كـتـابـات بلا أوراق.. روح الأداء وصدق التعبير ورموز المستقبل

كتابات بلا أوراق.. روح الأداء

بقلم/
مصر : ۱٤-٤-۲۰۱۱ - ۱۱:۳۱ ص - نشر

السكوت يغلف المكان مما يبعث على الهدوء، وحينما يغلف الصمت الأجواء يعطي انطباعاً هو أقرب للرهبة، ومن غير بعيد وقع أقدام يصدر من حذاء ذو كعب عالِ، أنثوي الإيحاء يقترب شيئاً فشيئاً، الوقع منتظم والأرض خشبية وصدى الخطوات يتردد في المكان، وهي نفسها تتردد في كل خطوة تخطوها فما تلبث أن تقترب خطوة فإذا بها تبعد مرة أخرى وكأنها ما تكاد أن تقرر أمراً، إذا بها ترجع في القرار مرة أخرى.

ولكنها ها هي هذه المرة بدت أكثر ثباتا، فإذا بوقع الأقدام أقوى دبيبا وأكثر ثقة، اقتربت وفتحت الباب في هدوء، وابتسمت ابتسامة رقيقة حين وقع نظرها على الشاب الذي طرق الباب منذ دقائق، ولكنها تدرك أنها هذه ليست المرة الأولى الذي يجيئها ويطرق بابها، فقد أتى مرارا من قبل وقد رأته و هو يحوم حول منزلها في أوقات متفرقة، ليس بداعي الإزعاج أو الفضول أو حتى الإيذاء، هي تدرك أنه يريد أمرا ما، ولكن ما يحيرها أنها لا تعرف ما هذا الأمر، فكيف ستقابله وبماذا سترد عليه وما هي الأسئلة التي من الممكن أن يلقيها عليها؟

تواترت الأفكار في رأسها وترجمت ما يدور في نفسها إلى لغة تتكلم بها بغير أن يصدر من شفتيها أي صوت بل تقول بعينيها، ما انتابها من حيرة ولم تتفاجأ كثيرا من ردة فعل الشاب الممشوق الواقف أمامها، وكأنه بنفس لسان الحال يخشى أن يخدش محراب الصمت الذي يغلف المكان، وقرأ عينيها وسمع لغتها فقطب حاجبيه في ضيق وأرسل نظرة حادة مستنكرة وكأنه يعتب عليها أن تحتار وها هو واقف أمامها وكأن كل أمله كان أن تفتح له الباب.

"ستووووب.. سيئ يا أساتذة" صرخ مخرج العمل الدرامي بهذه الجملة الاعتراضية الأكثر شهرة في عالم السينما وأخذ يكمل كلامه بحدة روتينية، سيئ جداً يا أساتذة لا أقبل أن تضيعوا وقتي أكثر من هذا، أين الروح في الأداء أين الصدق في التعبير، لم أصدقكم للحظة، تمثيلكم مفتعل كل الأمر كأنه تمثيل عن دون رغبة، ثم أخذ نفساً عميقاً وقال ماذا الذي قصرت فيه كي لا أجد نتيجة، هيأت كل الأجواء المناسبة، اخترت للدور أصدق وجوه وعيون معبرة في الوسط السينمائي بالكامل، وأقصى ما أحصل عليه مجرد تعابير غامضة بلا مضمون.

حاولت الممثلة أن تقاطعه فاستشاط غضباً ورفع كفه في عصبية ألا تقاطعه ووجه حديثه تحديدا لها قائلاً، يا آنسة من أول الأمر أدائك ضعيف، وقع خطواتك لابد أن تشوبها الحيرة والإحباط ما هذا النشاط الذي أسمعه، ما هذا الصدى القوي من كل دبة قدم، ألم أشرح لك إلى ماذا ترمزين؟! ألم تؤكدي لي أنك استوعبت ما أريده، إذاً ما هذه النظرات الساحرة الممتلئة بالبريق؟ أتقومين بتمثيل دور رومانسي في فيلم غرامي؟! عينيك لابد أن تكون بلا بريق ولا أي إحساس بالأمل، أريد عينان يائستان محبطتان ونظرة للمجهول فليس من المفروض أن تعرفي ماذا سيحل بك في الغد القادم، وأنت يا أستاذ أعطني أكثر شعوراً بالعظمة، ألا تدري إلى ماذا ترمز؟! هل نذهب لبيوتنا ونتوقف عما نفعله لأن سيادتك لا تعرف الفرق بين نظرة الاستنكار ونظرة التحدي أو بين نظرة العتاب ونظرة النجاة؟!

"لا تعجبني هذه الكتابة، لا تعجبني ولا ترضيني أبداً" تنهد كاتب القصص الذائع الصيت بهذه الجملة في حيرة، ونظر نظرة لأعلى وتبعها نظرة إلى ما كتبه وتابع محدثاً نفسه، أشعر أن هذا مكرر، المكان ستوديو لتصوير مشهد سينمائي، الزمان ليلاً حيث يزيد الهدوء ويرتفع صوت الصمت، وممثلين يقومون بأداء مشهد الحيرة، ثم كل هذا لا يرضي مخرج العمل، فيستوقف الممثلين ويوبخهم ويشرح ما يريد بصورة مباشرة، لا..لا.. هذا غير صادق.

وتبع تمتمته بنظرة تحمل كم كبير من استسخاف ما قد فرغ من كتابته فمد يده في قوة وتناول الورق ومزقه، ورماه على الأرض، وتناول ورقة جديدة بيضاء، ونظر لفنجان القهوة في تأمل وتناوله، و هو يفكر بعمق شديد، وقد خيل له أن ما قد شرع في كتابته سيغيره بالكلية فلن يرمز للحيرة ولن يذكر الإحباط، وسبحت عيناه في بياض الورقة الناصع، و قد تسلل الأمل لنفسه فاخذ يفكر في التفاؤل، نعم ها هو رأس الموضوع يأتيه، وها هن بنات أفكاره يتراقصن في صدره على أنغام وتر قلبه، وتتعالى ضحكاتهن في نشوى، وقد اختمرت الفكرة في رأسه واتسعت ابتسامته في سعادة، نعم سيكتب عن الفرح والأمل والسعادة والتفاؤل، كل المؤشرات تدل على ذلك، ويبقى العمل على تحقيقه، هو بدأ بنفسه وفي المجال الذي يبرع فيه، وإن كان كل يقينه يدرك أن ما يتمناه لن يكون منتهاه على الأوراق، بل سيكون في كتابات بلا أوراق.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

4 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق