ما بين السطور:  المرحلة الأولى من الإنتخابات المصرية

بقلم/
مصر : ۲٦-۵-۲۰۱۲ - ۵:۵۹ ص - نشر

دهشة وحيرة وإحباط أصابت كل من ساند الثورة في مصر، سواء من داخل مصر أو خارجها. مواقع التواصل الإجتماعي كادت تئن من وطأة عمليات جلد الذات لمن أصابتهم صعقة تقدم مرشح "الفلول" أحمد شفيق. ووصول السباق في النهاية بين مرشح الإخوان المسلمين وعسكري من أتباع النظام السابق، وضعت كثيرين مممن لا يؤيدون الطرفين في موقف لا يحسدون عليه.

فمنهم من إكتفى بـ"الندب" على هذا الوضع، ومنهم من سب الطرفين ومنهم من بدأ يفكر في خياره المقبل، واصفاً إياه بأمرين أحلاهما مر.

لنتجاوز مرحلة الصدمة ونفكك المشهد بطريقة توضح ما الذي حدث. أولاً لنلعب لعبة الارقام، يا سادة الثورة إنتصرت بالأرقام، فمن أيدوا الثورة بلغ عدد اصواتهم نحو ١٧,٢ مليون وهم الذين أيدوا مرشحي للثورة، فيما حصل مرشحو الفلول على ٥,٥ مليون صوت.

بلغة المدققين والمحاسبين يبلغ مؤيدو الثورة ٧٥ في المئة تقريباً من عدد الأصوات. وبالتالي لا داعي للذعر والإرتباك. فما حصل غير ذلك. لنرَ سويا.. بكل بساطة، كانت هناك ثلاثة عوامل رئيسة أوصلت المشهد لما هو عليه الآن. وسنفكك هذه العوامل لنرى ماذا حدث وكيف؟

أولاً: إعلام مضلل

الإعلام الرسمي وشبه الرسمي والإعلام الخاص كان كل يغرد على هواه، لا أصول أو منهجيات علمية دقيقة في توصيف المشهد الإنتخابي ومكامن قوة وضعف كل من المرشحين، بل أهواء وإنتماءات مبطنة وظاهرة، أفقدت تلك الوسائل حياديتها وبالتالي قدرتها على التوصيف المنطقي. فقد عمدت وسائل الإعلام المصرية على إختلافها، مطبوعة كانت أم إلكترونية أم مرئية، على إجراء إستطلاعات رأي، ثبت بالدليل القاطع أنها ربما كانت تجري في إقليم دارفور بالسودان. أو كانت الجهة الاعلامية توزع إستطلاعات على موظفيها وتضرب الأرقام في ١٠٠٠ وتظهر النتائج على أنها "اللي هي".

وأبسط الأمثلة هي المناظرة التلفزيونية البائسة بين المرشحين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح. هل من أحد تساءل بناء على ماذا أختير هذان المرشحان دوناً عن غيرهما؟ ما هي آلية تحديد المرشحين لإجراء مناظرة؟ لماذا إثنان وليس ثلاثة أو أربعة أو أكثر؟ ما النتيجة التي كان يراد لها أن تظهر؟ لماذا لم تتكرر مع مرشحين آخرين؟ الجواب واحد: وسائل إعلام مثيرة للشفقة، سطحية وباهتة ولا تمت للعقلية العلمية بصلة في ما يخص البناء الإستراتيجي للوسيلة الإعلامية وتحديد مقاصدها وأدواتها على أساس مدروس ومخطط، لا نظام "خبطات إعلامية".

وقس على ذلك باقي وسائل الإعلام التي تدور جميعاً في ذات الإطار البائس للاعلام الباهت القائم على مبادرات شخصية إرتجالية تهدف في أقصى حد لها الى أن تكون مادة للحديث بين الناس، لا أكثر ولا أقل.

والنتيجة أن خدع الراي العام، وتمادى في اللعبة ذاتها الإعلام الغربي الذي كان يراقب عن بعد توجهات الرأي العام المصري وإنخدع كالمعتاد بتصريحات "خبير" من هنا و"مختص" من هناك وناشط لا يجيد أكثر من لعبة "توتير" أو العبث بمحتويات "فيسبوك".

الفزاعة كانت السلفيين ومن ثم الإخوان، كما هي الإسطوانة المشروخة ذاتها. وكانت المحصلة أن الرأي العام المصري وتوجهات الإعلام الغربي المتابع للشأن المصري قد وصلت إلى أن المعركة الفاصلة ستكون بين أبو الفتوح وموسى. نعم نجح الإعلام البائس ومواقع التواصل الإجتماعي في خداع الرأي العام المصري والعربي.

وكان التركيز على الإسلاميين وكيف يتنافس ٣ إسلاميين، ما سيفتت أصواتهم بعد تحييد السلفيين، ومن هذه السيمفونيات الساذجة. لم ينتبه أحد إطلاقاً أن الصوت الليبرالي كان أيضاً مقسماً ولم يكن حمدين صباحي اللاعب الوحيد، لكن خلط الأماني بالرغبات شكل رؤية باهتة للواقع. وكان الليبراليون ومن قبل الفلول، يبتسمون في صمت فرحاً بتفتت الصوت الإسلامي وبالتالي خروجهم من حلبة المنافسة. وكانت النتيجة غير ذلك كلياً.

ثانياً: ليبراليون مقسمون – فلول موحدون

ما كان خافياً على الرأي العام المصري والمثقفين وأنصار الثورة هو أن الصوت الليبرالي مقسم بين حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، الذي كان القاسم المشترك بين الإسلاميين والليبراليين، وعمرو موسى. ونتائج المرحلة الأولى دالة دلالة واضحة على ذلك.

فنقطة القوة التي إرتكز عليها أحمد شفيق ليست تلك الملايين المؤيدة لنظام مبارك، ولكن لعبة "فرق تسد" التي يعرفها شفيق كرجل عسكري بكل بساطة. فبقي واقفاً هناك في الظل يراقب المشهد.. إسلاميون يتوزعون وليبراليون منقسمون في مقابل فلول موحدون خلفه.

مرة أخرى بدأ الإعلام المصري الباهت والفوضوي في خلط الحابل بالنابل، وفتح خطوط "ندب الحظ" و"اللطم" وتهويل المشهد وكأن الشعب المصري يريد عودة نظام مبارك. كل ذلك مشحوناً بالطبيعة العاطفية للشعب المصري التي جرفه بها حتى أشقاءهم العرب المتابعين بإهتمام شديد لما يدور على جانبي النيل.

الأمر كان واضحاً، لكن لعبة الإعلام لعبت على تضخيم النملة وتجاهل الفيل. شفيق وماكينة الفلول كانت تعمل بصوت خافت في ما إنشغل الإسلاميون والليبراليون في إنهاك قواهم. حتى قواعدهم باتت تتشابك قبل أن يبدأ "المولد". والكل بدا معتزاً بنفسه وبقدراته ويبتسم بحذاقة لوسائل الإعلام وكأنه سيفجر المفاجأة الكبرى وحده. وصاحب المفاجأة كان يبتسم فعلاً فيما الآخرون منخدعون بظواهر الأمور.

ثالثاً: سذاجة سياسية

أحمد شفيق من مدرسة عسكرية مخضرمة، لا شك في ذلك وأدار هو ومن "خلفه" اللعبة من منظور عسكري. في المقابل باقي اللاعبين ما يزالون يخطون خطواتهم الأولى في تجربة جديدة بالكامل بالنسبة اليهم، كلهم ذو مسعى صادق، لا نشكك في النوايا، لكن الأمور أخذت ببساطة ليس هذا موقعها. حتى غالب قواعدهم الإنتخابية، وليسامحوني في هذا الوصف القاسي، ساذجة وإنفعالية وإنجرت إلى مربع التهويل والتخويف الذي قصد أن تنحصر فيه فتتفرق قلوبهم وأصواتهم.

ولم ينتبه كل هؤلاء إلى قواعد الإشتباك السياسي واللعب على وتر تقاطع المصالح. فمصر أكبر من يديرها مرسي أو صباحي أو أبو الفتوح أو موسى. مصر ينبغي أن تدار بقواعد مختلفة عن السابق. فالثقافة التي رسخها النظام في مصر منذ ثورة ٥٢ هي أن البلد يديرها شخص.

وهو ما إنخدع فيه الرأي العام الشبابي تحديداً وبدأ ينظر إلى مرسي في القصر الجمهوري يأمر وينهي وبدأ يتصور فرمانات إطلاق اللحى وفرض النقاب، وهذه الخزعبلات التي إقتنع بها كثيرون، أو تصوروا أن الإصلاحي أبو الفتوح سـ"ينتع" مصر على كتفيه كالرجل الأخضر ويخرج بها إلى بر الأمان. أو إعتقدوا أن حمدين صباحي شخصية لائقة لمقابلة وزيرة الخارجية الأميركية أو رئيسة الإتحاد الأوروبي "مش تئولي مرسي اللي يمكن ما يرضاش يبمد ايده يسلم عليها". هذا ما إنشغل الرأي العام المصري فيه ومن خلفهم القواعد الإنتخابية لمرشحي الثورة.

وهنا نخلص سريعاً إلى خلاصات مهمة وحدها ستكفل نصراً ساحقاً للثورة بعد ثلاثة أسابيع من اليوم:

١- الثورة لا تزال لاعباً رئيساً وقوياً لم يضعف أبداً، لكن أطرافها غير موحدين، وهو ما يتطلب من الجميع النزول قليلاً من فوق الشجرة ومد الأيدي والتصافح والإلتقاء على قاعدة "ماحدش يقدر على مصر وحده". ما يعني تشكيل جسم إنتخابي يلتقي لا على أساس الأيديولوجيات التي لن تلتقي ابداً ولا يفترض بها أن تلتقي أساساً، لكن على قاعدة المصلحة العامة تتطلب ذلك. وأقولها من الآن على الإخوان تحديداً النزول من أعلى الشجرة وفتح الطريق أمام جميع قوى الثورة لتكون شريكاً بحق في التخطيط وإتخاذ القرارات ذات المصير المشترك من دون تفرد أو غرور بكثرة الأتباع والمؤيدين الذين ثبت اليوم أنهم قد يكونوا "عدداً في اللمون" إن لم يجتمعوا.

٢- إذا حدثت هذه الخطوة وإلتقى الفرقاء على المصلحة العامة ونجحت الثورة في الوصول الى معقل رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس وزرائه من جميع تشكيلات الثورة، فسيمحى وجود الفلول للأبد ولن تقوم لهم قائمة وستكون هذه الضربة هي التي تقصم ظهر نظام مبارك بالمعنى الحقيقي وتؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الشعب المصري والأمة العربية.

٣- ما يحتاج إلى ثورة حقيقية بعد معركة الرئاسة هو الاعلام وأقولها جاداً، إن لم تتغير منهجية الإعلام وثقافته جذرياً فهو قادر على تدمير مكتسبات الثورة وإبقاء البلاد في آتون العبثية والسذاجة والتخبط، التي من شأنها أن تجعل الثورة جحيماً يطالب الناس في الشوارع بإلغائها والتخلص من تبعاتها.

كلمة أخيرة… ليس عيباً على الإطلاق أن تتعثر الثورة في بلد كان النظام اللاعب السياسي الأوحد فيها على مدار ٦٠ عاماً، لكن العيب أن لا تؤخذ الدروس في الوقت المناسب، والتوقيت مهم من دون شك، فلا ينبغي الإنتظار أعواماً أخرى أو ربما آلافاً جدداً من الشهداء لنقول "الآن تعلمنا الدرس".

خليل الأغا بريطانيا

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


Warning: Use of undefined constant similar_posts - assumed 'similar_posts' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/themes/redcarpet_pro1/single_news.php on line 187

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك