شركاء في الجريمة.. حوار مع هاني

بقلم/
مصر : ۱۷-۱-۲۰۱۱ - ۷:۳۷ ص - نشر

بين الحين والآخر أحاول أن أخوض غمار تجارب جديدة، كمحاولة لاكتشاف فضاء، ربما يراها البعض غير لائق، بيد أن أمر المعرفة والإطلاع على أحوال الناس لا يخلوا من بعض المغامرات، وفى خضم الأحداث المؤسفة التي تضرب الأمة العربية والتي تصفها وسائل الإعلام بالفتنة الطائفية والمذهبية، وعلى ضوء أحداث تفجير كنيسة سيدة البشارة فى العراق وكنيسة القديسين فى مدينة الإسكندرية فى مصر، كانت وسائل الإعلام الرسمي وغيرها، فى مصر، تتحدث عن مناخ الوحدة الوطنية والأخوة التاريخية التي تجمع عنصري الأمة وأن هذه العملية عملية حقيرة من جهة خارجية إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يروي ظمآن ولا يشبع جوعان ولا يدفع البلوى عن المبتلين.

كيف يصح هذا الكلام فى جو مشبع بخطاب طائفي من بعض خطباء المساجد، وبعض وعاظ الأحد والرهبان وقنوات التبشير المسيحي وقنوات الفتنة -الوهابية- وفى ظل دولة أو دول ترعى هذا الحالة الاحتقانية باعتبارها تمثل طوق نجاة لها حين يشتبك قطاعات الشعب بعضها مع بعض وتنصرف عن مواجهة الاستبداد والفساد، وهذا احد الوجوه التي جعلت السلطة الحاكمة هنا أو هناك يروق لها لعبة الطائفية والمذهبية.

ومن خلال عمليات تزيف الوعي وتجريفه، يجري تبرير كل الجرائم التي تحدث هنا وهناك، وكثير من الأحيان التغطية عليها وتعمية الرأي العام عما يحدث، ولماذا، وما هو الدافع، كل هذه الأسئلة تصبح سراب تحت موسيقى العزف الحكومي والتبرير اللأخلاقي.

وعودة على بدءـ لم يروق لي سلسلة مقالات "من سيدة البشارة إلى القديسين" التي كتبتها وما أزال اكتبها حتى أقدم للرأي العام وللقارىء ملامح حول هذه الأزمة ودوافعها وتداعياتها وملامحها.. وكأن حالة الأرق التي اصابتنى هي الدافع فى البحث عن مناخ حر يتحدث فيه الناس بشكل لا يشعر فيه بأي نوع من الحرج أو الضيق وينفث ما في صدره من الهموم، وعليه فقد قصدت أحد منتديات الشات الشبابية المصرية، أراقب عن كثب ما يقوله الناس بكل بساطة ما هي الموضوعات التي تشغل اهتمامهم.

أنا وهاني (حوار صريح ساخن):

حين دخلت احدى غرف الشات كان الحوار يجري بلهجة مصرية عامية غاية فى الإسفاف كان أحدهما يقول "اتركه إنه مسيحي كافر".

فأردت أن اختبر مكونات هذا التجمع فكتبت "المسيحي ليس بكافر".

فإذا بمجموعة من الحضور تقول لى:" هو الأخ مسلم وله زى هاني مسيحي كافر".

وعلى الفور قلت: أنا اسمى محمود.. فقالوا: "تبقى جاهل ومش بتعرف إن المسيحي كافر ولن يدخل الجنة".

هنا دخل هاني مرة أخرى فقال: "انتم بتتفقوا عليه وده تعاليم دينكم وقرآنكم التي تحض على القتل".

كأن الحوار فى غرفة "الشات" العام ستصبح حوار طرشان لا أحد يسمع لأحد هذا بالإضافة لحالة الاحتقان التي يحملها الجميع فى اتهام الكل للكل.

رأيت أن "هاني" الشاب القبطي يمتلك من الشجاعة والاحتقان ما يدعوني لان أتحاور معه، محاولة مني لبحث هذه الحالة والتواصل معه. على الفور دعوته فى غرفة حوار خاصة، وبعد وقت ليس بطويل استجاب للدعوة بدأ بالحوار.

كان هاني يحمل بداخله قدر من الاحتقان والسخط والرؤية السوداوية والدموية عن كل ما يسمى إسلام، فهو يرى أن المسلمين يعبدون ربا عنصريا(!!) هذا الرب لم يخلق الجنة لغيرهم، وهذا الرب أباح لهم قتل الناس عمدا وفى كل مكان، وبدأ يسوق لي آيات من سورة "التوبة"، وبدأ يتكلم عن النبي بأنه تزوج بنت فى سن السادسة، وهي الرواية الكاذبة التي تقول أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج عائشة فى هذا السن، وعلى الرغم من أن البحاثة والمؤرخين المحدثين اثبتوا إن سن عائشة كان يتجاوز الـ 17 سنة، ولكن التيار السلفي والمتعصبين يكفرون من يقول بذلك وينتصرون كالعميان للرواية الساقطة وكأنهم يسيئون إلى النبي.

كان الحوار بيننا ثقيل الظل، هو يصر على أن يكون الحديث بيننا مناظرة، وأنا أحاول بدعابة أن أزحزحه إلى مربع الحوار الآمن بين صديقين، هذا الشاب الذي رأى دماء إخوته تراق على مقاعد القطار فى سمالوط وعلى أبواب الكنيسة وفى قارعة الطريق يوم رأس السنة، وأن من فعل هذا يصدر بياناته التي تبدأ بـ "بسم الله" وتتزين ببعض آيات القرآن.

هانى ليس حالة فريدة أو شاذة فى وسط هذا المجتمع، هانى ابن مجتمع رأى وسمع أن رأس كنيسته وأباه المقدس تعرض للاعتقال وان عشرات الكنائس تعرضت للهجوم، ويرى أن كل المناصب متاحة للمسلمين المصريين هو يتساءل بصوت خفي وصوت جهور هل هو مواطن من الدرجة الثانية؟! وفى المقابل هناك آلاف الشباب المسلم المصري يرى أن الأقباط هم أصحاب الحظوة فى المجتمع وأن كل المعتقلين فى السجون مسلمين، وأن الحكومة تحرس الكنائس وتغلق المساجد، وغاب عن ناظريه أن هذا تصرف لصالح السلطة وحساباتها، وأن إخوانه الأقباط يشكون فى هذا الإجراء -حراسات الكنائس– فيرى البعض أو الأغلبية، أن الجند والعسكر الذين يقفون على أبواب الكنائس ماهم إلا أفراد مراقبة للكنيسة وللأقباط.

إذا هاني بعفوية شديدة بصق على مدعي تجديد الخطاب الديني، سخر من حالة "الضحك على الدقون" التى يروجها فلان وفلان عن الإخوة والمحبة والمجتمع المتأخي، فإذا كان المجتمع كذلك فكيف قتل أخوته وأحبابه وبنى دينه وكنيسته، وكيف يعتبر بعض من يحسب على المؤسسات الدينية والقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية أن هؤلاء القتلة والارهابين شهداء.

إن قضية الإصلاح الديني، وقضية المواطنة هي قضايا ملحة، الم يعلم هؤلاء وأولئك أن النبي اعتبر يهود المدينة شركاء فى دولته ولهم حق اقامة شرائعهم وقضائهم حسب التوراة، ألم يعلم هؤلاء أن الله قال (لا إكراه فى الدين)، ألم يعلموا هؤلاء أن النبى قال: "إن الانسان بنيان الله ملعون من هدمه"، ألم يعلموا أن الإمام على قال: "إن الناس صنفان إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق". إن الذين يجهلون شرائع الدين ليسوا من الدين في شىء.

وهذا المقال صرخة ونداء لكل عقل حر يحترم كتاب الله وسنة رسوله، هل وجدتم فى كتاب الله حدا للردة، وهل فى سنة النبي الصحيحة حكما للردة، ولما لم يطبق هذا الحكم على عشرات الذين ارتدوا ثم أصبحوا حكاما وولاة.

أيها السادة دعاة التنوير وتجديد الخطاب ما هذا التناقض؟ كيف تقولون إن القرآن والإسلام يقر بحق المواطنة، ومع هذا تقرون بحد "الردة"؟

إن مصر حبلى بالعنف حبلى بالأصولية والتعصب، شبابنا وخطباء مساجدنا فريسة سهلة لخطباء الفتنة ودجالي القنوات الفضائية ومرضى الانفصام، فإما أن نرى أمراضنا ونواجه أزمتنا بشجاعة وإما كلنا شركاء فى جريمة القديسين وسيدة البشارة وقطار سمالوط والبقية تأتى….

محمود جابر مصر

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 


Warning: Use of undefined constant similar_posts - assumed 'similar_posts' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /homepages/9/d608470986/htdocs/clickandbuilds/AHLAN/wp-content/themes/redcarpet_pro1/single_news.php on line 187

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

تعليق واحد

  • سيد السيد

    صديقى العزيز المحترم الاستاذ/ محمود جابر
    سلام الله عليكم
    دائما أنت عند حسن ظننا بك صريح مع نفسك ومع الاخرين، تطرح القضايا وتبحث جذورها… فهذا الحوار يكشف عور هؤلاء الذين يتحدثون عن مناخ صحى ومواطنة سليمة فى مصر… إن حالة التعصب والقبلية قد امسكت بالعقول والافهام كما اوضحت فى هذا الحوار الجرئى ولا فكاك منها الا بتغير النظام…

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك