هل كانت هناك ثورة في مصر.. أم أن التاريخ توقف عند ٢٤ يناير؟

هل كانت هناك ثورة في مصر؟

بقلم/
مصر : ۱۹-۱۱-۲۰۱۱ - ۱۰:۲۰ م - نشر

مصر كباقي دول الربيع العربي عاشت حالة ثورية جميلة في جوانب عدة منها وسوداء في جوانب أخرى، وأنا لست في معرض مناقشة هذا، ولكن إسمحوا لي أن أفكر بصوت عال معكم وأطرح سؤال على نفسي.. هل يمكن لنا أن نعتبر ما يحدث اليوم في مصر نهاية لأحلام ثورية عريضة وإستسلام لإنقلاب عسكري، أم أنها بداية تلاشي حلم مدنية الدولة وتحولها الى ولاية الفقيه؟!

نحن حالياً يا سادة بين خيارين أحلاهما مر، إما الإرتماء في أحضان العسكر ليعبروا بنا ما نواجهه من إختلاف من أجل بناء الديكتاتورية العسكرية الرابعة، أو السير مع التيارات الإسلامية لبناء دولة الفقيه!

عندما تشاهد أفراد الأمن المركزي، الذين خلت منهم مصر منذ تخلي الرئيس المخلوع عن السلطة، وهم يحملون الحجارة ويقذفون بها الشباب الثائر، أو عندما تراهم وهم يخلون ميدان التحرير بالقوة ويركلون هذا ويصفعون ذاك، تشعر أن مبارك مازال في سدة الحكم، وأعود للتفكير من جديد بصوت عال وأتساءل، هل حقاً مصر تخلصت من عهد مبارك؟! وهذا السؤال أطرحه على نفسي على الرغم من قناعتي أننا لم نتخلص حتى الآن من نظام مبارك الذي هو إمتداد لعهد السادات.

إتفق الجميع على أن مصر بعد ٢٥ يناير لن تكون كمصر قبل هذا التاريخ، ولكني أختلف مع هذا الرأي جملة وتفصيلاً، فالمشهد العام في البلاد منذ ٢٥ يناير لم يختلف كثيرا عن المشهد السابق ودعوني أحلل الموقف ببساطة.

نبدأ من رأس النظام، المجلس العسكري، صاحب السلطة في مصر الآن، هذا المجلس يتخذ منهج مبارك وأسلافه في حكم مصر، شاء من شاء وأبى من أبى، والدليل تجده في كل التحركات التي قام بها المجلس وآخرها وثيقة السلمي التي تضمنت نصوصاً "فوق دستورية" تجعل المؤسسة العسكرية فوق الدستور، ومن ثم فهي فوق القانون بهيئاتها وشخوصها، ولم يفاجئني ذلك فهذا هو الأمر الواقع ولكن الجديد أن المؤسسة العسكرية تريده مكتوباً ضمن نصوص الدستور، وهو ما يضع علامات إستفهام كبيرة حول نية العسكر الحقيقة!

وبالإنتقال الى المستوى الثاني من مستويات النظام في مصر، أي الحكومة، فنجد أنها في نفس حالة الضعف الذي عهدناها طيلة العقود الماضية تحت حكم مبارك، فرئيس الحكومة لا حول له ولا قوة وكذلك أعضائها يتحركون بناءاً على أوامر تصدر من رأس النظام.

وأما المستوى الثالث من مستويات النظام في مصر، وهم التيارات السياسية والأحزاب، فتجدها جميعاً لا تختلف عن ما كان في عهد مبارك، فالأحزاب مازالت في ضعفها المعهود والتيارات السياسية تجدها متخذة نفس التشكيل والتركيبة، فالتيار الإسلامي هو الغالب ويليه بعض الأطياف الضعفية ومن ثم فالتركيبة السياسية في مصر لم تتغير والمشهد الحالي دليل ناصع على ذلك.

وأنا كغيري من الأغلبية الصامتة التي مازالت كذلك لسبب وجيه أن من في الساحة السياسية في مصر حالياً لا يرتقون الى المستوى المطلوب، فعندما تجد من يقول لك "إنتخبني لتدخل الجنة" أو من يرفع صوته "الحمدلله لقد إنتصرنا في موقعة الصناديق" أو من تخرج علينا عارية بدعوى الحرية أو من ينسجون أوهام حول وجود فتنة طائفية.. تتأكد من أهمية إلتزام الصمت لتتبين أي من الإتجاهات ستسلك وإلا وقعت في خطأ الإساءة الى مصر كالباقين.

عندما تطالع شاشات التلفاز وتشاهد مواطن مصري يضرب على قفاه أو يركل في ظهره من قبل رجال الأمن والجيش، تعود بك الذاكرة الى الأيام التليدة التي عشناها في عهد مبارك والسادات وعبد الناصر، وتتأكد أنك لم تتحرر كمصري من قيد العبودية إلى قانون العسكر، هذا ليس تحريض على الخروج على القانون، ولكني كمصري أندهش أين هي هيبة الدولة عندما يهان المصري ويركل ويصفع في بيته أو في الشارع المصري.

وأعود الى التفكير بصوت عال مجددا وأطرح سؤال، هل فعلاً الشرطة في خدمة الشعب، أم أنها في خدمة شئ آخر لا نعرفه؟ سحب الدخان تغطي القاهرة والأيدي تتشابك ليس عناقا ولكن ضربا وصفعاً.

أنا كغيري لا أدعي فهم الوضع في مصر، فالمشهد عجيب وعصي على الفهم بمفرده، وأعتقد أنه لا يفهم إلا في سياقات سيرفضها الكثيرون مسبقاً، وهي سياقات المؤامرة، فلم يعد تدخل دول بعينها في شئوننا بالشئ الخافي علينا، كما لم يعد إهتمام جهات دولية بالشأن الداخلي في مصر سراً، وإسمحوا لي أن أفكر للمرة الأخيرة معكم بصوت عال، وأتساءل مجدداً.. هل ما يحدث اليوم في شوارع القاهرة له علاقة بالإنتخابات؟ وهل الصفقة التي تم عقدها بين المجلس العسكري والتيارات الإسلامية تم نقضها من أحد الطرفين؟ ولذا أرى أن هناك من يريد تأجيج الموقف لأهداف سنعرفها عندما تنقشع سحابة الدخان.

وأخيراً، المشهد جد خطير في مصر، ولا يحتاج الى تحليل أفصح مما نراه اليوم في شوارع القاهرة، وهو دليل على أننا لم نبارح يوم ٢٤ يناير ٢٠١١ وأن كل ما حدث لا يعدو عن أضغاث أحلام وما كنا بتأويل الأحلام بعالمين.

محمد صلاح صحفي مصري في قطر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليقان

  • عماد درويش

    بإختصار شديد: بيت خربان وبأيدي وأيد ولادي هديته… طهرت الأرض منه وسويتها وبنيته… وبأساس كله جديد في جديد متين وغذيته… وبعمدان متينة وعفية ومتماسكة وعليته… وبطوبة فضة وطوبة ذهب حوطته بالجدران وزينته… وبأهلي وناسي وحبايبي أقباط ومسلمين وعمرته… هي دي الخطوات الصحيحة لأي بناء، وطبعاً لبناء البيت المصري… أساس ثم أعمدة ثم جدران… واكيد لا يستقيم أن نبدأ بخطوة قبل الخطوة التي تسبقها فحينها سوف ينهار من أول الإبتداء.

    وعليه فالبيت الخربان = المخلوع، الأرض = مصرنا، الأساس = الدستور، الأعمدة = أعضاء مجلس الشعب، الجدران = رئيس الدولة، وطبعاً اللي حيسكن البيت ده هما المصريين – أهلنا أقباط ومسلمين.

    إيه رأيكم ينفع بقى نبني البيت بعكس الطريقة الطبيعية، ولنا من الله خير مثال، ولله المثل الأعلى، فإن ربنا الله مهد لنا الأرض أولاً ثم كتب لنا دستورنا، ألا وهو الكتب السماوية والتي على أساسها بين لنا فيها كيفية التعامل فيما بيننا كعباد، ثم أرسل لنا الرُسل والنبيين ليكونوا لنا أعمدة ديننا ويبلغوا لنا ويبلغوا عنا، وهو الله المحيط بكل شيئ علماً فبأي حديث بعد هذا تؤمنون يابنـاؤن الوطن.

  • عماد درويش

    هل 25 يناير.. ثورة أم إنتفاضة؟؟ إن المتابع لمفهوم الثورات عبر التاريخ يعلم يقيناً أن الثورة بمفهومها الشامل ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق الأهداف، فهي رد فعل شعبي طبيعي قوي وسريع ضد ديكتاتورية الحكم المنفرد وتسلط رأس المال وذلك لتغيير الأوضاع السياسية والإقتصادية ومايرافقها من تغيير إجتماعي وثقافي تغيراً جذرياً بحيث تستأصل النظام الفاسد وفروعه من أواصله فلا تُبقي ولاتذر له آثر بعد عين.

    ومما يلاحظ أن الثورات عندما تطيح بالحكم الفاسد تتنهج منهج السرعة في الإصلاحات وعدم التباطئ والتراخي حتى تجني ثمارها سريعاً، ومن ثم تبدأ في إعادة بناء الدولة الجديدة بإرساء نظاماً جديداً قائماً على العدالة الإجتماعية والحياة السعيدة المبنية علي الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات مع إرساء قواعد ديموقراطية سليمة غير معيبة.

    وكل هذا يتطلب سرعة سن دستور جديد غير معيب وليس مجرد إستبدال مواد دستورية بمواد أخرى، حيث أن الثورة قد أسقطت الدستور القديم، إعتماد برامج تنموية حضارية تعمل على تلبية طموحات الشعب والنهوض به إقتصادياً وصحياً وثقافياً وإجتماعياً مع الأخذ في الإعتبار التركيز على عامل السرعة في التغيير بحيث تصنع الثورة في شهور قليلة إنجازات كان يتطلب إنجازها في النظام السابق الفاسد عدة أعوام.

    وهذا لا يتأتى إلا بسرعة إستأصال ما تبقى من أذناب النظام السابق وسرعة محاكماتهم على ماأقترفوه من آثام في حق أبناء هذا البلد، بحيث يصبح بناء الدولة الجديدة بعد الثورة نقياً مما تبقى من إفرازات النظام السابق بدءاً من أعلى المناصب السياسية والسيادية والعسكرية وإنتهاءاً بأدنى الوظائف الحكومية. فما كان قبل الثورة يختلف جذرياً عن ما بعد الثورة.

    أما الإنتفاضة فهي مقاومة شعبية لها صفة الإستمرارية وتكون تارة متصاعدة عنيفة ومرات تخبوا كالنار تحت الرماد، وتتكون من عشرات من أفراد الشعب تعمل على دفع الظلم والفساد الواقع عليهم تارة بالعنف وأخرى بالشعارات والتظاهرات، آملين بتلك الإنتفاضة زعزعة هذا النظام وعدم إستقراره الأمني والسياسي، لذا فهي تعني عدم إستئصال الفساد من جذوره بل زعزعته ونفض القليل من فساده مع بقائه ضارباً جذور الفساد في أوصال هذ البلد، وإذا أراد هذا النظام وئد تلك الإنتفاضة فليس أمامه من سبيل سوى مواجهتها بالعنف أوالإعتقالات والتنكيل تارة أو بإحتوائها عن طريق إستبدال الشخوص الوزارية بشخوص تلقى إرتياح عند عامة الشعب تارة أخرى مع الإبقاء على النهج والفكر لسياسي والأمني الذي ينتهجه هذا النظام هو المهيمن على السياسة العليا للبلد.

    ومما تقدم، فإذا لم تتحقق وتكتمل سريعاً الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، يكون قد نجح ما تبقى من اذناب النظام السابق والذين مازال البعض منهم متغلغل في الوظائف السياسية والسيادية في تحويل مسار تلك الثورة إلى مسار الإنتفاضة الشعبية.

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق