شهر رمضان.. دروس وعبر - الجزء الثالث - أهلاً العربية

شهر رمضان.. دروس وعبر – الجزء الثالث

بقلم/
مصر : ۲٤-۸-۲۰۱۰ - ۱۰:۰۹ م - نشر

الإخلاص

تحدثنا عن العديد من الدروس التي يعلمنا إياها شهر رمضان المبارك، فلقد أبحرنا في معاني المساواة ومعاني الصفح الجميل وكذلك تحدثنا عن تبدل وتغير الأحوال وكذلك عن المحافظة على الأمانة. في هذا المقال نستكمل الدروس والعبر المستفادة من هذا الشهر الكريم وننتقل إلى درس أخر وقيمة أخرى وهى درس الإخلاص في العمل.

الإخلاص في العمل من اخطر الدروس التي يعلمنا إياها ذلك الشهر الكريم فنجد أن الصوم هو العمل الوحيد الذي أختصه الله باجره ولم يخبرنا بأجره فكلنا نعرف أجر الصلاة والزكاة والصدقة والحج ولكننا لا نعلم أجر الصوم فنجد أن الله سبحانه وتعالى أخفى أجر الصوم لعظم هذا العمل وقيمته، فعن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [رواه الإمام البخاري في صحيحة‏]. فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال، وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد.

واختلف العلماء في سبب إخفاء أجر الصوم فمنهم من قال إنه العمل الوحيد الذي لا يدخله الرياء بل انه عمل لا يتم إلا بالإخلاص فقد نصلى رياء الناس وكذلك قد نتصدق من اجل الناس إلا الصوم فأنه عمل بين العبد وربه فيمكنك أن تخفى إفطارك ولا يعلمه أحد لذلك نجد أن الإخلاص هو الذي رفع شأن الصوم وأعلى مكانته.

لذلك اخترت إن أتحدث عن الإخلاص ونتعلم كيف نحن قد فرطنا كثيراً في قيمة كبيرة يعلمنا إياها ديننا الحنيف ونحن غافلون عنها في الوقت ذاته تحرص الشعوب الأخرى غير المسلمة على هذه القيمة فنجد حياتهم كلها إخلاص، أخلاص في العمل وإخلاص في المعاملة وإخلاص في شتى مجالات الحياة لذلك نجدهم قد تقدموا ونحن نتقهقر عن الدرب لأننا فرطنا في قيم ديننا وخصوصاً قيمة الإخلاص.

وليس غريباً عندما نعلم أن شرط قبول الأعمال الصالحة في الإسلام هو وجود الإخلاص فيها فقد قال الله تعالى :{ وما أُمروا إلا ليعبدوا اللهَ مخلصينَ لهُ الدينَ حنفاءَ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاةَ وذلكَ دينُ القيّمة } سورة البيّنة/5، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه قيل: وما إتقانه يا رسول الله؟ قال: يخلصه من الرياء والبدعة".

ونتعجب كثيراً ونحن نرى حالنا ولقد نسينا معنى الإخلاص في حياتنا وفى معاملاتنا وتحولت الفرائض الدينية إلى حركات ومعاملاتنا اليومية إلى نظرية الشطارة فبدلنا أحوالنا وغلب على أعمالنا طابع الرياء فأصبحنا أناس متاجرين في الدين نزعم أننا مصلون ونسينا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فتحولت الصلاة لدينا إلى حركات فقط فمن منا قال أرحنا بها يا بلال بل كلنا نسال الإمام التخفيف ونبحث عن المساجد التي تنهى الصلاة أسرع فقدنا الإخلاص في الصلاة ففقدنا حلاوة الصلاة وحرمنا منها.

أما عن الصدقة والزكاة كثيراً منا لا يحسنها فمنا من يخرجها رياء الناس حتى يقولوا عليه أنه منفق أو رجل صالح ونسينا أن الصدقة يجب ألا يتبعها أذى ولا يعلمها أحد حتى أن شمالك لا تعلم ما أنفقت يمينك فغاب الإخلاص في الصدقة فخسرنا تجارتنا مع الله فعندما ننظر إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ) فنجد أن أموالنا نقصت ونتساءل لماذا؟ والإجابة تكون لأننا فقدنا الإخلاص فلم نستحق المتاجرة مع الله فخسرنا تجارتنا مع الله.

حتى في إعمالنا الدنيويه فقدنا الإخلاص، فيها فأصبحنا نتطلع إلى أموال لا نستحقها لأننا لم نخلص العمل من اجلها ففقدت الفلوس بركتها وأصابنا الله بالغلاء وسلط الله بعضنا على بعض وأصبحنا نشتكى من الضنك والضيق في الرزق فعندما فقدنا الإخلاص في أعمالنا فقدنا حلاوة الرزق وبركته.

كما فقدنا الإخلاص في معاملاتنا مع الآخرين فأصبحنا ننافق فلان لأنه ذو سلطة ولا نزور فلان لأنه فقير ونسأل على فلان لان لديه مال وهكذا حتى فقدنا حلاوة العيش وأصبحنا مجتمع خاو من الحب فعندما فقدنا الإخلاص بيننا وبين الآخرين حرمنا لذة الحب والود والتعاون فأصبحنا أشباح تسير في الطرقات وأجسادنا خاوية من الحياة والحب.

نحن فقدنا كل شيء جميل عندما فقدنا الإخلاص، فقدنا حب الله ولذة العيش وحب الآخرين لأننا فقدنا قيمة الإخلاص في حياتنا.

قال ابن القيم: "الإخلاص والتوحيد شجرة في القلب؛ فروعها الأعمال، وثمرها طِـيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك".

انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم كيف فتح الله لهم البلاد، حتى بلغوا في سنوات قليلة حدود الصين شرقاً والأندلس غرباً، والقسطنطينية شمالاً، مع أنهم لم يكن لهم من عدة الحروب وعتادها ما كان للفرس والروم، ولم تكن القوة بينهم وبين عدوهم متكافئة، فعدوهم كان يملك أضعاف ما يملكون من قوة بشرية وحربية؛ ولكن لأنهم أسسوا حركتهم في نشر الإسلام على الإخلاص، وأقاموها على فقه الإعداد والتوكل، تحقق على أيديهم النصر المنشود.

والإخلاص في أعمالنا وجهودنا هو الضمان الوحيد لتحقيق الوحدة، وهو الأساس الذي ينبغي لنا أن تكون أخوتنا وعلاقتنا وصداقتنا مبنـيّة عليه، بدءاً من مستوى الدول حتى مستوى العلاقة بين فئات الأمة من علماء ودعاة وقادة. وتخيّل لو أن المسلمين بمختلف تياراتهم واتجاهاتهم أخلصوا لله تعالى في العمل على الوحدة والترابط، ولم يكن من وراء أعمالهم وجهودهم إلا تحقيق مراد الله وطلب رضاه؛ كيف ستكون الوحدة أسهل تحقيقاً، وأقوى رابطة، وأشد أواصر، وأنجح في إذابة الخلافات وتطهير القلوب من الشحناء.

فبالإخلاص تتحقق الوحدة المنشودة بين العرب والمسلمين، نسال الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل بإذن الله.

والى لقاء في العدد القادم وقيمة أخرى ودرس جديد من دروس شهر رمضان الكريم أعاده الله علينا وعليكم وعلى الأمة الإسلامية باليمن والبركات. أمين..

كريم صابر الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق