دُمى وفقاعات هواء

دُمى وفقاعات هواء

محمد سعـد النجار
مصر : ۱۳-۱۱-۲۰۱۱ - ٤:۳۲ م - نشر

إنه مجرد دُمية تم الدفع بها لتنفيذ سياسات أصحاب المصالح والبنوك.. كان ذلك رأى إحدى المحتجات من حركة "إحتلوا شارع المال" في الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما سألتها: هل الحركة تساند سياسة الرئيس أوباما في زيادة الضرائب على الأغنياء؟ ثم إزدادت إصراراً على رأيها الذي يشاركها فيه البعض، بأن صعود أوباما المفاجئ ولمعانه الشديد دون تاريخ سياسي يستند عليه يدعم وجهة نظرها، عندما قلت لها إن الرجل لم يظهر فجاءة كفقاعة هواء على سطح الأحداث وهو من الذكاء بحيث يصعب تصور أنه يقبل أن يكون دُمية في يد أصحاب المصالح، إضافة لنشاطه السياسي المكثف وعضويته في مجلس الشيوخ الأمريكى قبيل ترشحه للرئاسة.

ومع إنتهاء النقاش معها وجدت نفسى أفكر فى فقاعات الهواء التي تظهر وظهرت بكثرة في مصر بداية من اليوم التالى للتنحي أو حتى قبله من بين أشخاص وإئتلافات وتنظيمات وأحزاب وما يتميزوا به من جرأة وأحيانا وقاحة وإدعاء لبطولات وكذلك قدرتهم على إثارة الإزعاج والضوضاء من خلال منابرهم المفضلة فى برامج (الرغى شو) على شاشات التليفزيون.

وحتماً ستختفي كل الفقاعات فجاءة كما ظهرت فجاءة في حال ما وصلت سفينة الثورة إلى بر الأمان في ظل مناخ وبيئة سياسية نظيفة وسليمة. وتذكرت أيضاً أنه من وقت لآخر يخرج علينا البعض سواء من الداخل أو من الخارج بتصريحات من عينة بأن الرئيس القادم لمصر لم يظهر بعد! فمن أي مكان سيظهر أو يأتينا الرئيس ياترى؟ وهل سيكون هو البطل المنتظر كما في الحواديت لنصنع منه بعد ذلك ديكتاتوراً جديداً؟ أم سيكون دُمية في يد الغير سواءاً كانت يد داخلية أو خارجية؟

لا أظن أننا سنرى دُمية تحكم مصر كما نرى في بلاد قريبة منا، وإن كان هذا لايعني أنه لايوجد لدينا الكثير من الدمُى تحركها أصابع أصحاب المصالح أو اجهزة امنية، كالأمن الوطنى مثلاً، أو حتى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ودمُى تحركها أصابع خارجية من الشرق أو من الغرب، ومأساة هؤلاء ممن تحركهم الأصابع من خلف ستار أنهم يظنون أنفسهم أبطالاً يصنعون الأحداث بينما هناك من يحركهم بحرفية فى إتجاه معين لهدف معين يخدم به مصالحه، فبعض الدُمى لاتدرك إنها دُمى، وبعضها يدرك أنه مجرد دُمية لاتتحرك إلا بأوامر محددة مسبقة، والوطن في كل الأحوال منكوب بهؤلاء وهؤلاء سواء الدمُى التى تدرك أو الدُمى التي لا تدرك.

عودة إلى حركة إحتلوا شارع المال، حيث زرت مكان تجمعهم أكثر من مرة بحديقة زيْكوتى الصغيرة ذات الأرضيات وأحواض الزرع وأماكن الجلوس المصنوعة من الجرانيت الأحمر والواقعة بحى منهاتن بمواجهة مركز التجارة العالمى وقرب شارع المال بمدينة نيويورك. وقد أجمع من تحدثت معهم بأن حركتهم تكتسب زخماً جديداً كل يوم، وحسب قولهم فإن تأثيرها وصل لدوائر صنع القرار في العاصمة واشنطن وأنه لابد من تغيير في منظومة الرأسمالية للوصول لتوزيع أكثر عدالة للثروة.

فكلمة العدالة الأجتماعية سمعتها تتردد كثيراً، لكن لا أحد يريد مشاركة الأغنياء في ثرواتهم، فهم يريدون كبح جماح الرأسمالية وفرملة جنونها وتعظيم قيمة التكافل الأجتماعى، أيضاً يريدون إصلاح نظام التعليم وأن يكون الإعلام أكثر مسئولية ونزاهة ويريدون الحصول على نظام أفضل للتأمين الصحي ومحاربة إستغلال شركات الدواء وخلق فرص جديدة للعمل، فحركة إحتلوا شارع المال تريد إنقاذ أمريكا من جنون الرأسمالية وعودة الحلم الأمريكي من جديد، والبعض منهم يريد إنشاء حزب ثالث على غرار الأحزاب العمالية في مواجهة السيطرة السياسية لكل من الحزبين: الجمهورى والديمقراطى.

وبرغم شكوى بعض المحتجات من حالات تحرش يقوم بها أصحاب النفوس المتدنية ممن ليس لهم صلة بالحركة، إلا إن الوجه الغالب والأعم بين المقيمين بالحديقة هو روح التعاون الجميل بينهم ومساعدة بعضهم البعض، فقد قام أحد الشبان مثلاً بتركيب دراجة ثابتة ومن خلال طريقة فنية معينة من الحركة المتولدة عن عملية التبديل المستمرة على الدراجة يقوم بتوليد الطاقة وتخزينها ومدها لآحد المولدات الكهربائية الصغيرة للعمل على التدفئة ليلاً ولو بقدر ضئيل، لم تستمر هذه الفكرة طويلاً بسبب طلب البوليس وقف العمل بها خشية حدوث حريق ناتج عن تشغيل المولد، أيضاً تبرع طبيب بيطرى بمعالجة الحيوانات الأليفة التى يصطحبها معهم بعض المقيمين بالحديقة، إضافة لقيام عدد من مؤلفي الكتب بإهداء نسخ مجانية من كتبهم، وقد حصلت على نسخة من أحد الكتب والذي قال لي مؤلفه، بعد ما علم بأننى من مصر، بأنه كما يوجد صراع بين المحافظين المتشددين والليبراليين لا يخدم أمريكا ويسنتفذ طاقاتها، فسيوجد نفس الصراع وأنه قد بدأ فعلاً فى مصر بين المتشددين دينياً وبين أنصار الليبرالية وسيستنفد وينهك طاقات الوطن والمواطن.. فهل يتعظ ويعى أولو الألباب؟

فى يوم السبت الموافق 5-11-2011 تحركت مسيرة مكونة من عدة مئات من المحتجين من الحديقة إلى مبنى المحكمة العليا لمنطقة منهاتن، وهي مسافة تبلغ حوالي واحد ونصف كيلومتر، وقد مشيت مع المسيرة بحكم تواجدي في ذلك الوقت بالمكان، وبعد وصول المتظاهرين لمبنى المحكمة وترديدهم للهتافات طلبت منهم قوات البوليس فض التظاهر والإنصراف بسبب تعطيلهم لحركة المرور، ثم صدر تحذير بأنه سيتم القبض على من يقاوم أو يتخطى حاجز معين طبقا لنص القانون. وفعلاً تم القبض على عدد خمسة أو ستة من المتظاهرين أمامي وإن كانت حصيلة المقبوض عليهم في هذا اليوم قد بلغت العشرين طبقاً لما نشر بعد ذلك.

في كل الأحوال ستستمر حركة إحتلوا شارع المال وستعتمد أكثر على الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي خلال موسم الشتاء، وربما تركز نشاطها أكثر على ولايات الجنوب حيث الشتاء أكثر دفئاً وإعتدالاً، وربما تنجح حركة إحتلوا شارع المال في تحقيق بعض من أهدافها، أو قد لا تنجح، لكنها أحدثت حراكاً وجدلا إجتماعياً وإقتصادياً لايمكن تجاهله ساعد على نموه الأزمة الإقتصادية التي يمر بها العالم وامريكا ومع الإصرار فد تصل الحركة إلى ماتريد أو بعضه والطريق مازال في بدايته.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق