مخطط التفتيت مستمر - أهلاً العربية

مخطط التفتيت مستمر

بقلم/
مصر : ٦-۱-۲۰۱۱ - ۷:۲۵ ص - نشر

من كنيسة سيدة النجاة في بغداد إلى كنيسة القديسين في الاسكندرية.. مخطط التفتيت مستمر..

لأول مرة منذ دخول المسيحية أرض الرافدين تلغى صلوات عيد الميلاد وتغلق الكنائس ويختبئ المسيحيون في بيوت غير بيوتهم ويهرب الآلاف منهم إلى كردستان العراق في الطريق إلى الهجرة الدائمة، وذلك على إثر الجريمة البشعة التي تعرض لها المسيحيون السريان في كنيسة سيدة النجاة في قداس الأحد يوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) ؛ والتي قتل على أثرها أكثر من 60 بريئا من بينهم أطفال ونساء وعجزة.

ولأول مرة تستهدف كنيسة في مصر بعملية إرهابية خطيرة ليلة رأس السنة طالت المصلين في كنيسة القديسين في الاسكندرية فخلفت نحو 22 ضحية بريئة و 80 جريحا، لا لذنب ارتكبوه بل لأنهم آثروا أن يبقوا على دينهم عندما دخل الإسلام أرض مصر فقد كان الخيار متروكا لكل فرد في أن يعتنق الدين الجديد أو يبقى على دينه الأصلي إمتثالا للحكم الرباني الذي ينص على "لا إكراه في الدين".

الفتن الدينية والعرقية تطل برأسها في أكثر من بلد عربي من لبنان إلى العراق ومن السودان إلى اليمن ومن الكويت إلى مصر. إنها حصيلة الإغراق في القطرية البغيضة بعد التخلي عن المفهوم القومي للأمن العربي وبعد رفع شعارات مصر أولا ولبنان أولا والأردن أولا والكويت أولا…. وكل هذه الشعارات الشوفينية البغيضة كان المقصود منها التخلي عن الواجب القومي بالنسبة للقضية الفلسطينية على وجه الخصوص والارتماء في أحضان الولايات المتحدة والتصالح مع إسرائيل. فماذا جنت الدولة الإقليمية إلا مزيدا من التشقق داخل الجسد الواحد استطاع أعداء الأمة الخارجيون وعملاؤهم المحليون أن يتسربوا من الشقوق لتوسيع الهوة بين مكونات البلد الواحد.

لقد رافق الظاهرة الإقليمية التي أفرزت الاصطفاف الطائفي فشل الدولة المركزية في تعزيز المواطنة الحقيقية والارتقاء بمفهوم المواطنة لتصبح مصدر فخر واعتزاز وانتماء طوعي مشرف يشعر حيالها المواطن بكرامته ويمارس حقوقه كاملة غير منقوصة بغض النظر عن انتماءاته العرقية أو الدينية أو السياسية مما يدفعه أن يقوم بتأدية واجباته نحو الوطن كاملة غير منقوصة من الخدمة والتطوع والالتزام بالقانون ودفع الضرائب وتأدية الخدمة الإلزامية إن وجدت والدفاع عن الوطن بدءا بالكلمة ووصولا إلى الروح.

التمييز سياسة تخدم النظام وتقصي الأقليات

كما جرت العادة، سواء في اليمن أو لبنان أو العراق أو مصر أو الجزائر، تسارع الحكومة في مثل هذه الأحداث بتوجيه اللوم لعناصر خارجية. وبعد تراجع تصنيف إسرائيل كدولة عدوة أصبح مصطلح "العامل الخارجي" يعني دول الجوار مثل سوريا أو إيران، أو تنظيمات إسلامية مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد أو تنظيمات إرهابية متطرفة مثل القاعدة، رغم أن خلايا التجسس الإسرائيلية ما فتئت تــُكتشف بشكل مستمر مرة في مصر، ومرة في سوريا ومرة في إيران ومرات في لبنان. أما في العراق، والذي تحول إلى قاعدة آمنة لكل أجهزة التجسس العالمية والمحلية، فلا وقت لكشف مثل تلك الخلايا، النائمة منها والمتيقظة، لأن الطبقة الحاكمة مشغولة في توزيع حقائب 42 وزارة ولم تتفق بعد لا على وزير الداخلية ولا الدفاع ولا رؤساء الأجهزة الأمنية المتعددة.

لكن الحكومات جميعا تتهرب من المسؤولية وكأن الاحتقان الطائفي والعرقي كله بفعل مؤامرة خارجية. فقد اتهمت الحكومة المصرية أخيرا هجمات سمك القرش على السياح في شرم الشيخ على الموساد الإسرائيلي. هل هناك أسفّ من هذا المنطق؟ أخشى أن يوجه اللوم للموساد إذا ما أصاب مرض الخرف وفقدان الذاكرة (الزايمر) تعالوا معنا لنر حقيقة معاملة الأقباط في مصر.

التمييز الممنهج ضد الأقليات

نود أن نؤكد أن مفهوم التمييز في القانون الدولي يعني أي تفريق في المعاملة أو التوظيف أو إعطاء الفرص أو تطبيق القانون أو منح أو حجب الامتيازات لا انطلاقا من الكفاءة والاستحقاق والمساواة بل بسبب اللون أو العرق أو اللغة أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الانتماء لجماعة سياسية أو طبقة اقتصادية أو أقلية عرقية أو دينية أو لغوية.

فالتمييز في الوطن العربي ضد الأقليات هو السبب المباشر الذي يدفع بهذه الأقليات إلى الاحتماء بنفسها والانطواء داخل الطائفة أو طلب الحماية من قوى خارجية والتآمر على السلطة المركزية والقوى المسيطرة. لكن للأمانة والتاريخ أن الأقباط في مصر كانوا وما زالوا ملتزمين بوطنيتهم المصرية وقوميتهم العربية وكانوا طليعة في النضال ضد المستعمر البريطاني وبناء الدولة المدنية وخاصة بعد ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وحزب الوفد والتي تجسدت في دستور 1923.

في مصر مثلا يتجسد مفهوم التمييز بشكل جليّ في سياسة دور العبادة أولا حيث تبنى المساجد ليل نهار بدون أية إجراءات أو تعقيدات. لقد بلغ عدد المساجد نحو 93,000 مسجد تستوعب أكثر من ثلاثة وتسعين مليون مـُصل، بينما لا يوجد إلا 2,000 كنيسة بمعدل 2% بينما تصل نسبة الأقباط إلى 10% على أقل تقدير. إن بناء كنيسة أو ترميم كنيسة أمر في غاية الصعوبة والتعقيد يتطلب أحيانا قرارا من رئيس الجمهورية. إن توقف بناء كنيسة العذراء في حي الطالبية بالجيزة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بحجة عدم توفر الترخيصات المناسبة لأكبر مثال على هذه السياسة التمييزية. لكن عندما بني مسجد بدون ترخيص وتوقف البناء بناءً على شكوى من أهل الحي جاء القرار باستكمال البناء فورا وتقديم شكر للمحسن الكريم الذي تبرع ببناء المسجد وتوجيه اللوم لسكان الحي لاعتراضهم على بناء بيت من بيوت الله. أما طلب ترخيص بناء كنيسة في شبرا الخيمة منذ عام 2008 فقد قوبل بالرفض وإلى الآن.

نود أن نسأل الحكومة العتيدة أن تتفضل علينا وتقدم كشفا بعدد كبار الضباط من الأقباط وعدد السفراء وعدد كبار موظفي الدولة والوزراء وعدد النواب في مجلس الشعب الذين يحتلون مواقعهم بالتعيين من رئاسة الجمهورية. فمن بين 425 مبعوثا خارجيا أرسلتهم الدولة للتعليم والإشراف والبحوث العلمية كان هناك قبطي واحد فقط. كم قبطيا يحتل موقعا عاليا في سلم القضاء وإدارات الدولة. كم قبطيا يطل من شاشات المحطات الوطنية، كم قبطيا يلعب دورا رئيسيا في مسلسل أو دور البطولة في فيلم أو دورا رئيسيا في مسرحية أو فرقة موسيقية؟ وبعد ذلك يتشدقون بالمساواة. أين هي المساواة التي عرفتها مصر أيام ثورة 1919؟

كم مصريا يعرف أن سعد زغلول عندما قدم أول وزراة للملك عام 1924 لاعتمادها كان عدد الوزراء تسعة فقط من بينهم ثلاثة أقباط. وكم مصريا يعرف أن بريطانيا عام 1922 قبضت على قيادات ثورة 1919 وكان عددهم سبعة كان من بينهم أربعة أقباط هم ويصا واصف ومرقص حنا وواصف بطرس غالي ‏وجورجي خياط‏، وحكموا جميعا بالإعدام، لكن الحكم خفف في آخر لحظة عليهم جميعا خوفا من ردة فعل الشارع المصري الملتهب. ما الذي تغير؟ الأقباط الوطنيون دائما أم السياسة الخرقاء القائمة على الانتقائية والفساد والتهميش ليس للأقباط فقط بل لكل الشرائح الفقيرة والطبقة الوسطى ونشطاء المجتمع المدني؟

فمنذ تولي الرئيس الراحل أنور السادات وإطلاقه الجماعات الإسلامية واعتماده لغة الخطاب الديني واصفا نفسه بالرئيس "المؤمن" بدأت حملات التمييز المنظمة ضد الأقباط وبدأ التحريض ضدهم وانتشرت لغة التعبئة الطائفية ضد جزء أساسي من مكونات الوطن. اندلعت الشرارة التي تعكس التوتر الطائفي الذي بدأ يزدهر تحت سمع وبصر نظام الحكم لأول مرة عام 1972 حينـما أحرقت جمعية الكتاب المقدس في الخانكة بعد تدشينها وإقامة الصلاة فيها، فدعا البابا شنودة إلى إقامة الصلاة في موقع الحادث بحضور عشرات الرهبان مما شكل انعطافة في العلاقة بين الحكم والكنيسة القبطية أوصلت البابا شنودة أخيرا إلى تحديد إقامته في دير النطرون في 5 أيلول (سبتمر) 1981. ومنذ ذلك الحادث كل ما تقدمه الحكومة هو الحل الأمني: التحقيق، الاعتقالات، الهراوة والنبوت، إطلاق أيادي قوات الأمن، بالضبط كما تعامل كافة الاحتجاجات والمظاهرات من أية جهة كانت سواء إسلامية أو عمالية أو طلابية أو نقابية أو إعلامية.

الحل يكمن في المواطنة الكاملة وارتباط الوطني بالقومي

إن الدولة مسؤولة، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن شيوع مناخ التعصب والكراهية والطائفية البغيضة والأفكار الظلامية والفتاوى التي تحرم معاملة "الكفار" وطرح السلام عليهم ومشاركتهم مناسباتهم وتحليل أموالهم، وتفتيت مكونات الوطن والتمييز بين مصري وآخر بسبب الدين والمعتقد. ولا يمكن الخروج من هذا المستنقع إلا بالتصدي لجذور المشكلة والعمل بشكل واع ومستدام على بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على سيادة القانون والمساواة التامة في الحقوق والواجبات وحرية الدين والعقيدة وممارسة الشعائر دون تدخل من أحد.

الحل يبدأ بإدخال تعديلات دستورية أساسية تعمل على بناء المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بعيدا عن التمييز وخاصة فيما يتعلق بحرية الدين والمعتقد، وفي هذا الخصوص نرى ضرورة إلغاء بند الديانة في الأوراق الرسمية لتعزيز المساواة. والحل الجذري يبدأ بتوحيد القانون المتعلق بدور العبادة دون استثناء ومعاملة أبناء الوطن بنفس المسطرة دون تفريق قائم على العرق أو الدين أو اللغة أو الموقع الاجتماعي. الحل يبدأ من إعادة النظر فيما يدرس في المدارس وتنقية المناهج من كل ما يتعارض مع مفاهيم التسامح وبناء المواطنة المتساوية بين كل أبناء الوطن. والحل يبدأ ببناء دولة الحريات العامة من حرية التعبير إلى حرية التجمع ومن حرية الدين والمعتقد إلى حرية الدخول في الأحزاب السياسية، ومن حرية بناء منظمات المجتمع المدني إلى حرية الانتخاب وتداول السلطة لا احتكارها، وإعطاء الحق لكل الشعب باختيار حكومته لا ترتيب البلد لنظام توريث يحول الجمهورية إلى ملكية وراثية. الحل يبدأ عندما تصبح المنافسة لاحتلال المواقع والمناصب والمسؤوليات مبنية على الكفاءة والخبرة والمعرفة والمهارات لا بناءً على الواسطة والرشوة واستخدام عصا الأمن والتهديد والابتزاز. والحل يبدأ من الاستخدام الواعي لوسائل الإعلام المسؤولة التي تحرض على بناء المواطنة الصالحة التي تضع الوطني فوق الفـئوي والقومي فوق القطري والهم العام قبل الهم الطائفي والعرقي والديني. والحل يبدأ من تجديد الخطاب الديني المسيحي والإسلامي الذي يؤكد على مبادئ التسامح وقبول الآخر واحترامه وإعلاء مفهوم التعددية ونبذ التعصب واحتكار الحقيقية وإشهار سلاح التكفير.

البداية يجب أن تكون اليوم لا غدا. فلو قامت الحكومة بواجبها بعد حادث الخانكة عام 1972 لما حدثت اشتباكات الزاوية الحمراء عام 1981، ولو تعاملت الحكومة مع تلك الأحداث بحكمة لما وقعت أحداث نجع حمادي عام 1997 والكشح في سوهاج 1998 ونجع حمادي مرة أخرى في كانون الثاني (يناير) 2010 ولو بدأت تلك الإجراءات مبكرا لما وقعت عشرات الحوادث التي أوصلت الاحتقان إلى حادثة كنيسة القديسين بالاسكندرية.

الحل الجذري، يا أبناء مصر العظيمة يكون ببناء دولة عصرية مستفيدة من تاريخ عظيم وتجربة غنية في بناء الدولة المدنية التي بدأت في عهد محمد علي عام 1805 وصولا إلى دستور عام 1923 والذي نصت فيه المادة (12) على حرية الاعتقاد المطلقة والمادة (14) ‏ على أن حرية الرأي مكفولة وأن المصريين لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة‏، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين‏.‏ فإذا كانت الدولة عاجزة عن صياغة دستور حديث يعكس مفهوم المواطنة الراقية فليستأذنوا القائد التاريخي سعد زغلول باستعارة بعض من بنود دستور 1923.

عبد الحميد صيامأمريكا
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في منطقة نيويورك

Copyright © 2011 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق