ذو القرنين والذين لا يكادون يفقهون قولا

ذو القرنين والذين لا يكادون يفقهون قولا

أ.د. محمد نبيل جامع
مصر : ۳-۱۲-۲۰۱۲ - ٦:٤۳ م - نشر

"أعينوني بقوة" قالها الرئيس مرسي متخذا دور ذي القرنين، قالها وهو يعلن الاستفتاء على الدستور يوم ١ ديسمبر، بعد أن تسلم الدستور من يد الغرياني دون أن يعطي نفسه فرصة للاطلاع على هذا الدستور ليقرر ما إذا كان يستحق قراره التاريخي أم لا. فزورة العجلة و"السربعة" هذه، يا ليت من أحد يفسرها لنا بغير مبررات البغبغة التي تقول الفراغ المؤسسي والفوضى والانطلاق للعمل والاستقرار والتي كلها لا يقبلها عقل لأنها حق يراد به باطل.

إذا كان الرئيس هو ذا القرنين، من هم الذين لا يكادون يفقهون قولا، أولئك الذين يطلب العون منهم؟ هل هم الجالسون أمامه ويتوسطهم الجنزوري في قاعة المؤتمرات؟ أم هل هم المنخدعون بخطة المتأسلمين السياسيين لأخونة الدولة وترسيخ دعائم حكم المرشد؟ أم هل هم الذين يودون أن يرجعونا إلى عصر الجاهلية، عصر الحريم وعبادة الأوثان البشرية، وعصر الملذات والشهوات الدنيئة…..؟

للمرة الأولى أشعر أن مبارك هو الذي كان يخطب أول من أمس وليس الدكتور مرسي. للمرة الأولى يقرأ خطابه من ورقة مكتوبة معدة مسبقاً، ونادراً ما يعلق على ما يقرأ، وإن كانت تعليقاته لا تعلو لحرفية تعليقات مبارك. وبالرغم من حمله للدكتوراه، فكان مبارك يتميز عنه كثيراً وهو يقرأ، فلا تشعر بتلعثم أو خطأ نحوي كما كان يقع فيه الرئيس مرسي. الحضور تصرفوا تماماً كالحضور التابعين لمبارك، يقفون ويصفقون لكل جملة ويشعرون بالعلو والانتفاخ وهم في حضرة القاعة الفخمة وجوار الرئيس الأعظم.

كل ما يحزنني ويدهشني هو كيف تقتنع قامات كبرى وعلماء وأساتذة جامعة كالدكتور محمد محسوب الذي كان منتشياً سعيداً في مجلس إعلان الاستفتاء على الدستور بعد أن كان يبدو لنا ثورياً من الطراز الأصلي؟ يا ليت العلماء وعلماء النفس والفلاسفة يفسرون لنا ما تحدثه السلطة والشهرة والإطراء وثقة السلاطين في العقل والنفس البشرية حتى يتغاضى الفرد عن القيم العليا والمعايير الأخلاقية ربما مقنعاً نفسه بأنه على حق.

أرجو من أساتذة الجامعة ألا يقبلوا كونهم بدلاء للقضاة للإشراف على الاستفتاء لو طلب منهم ذلك، إذ أن ذلك يعتبر خيانة لقيمة القضاء ووجوده برغم من أوجه قصوره، كما أن قبولهم سيكون بمثابة التشبه بالسباع التي تأكل فضلات الأسود، وهذا ما لا يليق بمن يعلمون القضاة سواء درجاتهم الجامعية أو العالية. أنا شخصياً لو دفعت لي أموال قارون فلن أقبل مثل هذه المهمة فيما لو عرضت علينا كما أشيع على لسان بعض المسئولين.

يا رموز مصر العظام سياسيين كنتم أو إعلاميين أو أدباء، أو مصريين رجالاً ونساءً مستنيرين، ويا شباب مصر العصري المتفتح، دعنا جميعاً لا نحزن أو ننكسر لما يحدث حولنا من فتنة وانشقاق وقهر يفرضه علينا أقوام لا يستحقون أن يتحكموا فينا، وما أتوا إلا بسبب خيانات ومؤامرات متتالية مكشوفة سواء من المجلس العسكري، أو طغاة حكوميين، أو لصوص طفيليين مليارديريين، أو جماعات الإسلام السياسي وما يدعمهم من حاقدين خارجيين كارهين، فالفجر حين يبزغ، والنور حين يسطع لا ينقضيان بفعل غمامة أو عاصفة سرعان ما ستمر إن شاء الله.

وفي النهاية أود أتركك قارئي العزيز بهذا الخاطر: هل تعرف الفرق بين كلمتي المسلم والإسلامي؟ في رأيي المتواضع المسلم "إسم"، أما كلمة "الإسلامي" فهي صفة، وبمعنى آخر يمكن أن يكون هناك شخص غير معتنق لدين الإسلام رسمياً ولكنه إسلامي، بمعنى أنه يتخلق بصفات الدين الإسلامي، في الوقت الذي يمكن فيه أن يكون هناك آخر مسلم رسمياً ولكنه غير إسلامي، بمعنى أنه لا يتخلق بصفات الدين الإسلامي. وأترك المجال لسيادتك لتضرب لنفسك الأمثال.

هذا الكلام يلغي ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، والذي يقصد به عند مدعيه "السياسة الإسلامية"، وهي السياسة وحكم الدول التي تتخذ من قيم الإسلام أساساً للحكم، كالعدالة والمساواة والحرية والإخاء والعطاء لوجه الله والاستخلاف والتوازن بين مطالب الدنيا والآخرة (الجسد والروح) والكرامة الإنسانية… إلخ.

هذا الكلام أيضا يتناسق مع يسمى بالاقتصاد الإسلامي (فهو الاقتصاد الذي يتخذ من القيم والمعايير الإسلامية أساساً للاختيار الإنساني لتحقيق مطالب الغذاء والكساء والدواء والماء والإيواء بأقل التكلفة الممكنة). كما يتناسق هذا الكلام أيضاً مع علم الاجتماع الإسلامي. وهذا كله يرجعنا إلى أكذوبة "الإسلام السياسي" والتي توحي، بل تؤكد لغوياً، بأن هناك إسلاماً غير سياسي، ومن ثم فربما يكون هناك أيضاً أنواع أخرى من الإسلام يدركها هؤلاء الملتحفين بالدين لتحقيق مآربهم السياسية الأنانية وهم يقسمون الإسلام إلى أنواع.

الخلاصة: أعتذر عن "شوربة الخضار" التي يمثلها هذا المقال المرتبك، والذي ربما يكون انعكاساً لحالتنا المرتبكة الحالية، كما وقد يكون أول علامات التدهور العقلي التي يحدثها الآن حكم الإخوان. سأقول "لا" لدستور بني على باطل، ولن نرضخ للأمر الواقع. فمصر قد أنهت طريقاً طويلاً ظالماً قاهراً مفقراً بفعل ثورتها المباركة، التي يتمسح فيها غير الثوريين على الإطلاق، ثم هي الآن تخط طريقاً لا يمكن أن يكون تكراراً للطريق السابق ولكن بممثلين أكثر خشونة وغلظة وقسوة. مصر يجب أن تبدأ نقطة انطلاقها نحو توجه مصري وطني صحيح سليم آمن، أي على طريق السلامة لا طريق الندامة، أطال الله في عمر الفنانة العظيمة سميحة أيوب ورحم المبدع العظيم سعد الدين وهبة.

أ.د. محمد نبيل جامعمصر

أستاذ علم إجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق