الحرية والنصف الآخر - أهلاً العربية

الحرية والنصف الآخر

بقلم/
مصر : ٤-۱۱-۲۰۱۰ - ۷:۰۰ ص - نشر

أعلم أنك هنا وأنك لست مجرد خيال أو أضغاث أحلام، أعلم أنك موجودة بل وأشعر بك حولي، يلازمني خيالك تلاحقني خطواتك، وينفذ إلى خلايا رئتاي عبيرك، أعلم أنك تحيطين بي توقظينني بأنفاسك وتنيميني بإحساسك وتجتاحينني في فراغي وسكوني وتشملينني كليا، أعلم تماما كل صفاتك كما ستكونين عليها وكما تخيلتك دوما.

فستكونين هادئة كالنسيم وديعة كالزهر نقية كالمطر عذبة كالماء، ساحرة مثل ليلة صيف رائعة، دافئة كنهار شتاء صحو، أو غامضة كالأعماق بل واضحة كالشمس وأملا كالأفق عالية كالنجوم، أعلم أنك حقيقية واقع بكل هذه الصفات وأنك لي بروحك الملائكية وكيانك الآدمي وهيئتك الرقيقة وملامحك الجميلة وعبيرك الندي وجاذبيتك الطبيعية وأنوثتك المكنونة وآدميتك التي طالما افتقدتها في خضم زيف هذا العالم.

كل الدلائل تؤكد وجودك وتؤيد تحققك، أما آن الأوان للقاءنا معا ولاجتماعنا سويا، نحن الاثنان فقط أنت وأنا، أنت وليس سواك أو غيرك، فلقد حرمت على نفسي بني جنسك لتنعمي بعذرية قلبي ولترتوي من بكر حبي، هيا نتلاقى ونتعانق ونذوب عشقا وغراما، هيا لنرتقي سلم السماء فليس لنا بين البشر مكانا، أعلم أنك نصفي الآخر ولا توجد أي حيلة في حرية اختيارك أو في نفخ الروح لهذا الخيال الراسخ في باطن الشعور، أعلم أن حريتي محدودة جدا  وليست طليقة، ومنذ متى وهذه الحرية مطلقة في أن تفعل ما تشاء وفي أي وقت تشاء، تهدى نفسها لمن تشاء وتحجب نفسها عمن تشاء، فإذا كانت الحرية نفسها ليست حرة، فهل سأكون أنا حرا في حريتي.

يسن المسئولون القوانين ويحفظوها في بنود ويعمل المستشارون على تدوين الشرائع في سجلات وغير ذلك من أساليب ومجهودات حفاظا على الحريات جميعها، سواء كانت حريات أفراد كالأرواح والعقائد والأملاك أو مجتمعات، كسيادة الدولة والحدود الفاصلة، وتقام حروب ضروس بين دول وأخرى لمدد كبيرة ولسنين عديدة، إما للوثوب على حريات آخرين أو للنضال للحصول على حريات مسلوبة، والثمن دوما فادح، فعملات الحرية لا تقيم بنفس القيمة العددية أو الرقمية للعملات المتعارف عليها في هذا العالم، ولكن سوق تداولها يقاس بالعمر والدم.

ولشدة بهظ ثمن الحرية لا يقام لها المزادات المحلية أو الدولية، ولا تطرح أسهم اكتتابها في أي صورة سواء عامة أو خاصة ولا يتم الحصول على أصول ملكيتها وسندات امتلاكها، إلا بعد نقش أسماء مستحقيها ومريديها على أوراق الإنسانية كلها وبشهادة الزمن والتاريخ، ثم لتحفظ في خزانة الدنيا بأسرها، وذلك لحين إشعار آخر، يا للعجب، كم غالية الحرية وكم تشغل محبتها من الصدور والقلوب، هي حقا تاج، بل هي لؤلؤة مرفوعة أعلى تاج، موضوع على رؤوس الناس لا يشعر به إلا الأسرى، أو معدومي الحرية، فيعانون الوهن والضعف ويفتقدون ترياق الحياة، فينكسرون واقفين ويتحطمون مجتمعين، تراهم ما عادوا يبصرون ولو أمعنوا النظر، تراهم ما عادوا يبتهجون ولو ملأوا أفواههم ضحكا، تراهم بلا إرادة فحينما يفقد الإنسان حريته تهون عليه نفسه التي بين جنبيه، وإن أُعطى كل ترف في الحياة.

إن حريتك في أن تتخذ قرارا ما، لهي نعمة كبير تستحق الحمد والشكر، وإن تجردت من حولك كل أسباب الضغط وظروف الإجبار لاختيار شيئا ما بعينه، فبناء عليه تكون على حريتك في الاختيار لهو فضل كبير ومنة تستوجب منك الحمد و الشكر، حريتك في أن تحلم بكل ما يدور بداخلك ليس من باب محض الخيال ولكنها أماني تتقافز بداخلك وتستمر في النمو حتى توضع محل التنفيذ.

وإذا كان في نفس كل منا خيال لنصفه الآخر، يحدده بحرية نفسه وهواه، ويحشد بداخله كل الذي يتمناه ويطلبه، بل ويجمل صورة هذا النصف لحد إشباع نفسه منه، فلما لا نجعل من الحرية ذاتها نصفنا الآخر جميعا، فنحدد ملامح حريتنا بأيدينا وعقولنا، نتجمل فيها كما يتجمل أرق شاعر في محبوبته، ونتأمل فيها كما تتأمل أعمق نظرة من عيون محبوبة لحبيبها، نقدرها حق تقديرها، كما نقدر انتظارنا للشريك أو للنصف الآخر.

كما انتظار المجتهد لنصفه الآخر وهو النجاح، كما ترقب المقاتل لنصفه الآخر وهو النصر، كما انتظار النساء للنصف الآخر وهو الأمان، مثلما انتظار الإنسان للحرية، وفي حريتنا مكمن قوتنا فإن أراد معتدي أن يقهرنا، فسيفكر ألف مرة لكي يتحدى جبهاتنا، وأولى لنا فأولى ألا نكون أحرارا مشتتين، فلنكن أحرارا مجتمعين، ففي حريتنا قوة ما بعدها قوة وفي اتحادنا الأمن والأمان فليكن الإتحاد هو النصف الآخر لعروبتنا، فهي الأمنية التي يتوجب علينا أن نزينها بداخلنا لأقصى مدى، ونعمل جاهدين ومتحدين على تحقيقها.

صلاح عبد الله الباشا الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق