هل هي معجزة؟

هل هي معجزة؟

بقلم/
فاتن حافظ
مصر : ۱-۱-۲۰۱۲ - ۱۲:۱۲ م - نشر

بعيداً عن التخبطات المخيفه والإضطراب والصراعات التي إجتاحت فترة ما بعد الثورة في أوطاننا العربية، وددت أن أنظر نظرة شاملة وأعيد تقيم هذا الحدث الجلل الذي إنطفاء بريقه وزالت زهوته نتيجة الفوضى والقمع الذي عم الساحات العربية وكأن كل مانراه هو إنحراف للثورة ورعونه للحكومات الإنتقالية، فوجدت أنها فترة تاريخية قلما تتكرر، فترة تحول مذهل وبلا منازع فترة إعجاز.

وبحثت في المعاجم اللغوية ومواقع الإنترنت وقواميس الترجمة عن المعنى الحرفي لكلمة "معجزة" ووجدت أن أدق معنى لها هو أنها عمل خارق للطبيعة فوق قدرات البشر تتدخل فيه فقط القدرات الإلهية وأنها إرتبطت بوقت زمني معين يختص بعصر الأنبياء. وقد يميل البعض للإستخدام اللغوي لها كوجه من أوجه المبالغة، بالذات في الإشارة إلى عظمة العمل أو الموهبة أو الإنجاز ولكن عصر المعجزات قد إنتهى وزخم التقدم العلمي والتكنولوجي بلد حس الإنبهار عند البشر وجعل إستقبالهم لكل إختراع، أو إنجاز جديد، إستقبال فاتر وكأنه تطور طبيعي متوقع.

ولكن كيف نصنف ما حدث في العالم العربي، هل هو عمل خارق من فعل الله عز وجل؟ أم هو عمل إعجازي من فعل بشر مجاهد مناضل؟ أم هو عمل إعجازي خارق تجلت فيه قدرة البشر ببركة وتأييد من الله عز وجل؟ فبكل المقايس، إختلال الموازين وانقلاب الحكومات رأساً على عقب، والإطاحة برؤساء عتاة، هو حدث جلل وقدر صاعق ولكن لا نستطيع أن نصنفه من المعجزات، فالرؤساء الذين إنقلبت شعوبهم عليهم لم يكونوا أبرهة وجنوده الذىن أرسل الله عليهم طيراً أبابيل، رغم أن الغرور والعجرفه تتساوى، والشعوب التي سئمت الظلم ليست كقوم موسى الذي مكن الله له شق البحر حتى ينقذهم، بالرغم من أن القهر والظلم يتساوى، فلم يرسل الله معجزة للتخلص من الطغاة أو لإنقاذ الشعوب، فما حدث هو أمر طبيعي ونتيجة حتمية لأنظمة إستبدت وتوحشت في إستخدام القهر والعنف حتى إستفحل أمامها غضب ورفض وكره الشعوب وكانت الثوره والتمرد أمر محتم الحدوث.

هذا الوقت القياسي الذي سقطت فيه الحكومات الغاشمة، واحدة بعد أخرى، من أبعاد المعجزة فكم كانت هشة وضعيفة وكم كانت سريعة الزوال، زلزل الله الأرض تحت أقدامهم فانهارت أنظمتهم كالهشيم، ولكن غشي جبروتهم وإستبدادهم أبصارنا وأفقدنا الثقة في أن لصوتنا هدير ولصراخنا زئير، وأفقدنا اليقين بأنه اذا قامت فئة قليلة تطالب بحقوق الشعب، حتماً ستسحقها قوى الطغيان، أما إذا نهض الشعب بأكمله يطالب بحقوقه، حتماً سيسحق هو قوى الطغيان.

ولكنني أتساءل: لماذا إنتظرنا كل هذا الوقت؟ نصف قرن ليس بالوقت الهين أو القصير، جيل كامل بلغ من العمر الآن خمسين عاماً، تراه نحيلاً ذليلاً يأساً، أنهك الفقر جسده وأذل الطغيان كبرياءه. لماذا انتظرنا كل هذا الوقت؟ هل لأننا شعوب لم تنضج نضجاً سياسياً كافياً، فقبل خمسين عاماً كنا قد خرجنا من نظام طاغي مستبد ووجدنا أنفسنا في ظل نظام أخر أكثر إستبداداً وطغياناً؟ هل لأننا فقدنا الوسيلة والحيلة بعد أن زج بنا الطغاه في غياهب الجهل والتخلف؟ أم لأننا ضحية قوى سياسية خارجية تتآمر على نهضة ورخاء شعوبنا العريقة حتى تتمتع هى بالسيادة والسلطة، فلايقف أمامها عدو يهدد أمنها ويعوق مخططاتها؟ أم هي كل هذه الأسباب مجتمعة؟ أظن أن الإجابة واضحة.

هناك سحر وإنبهار حول ثورات الربيع العربي، يقف العالم أمامها مشدوهاً مذهولاً، يرقب عن كثب فاعليتها ومجريات الأمور فيها وكأنه ينتظر أن يتبع حركة التغير في هذه الكتلة الصغيرة من العالم سونامي تغيير أكبر يجتاح الكتلة العظمى من باقي العال،م ونحن لسنا الشعوب الوحيدة التي تصبوا للديمقراطية والعدل ولسنا الأفراد الوحيدين الذين نهفوا للرخاء والمساواة.

لا بد أن يسجل التاريخ هذه الحقبة الرائعة من تاريخ الأمة العربي ويدونها المؤرخون كنقطة تحول وفاصل فارق في حياه الشعوب وتدرجها وزارات التعليم في مناهج التاريخ بكل مراحل التعليم، ولا بد أن يسجل التاريخ أن القمع والقتل والتعذيب زاد الشعوب إصراراً وتحدياً حتى إنتصرت إرادة الشعوب في النهاية. لا بد أيضاً أن يسجل التاريخ دور المرأة العربية ولا يهمش نضالها البارز في الساحات والمقاومات الشعبيه، ومواقع الإنترنت، فمنهن من تعرضت لقمع وتعذيب ومنهن من فقدت ولد عزيز ومنهن من قادت حرباً عبر مواقع الإنترنت، بل وكانت هي أول من وقف في طابور الإنتخاب. وفي هذا الصدد أذكر بفخر سالى زهران وهند بدوي ودعاء سلطان من مصر وتوكل كرمان من اليمن وسهير عطاسي ومي اسكاف وبسمة الكدماني من سوريا بارك الله فيهن وجعلهن زخراً لأوطاننا ونموذجاً لبناتنا.

أعود وأسأل: هل ما حدث في الوطن العربي هو معجزة؟ الإجابة نعم، هو معجزة بكل المقاييس، معجزة صنعها البشر بعد أن باركها الله وثبت لنا فيها قدماً ومكن لنا فيها نصراً وجعل لثورات الربيع العربي نفحات مباركة. تحررت تونس ومصر وليبيا، واليمن وسوريا على المشارف.

فصبراً جميلاً يا فلسطين، أنت الهدف القادم  ستلحقكي المعجزة بإذن الله، ولن يضيع حق وراءه مطالب.

فاتن حافظأمريكا

كاتبة مصرية مقيمة في الولايات المتحدة

Copyright © 2012 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق