صناعة البهجة وصناع النكد

كنت أود ان أكتب وأعلق فى شهر فبراير من هذا العام على أهم حدث رياضى بالولايات المتحدة الأمريكية يقام كل عام وهو مباراة نهائى كرة القدم الأمريكية أو مايطلق عليها (Super Bowl)، بسبب حالة البهجة والإثارة التى تحيط بها، فقد حقق عدد المشاهدين عبر شاشات التليفزيون لهذه المباراة هذا العام رقم قياسى يزيد عن 111.2 مليون مشاهد داخل امريكا.

لم أكن مشاركاً فى البهجة، وكيف وكل الأخبار القادمة من مصر تبعث على الحزن؟ وكأنما أصبحنا متخصين فى صناعة المآسى والنكد، وكان آخرها فى ذلك الوقت مأساة أستاد بورسعيد التى تزامنت مع أحداث هذه المباراة. كنت متفرجاً ومتأملاً لهذه الحالة التى تجعل مبارة رياضية بين فريقين كلاهما على شمال الساحل الشرقى للولايات المتحدة الأمريكية الواقع على المحيط الأطلنطى، وهما فريق نيويورك جاينت (New York Giant) من مدينة نيويورك بولاية نيويورك وفريق نيو إنجلند باتريوت (New England Patriots) من مدينة بوسطن بولاية ماسوشيتس.

والمباراة اقيمت بمدينة إنديانابولس بولاية إنديانا وتقع فى شمال الوسط تقريبا ناحية الجزء الشرقى للولايات المتحدة، مباراة تجعل بلد فى حجم أمريكا منشغلة بها من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها مرورا بالوسط، هناك حالة من البهجة والترقب حالة تعرف بأجواء الـ(Super Bowl) من إنتظار المباراة وتوقع نتيجتها والمراهنات على الفريق الفائز وتحليل لخطط اللعب.

أجواء تجدها فى وسائل الإعلام وفى الشوارع وأحاديث المقاهى والكافتريات ووسائل المواصلات. يوم اقامة المباراة يعتبر من أكثر الأيام التى ينفق فيها الأمريكان على الطعام والشراب وتعتبر البيتزا وأجنحة الدجاج من أكثر الأطعمة تفضيلاً فى هذا اليوم وبيعاً فى مطاعم الوجبات السريعة، وهو يوم يلتئم فيه شمل الأسرة و يلتقى الأصدقاء ويتم إعداد وجبات ومشروبات خاصة لهذا اليوم فهو يوم يشبه إحتفالات الأعياد كعيد الشكر أو إحتفالات رأس السنة، وتكون حركة الشوارع والمواصلات وقت أقامة المباراة من أكثر الأوقات هدؤا على مدار السنة.

تتفاوت قيمة اسعار التذاكر لمشاهدة المبارة فمتوسط أسعار التذاكر حوالى 4000$ للتذكرة مابين سعر اقل تذكرة وهو حوالى 2000 دولار إلى أن يصل سعرها لما يزيد عن الأربعة عشر ألف (14 ألف دولار)، وتوجد إستثناءات فى الأسعار فهناك تذاكر أسعارها غالية جدا تصل لمدى الستة أرقام للمقاعد التى يطلق عليها (VIP)، ولايتوقف إرتفاع وجنون الأسعار عند أسعار التذاكر فقط، فقيمة المدة الزمنية لعرض إعلان تليفزيونى قدره 30 ثانية أثناء عرض المباراة تبلغ (3,5 مليون دولار) دون تكلفة إنتاج الإعلان نفسه، ولعل الإعلان الأشهر هذا العام ومدته دقيقتان كاملتان، هو للنجم السينمائى كلينت إيستوود وغير معروف على وجه الدقة التكلفة الحقيقية له، وفيه يدعو النجم المواطنين الأمريكيين لشراء ودعم صناعة السيارات الأمريكية المنتجة بمدينة ديترويت.

والطريف فى الأمر هو أن قيادات من الحزب الجمهورى قد هاجمت الأعلان وأعتبرته دعاية للرئيس الأمريكى أوباما بصفته صاحب خطة إنقاذ شركات صناعة السيارات الأمريكية فى مدينة ديترويت بولاية ميتشجان وعدم تركها لإشهار إفلاسها نتيجة للأزمة الأقتصادية التى عصفت بأمريكا والعالم، والطريف أيضاً إن كلينت ايستوود لم ينتخب الرئيس الديمقراطى أوباما لأن إيستوود ينتمى للحزب الجمهورى!

وبمناسبة النجوم كانت المغنية مادونا هى نجمة الإستعراض فى الإستراحة وكان إستعراضاً مبهراً، حيث تقسم المباراة على أربعة أشواط مدة كل شوط خمسة عشرة دقيقة وتوجد استراحة بعد نهاية أول شوطين.

تتنافس المدن الأمريكية على الفوز بإقامة هذه المباراة على أراضيها وتتم عملية تصويت على المدن المتقدمة لإستضافة المبارة بها كما يحدث فى إختيار المدن المتقدمة لإستضافة الأولمبياد، ويتم اختيار المدينة قبل موعد المبارة باربعة سنوات حتى يكون هناك وقت كافى للإستعداد فمدينة إنديانابولس فازت بحق الإستضافة فى عام 2008، والمدينة الفائزة تعمها الفرحة بسبب ماستجلبه لها هذه المباراة من رواج وإنتعاش اقتصادى وسياحى وفرصة أن تروج المدينة وتعرض نفسها كمدينة جاذبة للإستثمارات والأنشطة المختلفة.

وقبل المبارة يعتبر من المستحيلات ان تجد غرفة بفندق، ناهيك عن أن أسعار الفنادق تتضاعف أضعاف مضعفة إضافة لأسعار تذاكر الطيران وجميع خطوط المواصلات من وإلى المدينة، وتمتلئ المطاعم والكافتيريات بالرواد ولا ينام سائقى التاكسى وينتشر الباعة بالتشيرتات والملابس والألعاب التى تحمل أسماء الفرق المشاركة فى المباراة. وكمثال على إرتفاع الأسعار، تتعدى قيمة إنتظار السيارة فى ساحة الإنتظار فى يوم المباراة خمسمائة (500) دولار لليوم بينما التكلفة فى اليوم العادى (60) دولار.

دفعنى عشق وحب الناس هنا لكرة القدم الأمريكية وهى الرياضة ذات الشعبية الأولى بأمريكا أن أحاول معرفة كيف تلعب وما هى قوانينها؟ فهى كانت فى رأيى لعبة بين ضخام الأجساد ومفتولى العضلات يتعاركون من أجل الحصول على الكرة وقذفها بعيداً، إلا أننى اكتشفت بعد معرفة العديد من قوانينها وطريقة اللعب بأنها لعبة مثيرة فعلاً وهى تمثل حسب ما علمت ورأيت فكرة الحرب والصراع من التحام ومناورة ومحاولة كسب مساحات فى ارض الخصم.

بإختصار مبسط، الفريق الذى لا يمتلك الكرة يحاول مهاجمة مركز القيادة والتحكم فى الفريق الآخر الذى يحوز الكرة والمتمثل فى اللاعب الأهم والوحيد الذى من حقه قذف الكرة بيده للأمام والمسمى (Quarterback) لمنعه من تمرير الكرة لزميل له يكسب بها عدة ياردات فى أرض الخصم أو أن يسجل منها هدف أو مايطلق عليه (Touchdown)، والفريق الذى بحوزته الكرة يحرص على حماية لاعبه الأهم ويقوم بمناورات لمساعدته على تمرير الكرة للأمام.

واللاعب الذى يتلقى تمريرة الكرة لايجب أن تسقط من يده أو تلمس أرض الملعب، و يحاول زملاءه إفساح الطريق له للجرى نحو منطقة تسجيل الهدف فى نهاية الملعب والفريق الآخر يحاول توقيفه أو منع الكرة من أن تصل إليه، وهناك بالطبع قوانين عديدة وأشياء اخرى فى اللعبة، يلاحظ أيضا أن جزء من ضخامة أجسام اللاعبين يرجع إلى الملايس الواقية ومضادات الصدمات التى يرتدونها حول أجسادهم، مما يجعل معدل توقف المباراة للأصابة مثله مثل اى لعبة جماعية اخرى وأحياناً اقل.

برغم قوة المنافسة والحماس وتعصب جماهير كل ولاية أو مدينة لفريقها إلا أنه دائماً وقبل بداية كل مباراة صغيرة كانت أو كبيرة يتم عزف وغناء النشيد الوطنى ويقف الجميع أحتراماً له ليتذكروا أنهم برغم إختلاف إنتمائتهم فهم يعيشون تحت سماء وطن واحد ينتمون جميعا له، يقف الجميع للسلام الوطنى ولا يحدث كما حدث فى مصر بأن يقول أحد المنوط لهم إعداد الدستور إن الوقوف للسلام حرية شخصية ولا يعترض او يستنكر أحد سواء كان من الرئاسة أو من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو الذى سلم البلاد تسليم مفتاح للإخوان المسلمين والتيارات المتطرفة وظن أنه يحسن صنعاً. ومن أسف فإن عدم الوقوف للسلام الوطنى يتم فى حضور رئيس اللجنة ورئيس محكمة النقض الذى لن يسمح لأحد بأن يكون جالساً عند دخوله قاعة المحكمة، لكنه سمح بذلك مع السلام الجمهورى!

عودة إلى (Super Bowl) ترى متى تتنافس مدن الصعيد مع مدن الوجه البحرى والقناة والساحل الشمالى بإمتداده من ناحية الشرق والغرب مع القاهرة على إستضافة نهائى كأس مصر وتعيش مصر كلها أجواء كأس مصر؟ ليس مهماً كم سيكون سعر التذكرة وقيمة الإعلان التليفزيونى أو من هو نجم الإستعراض، المهم ان تعيش مصر أجواء البهجة ولو من خلال مباراة بعد ان يتم إستعادة البهجة من سارقى الفرح.. والحديث مستمر..

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *