الكتاب العربي في السوق الثقافية - أهلاً العربية

الكتاب العربي في السوق الثقافية

بقلم/
مصر : ۲۱-۷-۲۰۱۰ - ۱:۵۵ م - نشر

الكتاب العربي في السوق الثقافية: بين أزمات التوصّيف و حساسية التطبيق.

لم يتوقف الإنتاج الأدبي العربي يوماً عن التدفق في طريق المجهول و كثر هم المثقفون والكتاب الذين أخرجوا متقنات دونما تخطيط لمستقبل المنتج من شعر أو رواية او كتب أدبية و نقدية و أعني مستقبلها بين أيدي قارئيها و ليس مقتنيها، مما يبدو أن الكثير منهم لم يجرؤ على تخيل مسيرة حياة كتابه في زحمة السوق الثقافية و تنوع المستويات و تنافس المادة المرئية مع الكلمة المنسية على أحد السطور و كل ما يواجه الكتاب من أزمات طال الحديث عنها في الآونة الخيرة.

قد يكون الحديث بات قديماً و فقيراً للإضافات ضمن ملف القراءة و الكتب و تراجع الثقافة المكتوبة و نوعية الكتب المعروضة للجيل الصاعد أو حتى في تقييم الإبداعات الجديدة لأسماء معروفة لكن الملفت أن ساكناً لم يتحرك و ما زلنا مستمرين في تقديم الشكاوي النقدية في الصحف و في أي ملتقى فكري ثقافي يحاول الترويج للقراءة كمهنة أبدية للبشر و أثناء ذلك ما زال المنتج العربي في تزايد بكافة مستوياته و تصنيفاته و ما زال بعض الكتاب يراوح بين عدد من دور النشر دون أن يتيح لنفسه الفرصة بالهروب منها إلى متطلبات الواقع الفكري و الثقافي، و تتيح لنا المعطيات هنا بالتساءل عن جدوى تقويض المنتج الجديد و سيسرته باتجاه جمهور محدد؟ أم نبقى على أمل أن يلفت عنوان موجه نظر أحد المارين من أصحاب الخبرة في معارض الكتاب و سيكرر هذا الأخير في قرارة نفسه مراراً بعد تصفح طويل لمضمون الصفحات هل أنا حقاً القارئ المطلوب أو بعبارة أخرى هل يقدم لي هذا المنتج المستوى المطلوب؟ و لعله سيكتفي بالجرعة الخفيفة من الثقافة التي نالها بالإطلاع على الفكرة بشكل عام و ليسرع بعده القارئ المقصود في مبادرة جريئة لشراء الكتاب.

لطالما كان الإختلاف من حيث تداول الثقافة في البلدان العربية أمراً واقعياً جداً و مفهوما على الرغم من إتسام جميع المثقفين العرب بصفات متشابهة تقريباً إذ أن العادات الثقافية التي تتباين تبعاً لتأثر المثقف بمناخه الإجتماعي و الاقتصادي و الثقافي السائد تخلق تنوعاً في التفاصيل التي ترسم ملامح الكاتب أو الشاعر و تشق مشواره الأدبي، لكن مع إلتصاق خط سيره بمهنة الإبداع و التي إحترفها العربي ضمن هذه المجلات تترك في السوق الثقافي في جميع الدول العربية منتجاً واحداً لجمهور واحد او هكذا من المفترض أن يكون.

معطيات الواقع اليوم إختارت طريقاً آخر للتعبير عن نفسها من خلال الأرقام، ففي معظم التحقيقات الصحفية التي قصدت دراسة إستراتيجية الكتاب و موقعه اليوم في الخارطة الثقافية أو حتى في مراجعات جرد جذرية لأهم المكتبات الضخمة، تقدم إحصائيات بأرقام كبيرة عن وارد مبيعات الكتب و تعرض جداول موثقة بالمردود الضخم الذي تقدمه كمشروع تجاري، و رب قائل يفرض نظريته بأهمية ما سبق للتعرف على مستقبلية الإنتاج الفكري و دورها في المجتمع المثقف و عندما تقدم الإحصائيات تزايد مضطرد في نسب بيع كتيبات الفلك و توصيف الأمراض النفسية و الأدعية الدينية فأيما ثقافة اليوم التي باتت مشروعاً مربحاً؟

ماتت الأدبيات و مات معها المحرك الشخصي في الكتابة و البحث و لم يتبق سوى هاجس بالمزيد من السطور و الكلمات، المزيد من الجداول و الأرقام و المزيد من الحظ و الأدعية، و جاء هذا النتاج الجديد ليكون مادة رفوف السوق العربية التي تمخضت عن ذلك التنوع في المناخات الثقافية السياسية الإقتصادية مجرد أيقونات توحد تفاصيل إختلاف العادات الثقافية العربية؟

قد يرى في حديثي بعض النقاد تطرفاً لتيار يوصّف الثقافة العربية في مختلف بلدانها بنظرة متشائمة و يعزيه لمرحلة الحداثة التي لم تحقق مطالبها و لم تجب على أسئلتها، ذلك المفهوم الذي إغتصب الثقافة يوماً فخرجت سلعة مفبركة كمضمونها، ضالة كروادها، إلا أنه بعيد كل البعد عما نحن فيه خاصة و أننا في ما بين أيدينا ننعي ما بعد الحداثة و الحداثة نفسها لإستقبال شكل آخرمن أنواع الثقافة، ويجاريني أحدهم فيقول: إن في كتب التاريخ مسرحاً للضائع في أروقة الفراغ و في الشعر مرتعاً لأصحاب الذوق الغريب و العلوم غاية لذوي التخصص المجهدين و الرواية صنعت لفريق الحالمين أما النقد فللمتجلدين على الموهبة، و أين القارئ؟

أصبحنا مطالبين بمثقف قارئ يضمن إستكمال حياة المنتج الفكري خارج خطوط المكتبات المنتصبة، و يتيح للتاريخ و الشعر و النقد و الرواية و العلوم بممارسة دورها و إعادة هيكلة النسيج الثقافي في شخصية الفرد، أصبحنا مطالبين بجدية القادر على مجاراة الفائض عند فئة إنتاج "المزيد" لإلتهام الغث و السمين مقاوماً الضياع في متاهات التصنيف و التقييم لإستكمال النسيج الثقافي على الصعيد الشخصي، أو أصبحنا مطالبين "بالمسحتيل" ضمن الشروط السابقة ضمن مجتمعنا الحالي الذي يفتقد توصيف المثقف كجامع للقيمة الفكرية الأدبية العلمية مهتماً بتطبيقاتها الفعلية ضمن المعطيات المتوفرة، مقتنيها في شوارع و أحياء المدن كما في أكاديمياتها و قصورها؛ في حين يغيب عن بالنا حتى أن نقونن ذلك "المزيد" الغير مبرر ليكون لدينا متسع من الطاقة لإنتاج المستحيل نفسه و الذي سيحل فوضى الإنتاج الفكري العربي.

و هل سنعيش في حلقة مفرغة إذا تساءلنا عن إنتاج المطلب المذكور ضمن مؤهلات مجتمعنا الثقافي و الفكري و الإجتماعي؟ و هل هي حقاً الطريقة الوحيدة لتنظيم فوضى الكتابة و ما يسمى بالإبداع في الإنتاج الفكري الأدبي الثقافي العربي؟ وجهات نظر كثيرة ستختلف في تقديم إجاباتها تبعاً لمواقفها الأدبية و تقييماتها و مستوى ثقافتها، لكني أجد في ذلك باب أمل جديد في الإنتقال لمستوى آخر من الأزمات الثقافية و هو موجودية " الحوار" و الذي يؤسس له الكتاب بالدرجة الأولى كأهم مقوماته و يقدم سؤال كهذا محرضاً أساسياً لنموه.

هنادي دوارة الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

6 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق