دولة الفراغ ومعونات المجتمع المدني

دولة الفراغ ومعونات المجتمع المدني

بقلم/
مصر : ۲۹-٦-۲۰۱۱ - ۱:۵۷ م - نشر

سمعتها يوماً من أحد ضباط الشرطة في تسعينات القرن الماضي، إنه يكفي أن تقف داخل أي مديرية أمن وتقول إنه يوجد مجموعة من الملتحين تقوم بمظاهرة في الشارع حتى تجد أكبر عدد من الضباط والأفراد، بمن فيهم مدير الأمن، تهرول إلى الشارع لمنع المظاهرة والقبض على أكبر عدد ممكن من المتظاهرين، وذلك في خلال أيام المواجهات الدامية بين جهاز الشرطة والتنظيمات الإسلامية المتطرفة.

مرت الأيام وتطورت الأحداث وتغيرت الآليات وأصبحت الحكومة كلها برئيس وزرائها هم من يهرول وليس مدير الأمن وحده لمجرد أن يدعي شخص بأنه ألقى القبض عليه وتم أختطافه من الشارع أثناء سيره كما أدعت أحدى الفتيات على صفحتها في "فيس بوك" فأسرع كل من وزير الداخلية ورئيس الوزراء بمقابلتها لسماع روايتها والتى ثبت عدم صحتها بعد ذلك.

فعلى عكس بقية دول العالم تحول "فيس بوك" من شبكة علاقات أجتماعية يتم إستخدامها كوسيلة تعارف وبناء علاقات صداقة جديدة بين الأفراد أو شبكة علاقات عامة يتم إستخدامها فى الدعاية الإنتخابية كما فعل الرئيس الأمريكى أوباما، أصبح "فيس بوك" فى بلادنا (بعبع) للأنظمة العربية ووسيلة للإحتجاجات وتنظيم القيام بالمظاهرات والإعتصامات.

لم نسمع في أي من الدول الديمقراطية والتي يتم إستخدام الأنترنت فيها بكثافة، أكثر مما لدينا، أن أي حكومة قد اهتزت أو إرتعشت لمجرد دعوة ناشط بالتظاهر من خلال "فيس بوك" أو إدعاء غير حقيقي بالإختطاف، وذلك لوجود نظام يقوم على المؤسسات والمساواة وإحترام القانون وهو مايجعلك تشعر بأن الدولة دائما حاضرة وليست غائبة عن مواطنيها.

أما أن يتدخل وزير الداخلية ورئيس الوزراء فى موضوع يتم حله بواسطة الضابط أو وكيل النيابة المختص فنحن هنا أمام دولة تعاني من الفراغ لا يوجد بها نظام مؤسسي (تتخض) من صفحة على "فيس بوك" أو (ينضحك) عليها من أي مدعيِ على الأنترنت، ودولة الفراغ تدير شئونها بأسلوب شيخ القبيلة وتطييب الخواطر وتقبيل اللحى وتوزيع العطايا والمنح على المقربين دون خشية عقاب أو حساب، لا يمكن أن تأخذ مكانها الطبيعى والمستحق بين الأمم. وهذه الدولة هى أخطر وأسوأ ماتركه لنا نظام الرئيس السابق.

عبده حماده هل تذكر هذا الأسم؟ مواطن محافظة الأسماعيلية الذى أشعل النار بنفسه بعد ثورة تونس أمام مجلس الشعب فى السادس عشر من شهر يناير الماضى، هو أكثر من كشف لنا دولة الفراغ وضعفها ولعل ثورة يناير أو أحداث يناير، وهو الإسم المعتمد حالياً فى بعض وسائل الإعلام، تدين له بالفضل فى عدم الخوف من هذا النظام الكرتوني الهش ومواجهته والتغلب عليه.

فقد هرعت الدولة من رئيس الوزراء إلى رؤساء المجالس النيابية وكافة الأجهزة إلى مستشفى القصر العيني للإطمئنان على الرجل، مرعوبة من تكرار سيناريو تونس والذي تكرر بشكل آخر بعد أقل من عشرة أيام. غنى عن البيان هنا أنه فى حال وجود دولة بنظام مؤسسي حقيقي يرعى مصالح المواطنين دون تمييز او محسوبية، الجميع فيه أمام القانون سواء، لن يذهب مواطن محافظة الأسماعيلية إلى شارع مجلس الشعب بالعاصمة وستتم حل مشكلته من خلال مجلس الحي الذي يقطن به، وغني عن البيان أيضاً أن عبده حمادة إن كان أشعل النار بنفسه قبل ثورة تونس لتم القبض عليه فى ذلك الوقت بتهمة تعكير الصفو العام لبهوات مجلس الشعب ومحاولته الموت كافرا.

يتقدم الآخرون لملء الفراغ عندما يتم تفريغ الدولة من فعالية مؤسساتها وتحويلها لمجرد ديكور شكلي، ولعل اكثر من تقدم لملء الفراغ هي الهيئات الأجنبية الأمريكية والأوربية منها على وجه الخصوص والتي تدعم منظمات المجتمع المدنى تحت شعارات الديمقراطية والحرية ودعم حقوق الأنسان وغيرها من الشعارت البراقة وكما لانستطيع فرض سوء نية هذه المنظمات فلا نستطيع فرض حسن النية فى جميعها.

لفت الإنتباه مؤخراً منح الصندوق القومى لأجل الديمقراطية، والمدعوم من الكونجرس الأمريكي، جائزته السنوية لشقيقة خالد سعيد، رحمه الله، تكريماً للثورة المصرية فى شخصها ولجميع من شاركوا بالثورة، وهنا لي جملة اعتراضية قبل أن استكمل، وهى حول صفحات (كلنا) المنتشرة على "فيس بوك" واشهرها بالطبع صفحة كلنا خالد سعيد.

فعندما أشتهرت هذا الصفحة على "فيس بوك" سألت اكثر من شخص ماهو المقصود بكلمة (كلنا) فجاءت الإجابة واحدة هو أن أي واحد منا قد يتعرض لما تعرض له خالد سعيد فقلت أن ما تعرض له هذا الشاب مرفوض تماماً وسواء صدقت الإتهامات الموجهة ضده أم لا فمن حقه أن يواجه محاكمة عادلة لا أن يضرب بهذا الشكل البشع حتى الموت، ولكن أن نكون كلنا هذا الشخص سواء خالد سعيد او غيره دون أن أعرف من هو أو أعرف ماضيه فهذا ما لا أستطيع إستيعابه، لكني أتفهم وأتقبل أن نكون كلنا ضد تعذيب خالد سعيد والذى سيصدر حكم فى المتهمين بقتله خلال الأيام القليلة القادمة، وأىاً ما كان الحكم فسيكون هناك نقض وجدل عليه، أيضاً فأننا لانجد صفحات (كلنا) تلقى مثل هذا الزخم والتفاعل إلا فى منطقتا العربية وليس بمستغرب أو مستبعد ان نجد من يخرج علينا يوما ما بصفحة كلنا حسنى مبارك ! أو كلنا القذافى أو الأسد أو علي عبدالله صالح أو حتى "كلنا مش فاهمين حاجة".

عودة مرة أخرى للصندوق القومى للديمقراطية، فطبقا لما هو منشور على موقعه فله أنشطة فى مختلف بقاع العالم لدعم منظمات المجتمع المدني ومايهمنا هنا هو الدول العربية ومصر فى المقدمة منها، فطبقاً لتقرير عام 2009 (2010 لم ينشر بعد) فإن الدول العربية إضافة إلى إيران وتركيا وأفغانستان والتي حصلت منظمات المجتمع المدنى فيها على منح كالتالى (سيتم كتابة عدد المنظمات أولا ويليه المبالغ المالية التى حصلت عليها بالدولار الأمريكي) العراق (43) منظمة بإجمالى مبلغ (3,624,991$) وقد حصلت منظمة واحدة بمفردها وهى المركز الدولي للمشروعات الخاصة على مايقرب من 2 مليون دولار، الكويت (1) (243,200$)، الأردن (9) (1,124,159$)، لبنان (8) (791,714$)، سوريا (3) (290,800$)، الضفة الغربية وغزة (20) (1,644,362$)، اليمن (14) (631,536$)، ايران (2) (674,506$)، تركيا (10) (975,300$)، أفغانستان (28) (3,310,124$)، الجزائر (2) (237,815$)، المغرب (19) (1,426,087$)، تونس (3) (191,500$)، ليبيا (3) (196,700$).

وهناك (15) منظمة حصلت على مبلغ (3,475,913$) غير محدد الدول التى تعمل بها ومدرجة تحت إسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو الشرق الأوسط الكبير ويوجد ضمنها منظمات تحمل أسماء عربية وإسلامية حتى لا يذهب التفكير فى دولة واحدة بعينها.

بالنسبة لمصر فقد بلغ عدد المنظمات الحاصلة على منح من هذه الهيئة فى عام 2009 (33) منظمة بمبلغ (1,419,426$) وتختلف المبالغ التى تحصل عليها كل منظمة عن الأخرى فعلى سبيل المثال وليس الحصر مركز ابن خلدون (65,000$)، معهد الأندلس للتسامح ( 48,900$)، حقوق الناس (50,000$)، منظمة أو جمعية سوا لتطوير المجتمع والمرأة والطفل والبيئة (19,000$)، أبناء الأرض (30,000$)، المعهد المصرى الديمقراطى (48,900$)، المنظمة أو الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات (81,000$)، إتحاد المحامين للدراسات الديمقراطية والقانونية (20,000$).

أسماء هذه المنظمات أمثلة للتوضيح ولا يقصد به شيئ آخر ومعرفة ماقدمته هذه الهيئة فى عام واحد، وذلك فى الوقت الذى كان فيه النظام السابق يعلن رفضه بشدة وإصرار مبدأ حصول الجمعيات الأهلية على معونات خارجية ويحارب أي منظمة أهلية يعرف عنها أنها تتلقى معونات أجنبية، بينما كانت المساعدات تتدفق بدون عوائق ولانعرف من كان يخدع من، ولا نعرف أيضا قواعد وشروط صرف هذه الأموال وكيف تتم المحاسبة المالية عليها وهل تتم وفقا لقواعد القانون المصرى أم وفقا لقانون الدولة المانحة؟

مرة أخرى عندما يتم تفريغ الدولة من مؤسساتها وتتركز السلطات فى يد رجل واحد يديرها بمنطق القبيلة، لا يشعر المواطن بوجود الدولة إلا فى أقسام البوليس، عندئذ سيتدخل من يملئ الفراغ، ومصر فى الوقت الحالي إضافة للفراغ الأمني تعاني الفراغ السياسي والمؤسسي ولا أستطيع تخيل عدد الدول والمنظمات الأجنبية العاملة على أرض مصر الآن.

أرجو أن يتخلى الطامحين والطامعين عن مطامعهم وأن نتجه لبناء مصر أولا حتى لانحصد الأسف ونندم وقت لاينفع الندم.

محمد النجار الولايات المتحدة الأمريكية

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق