أين ذهبت آثار العراق؟ - أهلاً العربية

أين ذهبت آثار العراق؟

بقلم/
مصر : ۲۳-۱۲-۲۰۱۰ - ۷:۵۰ ص - نشر

جاء الاحتلال الأمريكي ومعه كل صنوف الموبقات لأرض الرافدين، يستنزف ثرواته، ويسلب أهله حريتهم، ويشعل نار الفتنة فيما بينهم، ويزكي فرقتهم ويتصدى لمحاولات توحدهم، يشرد أطفالهم ويرمل نساءهم ويقتل رجالهم، ويسرق تاريخهم، ويدمر تراثهم، ويطمس هويتهم الوطنية.

فمنذ بداية دخول القوات الأمريكية لبغداد، تعرض المتحف الوطني في بغداد لأكبر عمليات نهب وسرقة، لتضيع آلاف القطع الأثرية النادرة، رغم تحذيرات بعض خبراء البنتاجون، قبل غزو العراق بشهرين، من إمكانية نهب المتحف بعد توقف إطلاق النار. وهو ما حدث في الفوضى التي أعقبت حرب تحرير الكويت عام 1991.

15 ألف قطعة أثرية

ولم يقتصر الأمر على العاصمة، بل أمتد إلى معظم المواقع الأثرية العراقية الأخرى، لتأخذ نصيبها من عمليات النهب، في ظل عدم اكتراث قوات الاحتلال بما يجري من سرقة التراث العراقي، واهتمامها بما تسمية محاربة المتمردين العراقيين، لتشير تقديرات إلى أنه تم تهريب ما يزيد على 15 ألف قطعة أثرية، منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وتم استرجاع 5 آلاف قطعة أثرية منها فقط.

ولا شك أن عمليات سرقة وتهريب الآثار العراقية مازالت مستمرة حتى الآن، حيث حذر مؤخراً عدد من خبراء مصلحة الآثار العراقية من استمرار نهب الآثار العراقية من قبل لصوص الآثار الذين يسطون على المواقع الأثرية لتهريبها خارج العراق لبيعها.

وبطبيعة الحال تتحمل قوات الاحتلال الأمريكي مسئولية سرقة واستعادة التراث الحضاري المسروق، لكنها لا تعترف بحجم هذه الكارثة، وتزعم أن قواتها حاولت وقف عمليات النهب الجارية للآثار العراقية، وأدعت أنها تمكنت من استعادة آلاف قطع أثرية اختفت من متحف بغداد.

وعلى النقيض تعترف السلطات العسكرية الأميركية أن قواتها لا تملك طريقة منتظمة لإجراء تحقيقات حول القطع المسروقة، وتدعي بالقول أنه وسط التمرد الجاري الآن لا يمكن للقوات العراقية أو الأمريكية تبرير استخدام موارد بشرية نادرة لحراسة المواقع في الريف، كما يؤكد مسؤول أمريكي إن هناك صعوبة في استعادة الآثار التي تم نهبها من مواقع أثرية تعود معظمها إلي العهد السومري والبابلي.

ومن جانبه قدر ماثيو بوغدانوس، العقيد السابق بسلاح البحرية الأمريكية، والذي كان مسؤولا عن استعادة كنوز المتحف في الستة اشهر التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، عدد الأعمال المسروقة بـ 14 ألف قطعة، تم استعادة 5500 منها فقط.

جهود متواضعة

ورغم تشكيل العراق، بمساعدة اليونسكو، قوة متخصصة قوامها 1400 عنصراً لحماية المواقع الأثرية، لكنها غير كافية بالنظر إلى أن العراق يمتلك ما يزيد على 12 ألفا موقعاً أثرياً، كما أن بعض القطع التي نهبت منذ عام 2003 مدرجة على لائحة حمراء وضعها الانتربول والمجلس الدولي للمتاحف في السنة نفسها، لكن الاتجار بها لا يزال مزدهرا ولا سيما عبر الإنترنت، حسب تأكيدات المديرة العامة المساعدة لشؤون الثقافة في اليونسكو فرنسواز ريفيير.

وأشارت المسئولة الدولية إلى أن الوضع الامنى والسياسي أدى إلى إهمال مسألة التراث لكن يجب التحرك "ما دام الأمر لا يزال ممكنا"، ودعت في الوقت نفسه الدول الغربية إلى تجميد الاتجار بكل القطع التي مصدرها العراق.

ومن جانبه أوضح مدير التنقيب في وزارة الثقافة العراقية قائلاً "إننا نواجه تحديا كبيرا جدا للمحافظة على مواقعنا من النهب"، مشيراً إلى أن "إجراءات عدة اتخذت لكنها تبقى متواضعة جدا"، مضيفا "نحيل على المحاكم الذين يلقى القبض عليهم وهم ينهبون ونؤمن الحراسة في المواقع المهددة"، وشدد على إنها "إجراءات صغيرة" مقارنة بحجم عمليات النهب، وأن العراق يواجه "مخططا عدائيا جدا من قبل المتاجرين بالأعمال الفنية".

قوات الاحتلال

وعن الجهات التي تقف وراء عمليات سرقة الآثار المستمرة، تتهم جهات عراقية عديدة قوات الاحتلال الإنجلو أمريكي بالاعتداء على الآثار وسرقتها وبيعها في الأسواق الأوروبية والأمريكية، وهذه العناصر مرتبطة بمافيا دولية تخطط لاخراج اكبر قدر ممكن من هذه الآثار لبيعها في الأسواق العالمية.

ولعل ما يؤكد هذا الاتهام صدور المرسوم البريطاني عام 2003 ، والذي يترك للتاجر مسؤولية تأكيد أن القطعة الفنية غير مسروقة، كما رفعت الولايات المتحدة العقوبات التجارية العامة التي فرضتها على العراق بعد حرب 1991، ولكن تركتها سارية المفعول بالنسبة للملكية الثقافية، ويعني ذلك أن آثار العراق من السهولة تداولها في الأسواق الأمريكية والبريطانية.

وفي السياق ذاته يؤكد الدكتور دوني جورج الرئيس السابق للهيئة العامة للآثار والتراث في العراق أن المعلومات التي تناقلتها بعض الدوائر في الغرب قبل سنة من الغزو على أقل تقدير تؤكد أن أكبر عملية سطو ثقافي في التاريخ لم تكن مصادفة على الاطلاق، خصوصا في ظل التصريحات العلنية التي كانت تقول بضرورة تجريد العراق من تركته الهائلة تلك دفعة واحدة، حتى أن بعض الشخصيات المتابعة لهذا الموضوع أعلنت عن تحضرها للقدوم مع الغزو من أجل الحصول على قطع أثرية محددة من المتحف العراقي!!

ويشير عالم الآثار إلى أنه لم تكن الاتفاقيات الدولية كافية لحماية المتحف العراقي من الاستباحة والتدمير، بل أن علميات القصف المتعمد للمواقع الأثرية وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية، كانت تشير بوضوح إلى طبيعة هذه الحرب وأهدافها رغم كل التبريرات التي قيلت عن وجود لصوص ليسوا معروفين قاموا بهذا العمل أو عدم وجود أوامر واضحة بالدفاع عن المتحف وآثاره ضد أي اعتداء، فالذين قاموا بهذا العمل كانوا يدركون جيدا ماذا يفعلون ويبدو انهم كانوا يملكون مخططات مفصلة للمبنى ومخازن الآثار وأماكن القطع الثمينة حيث استخدموا الممرات والأبواب عن دراية تامة وكانوا مزودين بالمعدات وآلات قطع الزجاج الكبيرة وكل التسهيلات التي تكفل نقل القطع المطلوبة بالسرعة القصوى.

وتشير تقارير عدة إلى أن عمليات السرقة لم تشمل المتاحف فقط وانما آلاف المواقع الأثرية التي تنتشر في أنحاء العراق والتي هرب معظم حراسها بعد سقوط النظام السابق والقسم الآخر انسحب خوفا من التهديدات التي أطلقتها العصابات الإجرامية، ومازال إلى الآن عدد كبير من المواقع الأثرية يعاني من الإهمال بل إن القوات الأمريكية خربت عدد من هذه المواقع بعد أن اجتاحتها بعجلاتها المصفحة واخطر ما قامت به هو حفر خندق عسكري في موقع آثار الضباعي وهذا اثر على الموقع وجعله مهدد بالاندثار.

أي أن عملية سرقة التراث الثقافي والحضاري كانت عملية مخطط لها قبل الغزو، مثلها مثل الإطاحة بالنظام العراقي السابق وإحكام السيطرة على موارده النفطية وتقسيمه إلى دويلات منفصلة، أي أنه ليست عملية اعتباطية، بل إستراتيجية أمريكية محكمة المعالم والأركان والأهداف، تقضي بتدمير كل الدولة العراقية من شتى الجوانب.

إلا أنه لا بد من التأكيد على أن مسؤولية حماية هذه الآثار تقع على عاتق الحكومة العراقية ووزارة الثقافة والأثريين والمؤرخين والمفكرين والأعلام والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو مع مشاركة دول الجوار بمراقبة حدودها، لاستعادة هذه الكنوز العراقية، التي تعد من اقدم الحضارات التي عرفها الإنسان، وأن هذه الكنوز التاريخية توثق المراحل التاريخية والمملكات التي شهدها بلاد الرافدين مثل أشور وسومر وغيرها.

أحمد حسين الشيمي مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق