الإخوان وإنعدام الثقة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة

الإخوان وإنعدام الثقة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة

بقلم/
مصر : ۲۱-۱-۲۰۱۳ - ۸:۱۲ ص - نشر

ekhwan-demoإن الثقة السياسية بين المواطن والنظام السياسي تنشأ من خلال ما تحققه الحكومة من آمال وطموحات واحتياجات المواطن، وإنتماء المواطن وولاءه لهذا النظام مرهوناً بتحقيق متطلباته الحياتية، وإذا فشلت الحكومة في ذلك فهي تفقد مصداقيتها وثقتها لدي الشعب. وإستعادة الثقة بين الطرفين تحتاج إلي عهد موثوق من جانب الحكومة وتعامل جاد بينها وبين المواطن لتكون معبرة عن همومه وإحتياجاته.

ومع سقوط الرئيس السابق، الذي فقد الثقة وبالتالي شرعية وجوده، ظهرت حالة من السيولة وإنفجار في التكوينات السياسية وشيوع البراجماتية وصولاً لظاهرة الإنتهازية والتي تفحلت داخل المنظومة السياسية، وشيوع الزبائنية بالنظام السياسي والتي أفرزت ظاهرة تحول المثقف أو المحلل السياسي لزبون دائم لدى القنوات لتروج توجهات معينة، فالزبونية تتفق مع ما قاله سعد زغلول "إن فلان ليس له مبدأ في حياته، ويغير قناعاته وأفكاره كما يغير ملابسه".

كما تنامت ظاهرة الترحال السياسي، ومسألة تغيير الإنتماء الحزبي والتي تزيد من تعميق الهوة بين المواطن والسياسة، وضرب الثقة المفترضة بينه وبين المشاريع السياسية المتنافسة، كما أنها مشكلة ثقافية وأخلاقية مرتبطة بهشاشة قيمة الالتزام الحزبي والسياسي التي تطبع العلاقة القائمة بين بعض الأحزاب والمنخرطين فيها، والتي تعتبر إحدى آليات الزبائنية والريع السياسي، وضرب الإخوان مثالاً على ذلك بدعمهم قانون الإنتخابات الجديد والذي يدعم عدم إسقاط عضوية من غير إنتمائه الحزبي بعد الفوز في الإنتخابات.

كل هذا يُعد من الأسباب الأساسية في فقدان الثقة في المشهد السياسي بعد الثورة، وتظهر مؤشرات إنعدام الثقة أيضا في اتسّاع الفجوة بين النظام السياسي والمعارضة وبين الفواعل السياسية وعدم قبولها بالآخر كشريك أساسي في بناء الدولة، حيث إنكب الإخوان على الإستحواذ على السلطة وتوطيد مواقعهم في الحكم بعد الإنتخابات ولم تع جماعة الإخوان معايير الجدارة السياسية للإنتقال الديمقراطي أو التوسع السياسي والإجتماعي مقتصرة في خطابها السياسي على إكتساب أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، ومع فوز التيار الإسلامي بأغلبية برلمان الثورة لم يقدم جديداً ينعكس بالإيجاب على حياة المواطن.

كما عجز الإخوان المسلمون عن إنتاج خطابٍ مطمْئنٍ لقطاعاتٍ إجتماعية واسعة بشأن تقييد الحريّات وأسلمة الدولة والمجتمع، ويتسبّب خطابهم الشعبويّ عادةً في إستعداء من هم على الحياد، فصنع هذا التيّار لنفسه عبر ممارسات وخطاباتٍ عشوائيّة أعداءً، وأثبت مخاوف كثيرين من عدم إلتزامه الديمقراطية في خطاباته الموجّهة لجمهوره بشكلٍ خاصّ، والتي تختلف عن الخطاب التوافقي الموجّه للعموم، إلى جانب إفتقاده الكفاءات والخبرات الحقيقيّة لإدارة شؤون الدولة، وهو ما إتّضح جليًّا في ممارسات مجلسَي الشعب والشّورى ومؤسّسة الرئاسة.

وعلى مستوى النخبة السياسية، إنعدمت الثقة السياسية نتيجة تصريحات وسلوكيات غير عقلانية لرموز محسوبة على النظام الحالي، مثل إتهام عصام العريان لأحزاب اليسار بالعمالة ودعوته بعودة يهود مصر، وتحريم ياسر برهامي تهنئة الاقباط بأعيادهم الدينية، بالإضافة إلى خطبة الشيخ محمد محروس عن تجهيزه فرقاً أمنية مسلحة لـ"إقامة شرع الله"، ودعوته لمنع نساء المدينة من الصلاة فى المسجد وإغلاقه فى وجههن لأنهن أساس الفتن، وتطرق هشام العشري لأمور غريبة على مجتمعنا وتصريحه بأن هيئة الأمر بالمعروف ستجبر نساء الأقباط على الحجاب، فضلاً عن الكشف عن رسائل طلاب الدعوة السلفية بجامعة الأزهر لعمداء الكلية والتي تشير إلى أن المعابد الأثرية ديار كفار، وأن الديمقراطية والليبرالية والعلمانية كفر، والعمل على إعادة الرق لعلاج الفقر ورسائل تهديدية لقيادات ورموز الأزهر الشريف.

وتظهر مؤشرات إنعدام الثقة السياسية على مستوى الأداء المؤسسي في تنامي حالة السّخط الشعبيّ على الرئيس عند إدراك عجزه عن تقديم حلول عمليّة للمشاكل الملحّة للمصريّين في مجالات الإسكان والصحّة والتعليم والعمل، وتكرار الحوادث الكارثية حيث شهدت السكك الحديدية وقوع ٩ حوادث أسفرت عن وفاة ١٢٣ شخصاً وإصابة أكثر من ٢٠٠ آخرين، وذلك منذ أن تولى محمد مرسي رئيس الجمهورية مسئولية شئون البلاد.

كما أتضحت معالم دوائر الشك السياسي في اشتداد الصدام العلني بين التيارين الإسلامي والعلماني والتي ظهرت في أكثر من مناسبة، وذلك نتيجة بدأ التيار الإسلامي في ممارسة الإنسداد السياسي في مواجهة التيار العلماني. كما يتبنى الإخوان أفكاراً تتضاد مع الفكر المدني لأسباب إجتماعية أو شرعية، كرفض القبول بالديمقراطية والمجتمع المدني، كما أن أغلب الجماعات السياسية الإسلامية تنخرط في ممارسات غير مشروعة نظرياً، وبعد الممارسة يأتي التشريع والتنظير لتبرير هذه الأفعال، فعلى سبيل المثال إنخرطت جماعة الإخوان في تحالفات حزبية وإنتخابية منذ الثمانينيات، قبل أن تحسم موقفها الرافض سابقاً لوجود أحزاب، ثم بعد عشر سنوات أصدرت الجماعة وثيقة تؤكد قبولها بالعمل الحزبي، فهي دائماً تُقدم على ممارسات سياسية سابقة دون أن تبرهن شرعياً على جوازها، مثل شرعية التحالف مع أحزاب علمانية وشرعية القبول بنتائج الإنتخابات في حالة فوز الأحزاب العلمانية بالأغلبية البرلمانية أو بالرئاسة.

كذلك الصدام بين المؤسسة الدينيّة الرسمية في البلاد، الأزهر الشريف، والمؤسسات الصوفيّة من جانب ودعاة ومسؤولي الإسلام السياسيّ في الجانب الآخر، مما نتج عنه من فوضى الإفتاء والاستقطاب السياسيّ والدينيّ في البلاد. فضلاً عن الصّدام بين الرئيس والسلطة القضائية.

وقد عكس الأداء السياسيّ للرئيس مرسي منذ تولّيه السلطة سلوكٍ سياسيّ مرتبطٍ بفكرة إعتماد ما يراه حزبُ الأغلبيّة من إجراءاتٍ سياسيّة ملائمة، وليس ما تفرضه قيادة البلاد للمرحلة الانتقاليّة من اعتماد أسلوب التوافقات بين القوى السياسيّة على الإجراءات السياسيّة، فتخبطت المواقف الرئاسية ما بين إصدار القرارات والرجوع فيها مما عزز الشكّ في نوايا الإخوان المسلمين.

كل هذا أدى إلى إنكسار الثقة بين أطراف المنظومة السياسية في مصر، ويرجع ذلك إلى معضلة التيارات الإسلامية في عدم توفر الخبرة السياسية اللازمة في أمور الحكم، حيث قفزت هذه التيارات بصورة مفاجئة من المعارضة والإعتقال إلى مقاعد البرلمان وسدة السلطة السياسية، كما أنها تعاني من عدم القدرة على تقديم خطاب توافقي يضعها في قلب العملية السياسية الديمقراطية، وإستمرار ذلك سيؤدي إلى فقدان شرعية النظام القائم وبالتالي البحث عن عقد اجتماعي جديد مع نخب جديدة.

وفاء داودمصر

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

Copyright © 2013 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق