى أحد الأركان وكأنه يعرف أين يجلس وينام ثم غط في سبات عميق بعد أن تفحص أركان المكان وأسقفه بعينيه من الوضع مسترخياً ومستلقياً على ذواته الأربع، تعجب صاحبنا وسخر من نفسه عندما صدق ولو بالتمني أن هذا القط الكسول سيخلصه من الفئران، كيف وقد بدأ حياته في بيته من أول لحظة بالنوم؟

توجه الرجل إلى غرفته لينام بعد أن وضع بعضاً من اللبن أمام القط الغارق في نومه وهو ينظر إليه في سخرية منه ومن نفسه، ففتح القط إحدى عينيه عندما رأى اللبن أمامه وكأنه يخبر صاحبه الجديد أنه متنبه لما يدور حوله. ألقى الرجل بنفسه إلى سريره وراح في نوم عميق هو الآخر.

أستيقظ الرجل من نومه في منتصف الليل لشرب بعض الماء من الزجاجة التي يضعها بجانبه كعادته في كل ليلة، ثم أخذه حب الإستطلاع أن يتوجه إلى الصالة ليرى إن كان قطه السمين يفعل شيئأ غير النوم أو لعله هو الآخر قد عقد صداقة مع الفئران مثله مثل غيره من القطط التي إقتناها في السابق. غادر الرجل سريره ومشي بهدوء ناحية الصالة حتى لا يزعج أحداً من سكان المنزل، القط أو الفئران على السواء.

أضاء الرجل مصباح الصالة التي ينام فيها القط، فإذا به يفاجأ بمشهد غريب، القط يشرب اللبن في هدوء وأمامه فأر بلا حراك، تعجب الرجل مما يراه وذهب ناحية القط الذي لم يلتفت له وظل يشرب اللبن ولا يقترب أو ينظر إلى الفأر الملقى أمامه جثة هامدة وتأنف نفسه وتتعفف من الإقتراب منه وإلتهامه، نظف الرجل المكان وأطفأ الأنوار وذهب إلى حجرته لإستكمال نومه، لم يجد تفسيراً لما حدث وتعجب لهذا القط الذي لم يبد أي إهتمام عندما أزاح الرجل من أمامه الفريسة وظن أن في الأمر صدفة وأن الفأر قد أتى أجله بشكل طبيعي أمام مخالب القط.

لكن المشهد تكرر بنفس تفاصيله في اليوم التالي والذي يليه ليلاً ونهاراً، فما يحدث بين القط والفئران بالليل يحدث مثله بالنهار أثناء غياب الرجل عن المنزل في عمله ثم حين يعود يجد القط يشرب اللبن وأمامه فأراً أو أكثر بلا حراك. زادت دهشة الرجل وإستغرابه، وسعادته في الوقت نفسه أنه وجد أخيراً حلاً لمشكلته وأصبح ينام بهدوء دون سماع أصوات مزعجة ليلاً، لكن هذه السعادة لم تمنعه من الرغبة في معرفة سر هذا القط الغريب ولغز سقوط ضحاياه أمامه بلا حراك، كيف تسقط هذه الفئران جثة هامدة دون أي صوت أو ضجيج أو صراخ أمام أقدام القط الكسول.

قرر الجل أن يقضي ليلته متيقظاً ومستلقياً على إحدى الأرائك في أحد أركان الصالة بمواجهة القط السمين، تاركاً أحد الأضواء الخافتة مضاء كي يرى ماذا يحدث بالليل بين القط والفئران، إنتبه القط إلى وجود الرجل في المواجهة ونظر إليه ثم أدار عينيه عنه، شعرالرجل بشيئ غريب في نظرة القط الذي يرى عينه لأول مرة بوضوح في الليل وجال في داخل الرجل شعور برجفة بسيطة لا يعرف لها تفسير أو معنى.

مر بعض الوقت بهدوء حتى لمح صاحبنا فأراً يسير على أحد الكرانيش المزينة لسقف الصالة، إستيقط القط من سباته على الفور عند شعوره بحركة الفار، وتوجه برأسه إلى أعلى ناحية الفأر ناظراً إليه بعين ثاقبة وكأن شرر يخرج منها صوب الفأر مباشرة، نظر الرجل للفأر ووجده مرتبكاً يذهب يميناً ويساراً، لا يعرف ماذا يفعل، إستغرب الرجل، الفأر يستطيع الهرب فبينه وبين القط مسافة كبيرة تسمح له بذلك، القط بجلس على سجادة صغيرة بأرضية الصالة مخصصة له والفأر بعيد في سقف الصالة، لكنه لا يستطيع الهرب لمكان أو غرفة اخرى، يدور حول نفسه يميناً ويساراً في حالة من الفزع والهلع لم يعهدها في هذا الكائن الكريه من قبل، بل إن خوف الفأر من القط وصل لدرجة تجعله غير قادر على الصراخ. رعب شل جميع حواسه الغريزية في الهرب والدفاع عن نفسه ولو بالصراخ، أية قوة كامنة في هذا القط الذي تبدو عليه كل ملامح الوداعة والكسل، يصوب نظره إلي الفأر دون فعل أي شئ آخر، فقط ينظر إليه ولا شئ آخر، حتى يسقط الفأر فجأة أمامه تماماً بلا حركة، لا يلتفت القط إلى الفأر الميت، كل ما يفعله هو أن يبدأ في تناول طعامه ويشرب اللبن الذي أمامه وكأن إصطياده الفأر بالنظر إليها هو متعته وهوايته المفضلة، يختبر بها قوته الداخلية التي تخرج على شكل نظرات حادة وصارمة من عينيه تجاه ضحيته التي تتميز بالمكر والخسة والنذالة، وبعد أن يطمئن القط أنه مازال في عنفوان قوته، يتجه إلى إشباع خواء معدته بقليل من اللبن، فكمية اللبن التي تم وضعها أمامه في بداية الليل لم يقترب منها إلا بعد إتمام مهمته، كأنه كان على علم بوصول الفأر وسقوطه أمامه من الرعب، ففضل تناول طعامه بعد إنهاء مهمته ونجاحه في القضاء عليه.

لم يجد صاحبنا تفسيراً لما يحدث سوى الرعب الذي تشعر به الفئران من ذلك الشرر الخارج من عين القط النارية، لقد لمح شيئاً من هذا في عين القط ولم يجد وقتها تفسيراً للشعور الذي إنتابه عندما نظر إليه القط في تلك الليلة. فلا يجد الفار شيئاً يفعله أمام نظرات القط الثاقبة والكاشفة سوى التحرك بلا هدف والتخبط في حركته وكأنه فقد الرؤية والقدرة على التفكير من كثرة الفزع الذي يشعر به، وفي نهاية الأمر يتجمد ويتوقف قلبه من الخوف والرعب عندما شعوره بأنه لاسبيل من الفرار من هذا الشرر الذي يجعله تحت سيطرة القط تماماً فيعلن إستسلامه وخضوعه التام لهذه السيطرة بل والإعجاب بها لحد أنه يفضل أن يسقط أمام أعين ومخالب القط جثة هامدة ومتجمدة وكأنه من فرط الإعجاب به أراد أن لا يكلفه عناء التحرك من مكانه لإلتهامه، إعلاناً لخضوعه التام لسيطرة سيده عليه، بل إنه ذهب في تفسيره إلى أن الفئران تبحث عن مكان القط لتذهب وتموت أمامه طواعية لتتخلص من الرعب الذي يتملكها لمجرد علمها بوجوده في المكان، ورغم ذلك لا يأكل هذا القط العملاق الفأر بعد موته.

هنا تذكر الرجل أن صاحب القط عندما أهداه إليه قال له إن هذا القط عزيز النفس، لا يأكل الميتة أو الجيفة ولا تأخذه نشوة الإنتصار عند هزيمة خصم صغير لا يساوي شيئاً بالنسبة له. ولم يعر صاحبنا في وقتها أي إهتمام لهذه الجملة. وها هو يتهم نفسه بالحماقة في الحكم على الأشياء بالمظاهر الخادعة لا بالجوهر والحقيقة. وود لو سمح له هذا العملاق النائم في سكون أمامه بأن يعطيه الفرصة ليقبل رأسه إعتذاراً وإجلالاً وتقديراً له.

يبدو الحال في مصر الآن أن الشعب المصري يصوب عينيه في غضب وبثقة في نفسه وفي قوته وجبروته تجاه الإخوان المسلمين الذين يتحركون يميناً وشمالاً في تخبط واضح ورعب رغم إدعائهم المزيف بعدم الخوف والتعالي مع إدعائهم المكذوب بالتواضع. وما ينطبق على الفئران ينطبق على الإخوان وغيرهم من التيارات التي تتخذ الدين وسيلة وتتاجر به لأوجه كثيرة ليس بينها وجه الله، ولو إدعوا غير ذلك، أو أي ممن يحذون حذوهم، مهما تغيرت الوجوه والأساليب، دينية أاو غير دينية.

فمهما بلغت براعة الفأر، سيسقط يوماً أمام نظرات القط عندما يحاول الفأر أن يخرج من جحره ويتسلل لسرقة قطعة جبن أو كل قالب الجبن في الظلام.

محمد سعـد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


مواضيع مرتبطة



أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على المصدر



هل لديك تعليق على هذا الموضوع؟ علق عليه الآن

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق