عاجل إلى المجلس العسكري.. مصر لا تحتاج لأوصياء على عرشها

عاجل إلى المجلس العسكري

بقلم/
مصر : ۲۱-۱۱-۲۰۱۱ - ۱۱:۳۳ ص - نشر

سأقتبس جملة من خطاب الرئيس السادات أمام مجلسي الشعب والشورى بعد إنتصارات أكتوبر وهي "لهذه الأمة أن تأمن بعد خوف، فقد أصبح لها درع وسيف".

هذه الكلمات كثيراً ما إستوقفتني وأنا صغير، فكنت وعلى الرغم من إختلافي مع الرئيس الراحل وربما عدم حبي له، أشعر بدفء عميق عندما أسمع تلك الكلمات بل أبحث عنها في الشبكة العنكبوتية بين الحين والآخر لأسمعها كي أطمئن على نفسي وأهلي ووطني.

هذه المشاعر المختلطة بالحب والرهبة والأمل إنتابتني عندما حمى الجيش ثورة الشعب المصري، كما حمى الشعب من قبل ثورة الجيش المصري، وشعرت مجدداً أن لهذه الأمة أن تأمن رغم كل المخاطر، فلها درع وسيف جيش وطني لن يضن بالدم زودنا عن حياض الوطن.

ولكني مع كل يوم يمر على بقاء المجلس العسكري في السلطة أخشى أن يلين هذا السيف وأن يرق ذاك الدرع، فالكرسي له سطوة وأبهة، والسلطة كما قال أحمد زكي في أحد أفلامه "إدمان"، فمن أجل مصر يجب على المجلس العسكري أن يسرع في إجراءات إختيار رئيس جديد للبلاد على أسس ديمقراطية ولا يلعب دور الوصي على العرش، فهذا الدور دائماً ما ينتهي نهاية دراماتيكية.

وأما قضية الخوف من أن يخطئ الشعب في الإختيار، فهذه قضية أخرى، فربما يخطئ ولما لا يخطئ، فعلى هذا الشعب الذي دفع فاتورة الحرية باهظة، أن يدفع فاتورة الديمقراطية، وأنا كمواطن مصري أقبل أن يأتي الإخوان أو حتى السلفيون إلى سدة حكم مصر، مع أنهم لا يصلحون ولا يمكلون أي مقومات لذلك، إذا كانت تلك هي إرادة الشعب فيجب أن نذعن لها، فمن منا يستطيع أن يقنع شعب قوامه 85 مليون مصري بشئ لا يريده إلا بطريقتين، الأولى أثبتت فشلها وهي الديكتاتورية والقمع والقتل والتنكيل كما يحدث في ميدان التحرير اليوم وأمس، والثانية هي إحدى طرق علم النفس التي تعتمد على التعلم بالتجربة فيجب أن نتيح الفرصة لأبناء هذا الوطن أن يمروا بالتجربة.

فقد عاش هذا الشعب طيلة 60 عاما لا يعرف سوى "عاش الرئيس.. يحيا الرئيس"، حتى أن الأغاني الوطنية إستبدلت حب الوطن بتمجيد الحاكم (إخترناه وبيعناه) كنموذج لذلك.

الديمقراطية ليست رفاهية بل هي مسئولية عظيمة يجب أن نتعلم هذا أولاً، ولن يأتي ذلك إلا بالممارسة، فأنا وأبناء جيلي تعلمنا الإنتخابات في الجامعات المصرية على أنها إختيارات من الأمن وفقط، وكذلك هو الحال في الحياة السياسية، ولكن اليوم هناك إختلاف حيث يجب علينا أن نتعلم كيف نختار من يمثلنا في مجلسي الشعب والشورى، يجب أن نتعلم كيف نختار رئيساً للجمهورية يمكننا أن نحاسبه لأننا نختاره

كل ذلك لن يأتي وهناك أوصياء على عرش مصر، فكيف لي أن أتعلم الديمقراطية دون أن أمارسها، والممارسة يجب أن يكون فيها فشل ونجاح ولولا ذلك لما تعلمنا.

اليوم المجلس العسكري يقول للشعب: "أنا ربكم الأعلى لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد"، هو من عقد صفقة مع الإخوان وهو اليوم ينقضها، وهو الذي وضع وثيقة السلمي مع أنه أكد زهده في كرسي العرش.

مصر فقط هي التي عليها أن تتحمل عبء ما يحدث من سمعتها وكرامتها وقدرتها وقوتها، وسؤالي إلى المجلس العسكري الموقر: ما هو حال درع هذه الأمة وسيفها اليوم، وكيف سيكون حالهما لا قدر الله عندما تتم الوقيعة بين الشعب وجيشه؟

يا سادة هذا الجيش ظل ضمانة النجاة لهذه الأمة منذ زمن بعيد وله هيبته وله مكانته، ولكن أيها المجلس العسكري أنت من يحاول إضاعة هذا الإرث وهذه الهيبة وتلك المكانة القابعة في بؤرة القلوب.

كوني محب للجيش المصري، أخشى عليه من أن تصيبه سهام المؤامرة التي نسجت بعد نجاح الثورة، لأن مصر لم يقدر لها الله أن ترزح تحت نير العصبيات، فلقد جمعتنا غريزتنا المصرية وضمتنا مصر تحت جناحها لتحمينا ونحميها، وبالفعل خرجت الثورة باهرة مبهرة.

والمحير في الأمر أن هذه الثورة ما لبثت أن تحولت الى صفقات ومغانم وحروب ودسائس وأموال تنفق ومؤامرات تحاك، والأكثر من ذلك أن المجلس العسكري لم يتحلى بأهم مبادئ العسكرية، وهي الحسم والحزم والصرامة، فإنفرط عقد الثورة وتاهت معالم الحرية وتبعثر شمل الشعب بين مؤيد ومعارض، وعندما تسأل المصريين ماذا تؤيد وماذا تعارض؟! لا تخرج بإجابة شافية، وهذا أمر طبيعي نتيجة للضبابية التي تلف المشهد المصري منذ إنتهاء ثورة يناير.

فلم يزل تراب المطالب الفئوية يغشي الأبصار، وزادت الأبصار غشاوة تلك النشوة العريضة التي وقعنا فيها جميعاً بعد الثورة ظناً منا أن البناء قد إكتمال، وخضنا سجالاً محموماً حول تصميم الدور الخامس بعد الألف من برج أحلامنا العاجي دون أن ندري أننا لم نضع الأساس أصلاً لأي بناء حتى أننا نسينا أن نتفق هل نريدها مدنية أم علمانية أم إسلامية أم ماذا؟

نسينا من فرط النشوة أن نجلس سوياً لنعد العدة إلى أخطر وأهم مرحلة، ألا وهي بناء مصر التي نريدها، وها نحن اليوم نقسم جميعاً أن نمعن في خراب ما تبقى منها دون أي وجه حق.

أيها السادة نحن أمام تحدي حقيقي، لا أقول ضياع مصر وإنقسامها، فمصر أكبر من ذلك وعلى كل من يقول ذلك ويروج له أن يقرأ التاريخ، فمصر منذ أن توحدت لم تنقسم أبداً ولن تنقسم، فهذا الشعب له خاصية غريبة، يألف هذه الارض كاملة الهيئة كما هي على الخريطة منذ آلاف السنين، وكما يقول المثل المصري (ياما دقت على الرؤوس طبول) منذ الهكسوس الذين إحتلوا مصر 500 عام إلى بني صهيون الذي إحتلوا سيناء 6 سنوات.

أتمنى من المجلس العسكري أن يزكي روح التضحية التي عهدناها من رجال القوات المسلحة، وأن يتحلى أعضائه بروح المقاتل وأن يمهدوا الطريق إلى إنتخابات برلمانية ورئاسية دون تدخل أو صفقات، وعفا الله عما سلف بالنسبة لصفقة الإخوان.

وأخيرا وبعد المشاهد المؤلمة التي رأيناها جميعا أمس واليوم على شاشات التلفزة، جنود يضربون نبت الوطن، يركلون أعز ما تملكه هذه الأمة، وهم الشباب، فيقعون بين قتيل وجريح أتساءل: هل أصبح سيف هذا الوطن مسلط على رقاب إبنائه ودرعه يحمي غيره؟!

وأتذكر رباعيات الراحل الجميل صلاح جاهين التي يقول فيها:

أنا كل يوم أسمع… فلان عذبوه

أسرح في بغداد والجزاير… وأتوه

ما أعجبش من اللي يطيق بجسمه العذاب

وأعجب من اللي يطيق يعذب أخوه

وعجبي!!!

محمد صلاح صحفي مصري في قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق