صحيح البخاري و بيت العنكبوت - المقال الأول - أهلاً العربية

صحيح البخاري و بيت العنكبوت – المقال الأول

بقلم/
مصر : ۷-۷-۲۰۱۰ - ۳:٤۸ م - نشر

"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" هذه الجملة أصدق تعبير يمكن أن يقال عن الأزمة الدائرة رحاها فى مصر حالياً بين تيارين لكل منهما توجه فكري مختلف. التيار الأول مع صدق كل كلمة وردت فى "صحيح البخاري" لدرجة تدفعه للقدسية و البعد تماماً عن الخطأ. التيار الثانى يرى أن "صحيح البخارى" ليس مقدساً و به عوار واضح يجب أن يتم تنقيته. وبين التيارين تتوه الحقائق و يتفرق الجميع.

هنا ننفرد بنشر مبعث الأزمة على حلقات، فبداية هذه الأزمة كانت مع كتاب للدكتور أحمد راسم النفيس الزعيم الشيعي المعروف، الذى يعتبره معظم شيعة مصر مرجعا لهم و فقيها. النفيس فجر الأوضاع مجددا بكتاب يحمل عنوان "بيت العنكبوت" صدر مؤخرا. و في كتابه يؤكد النفيس أن "صحيح البخارى" تحول إلـى"تابوه" و يطرح طرحا علميا جديدا مطالباً بمراجعة ما ورد بهذا الكتاب.

أهــلاً ننفرد بنشر أخطر ما ورد بهذا الكتاب على حلقات نصا من مؤلفه لأنه لا يحتمل التحريف أو التدخل لخطورة ما ورد به. يقول النفيس فى كتابه:

يمتاز بيت العنكبوت بصفتين:

الصفة الأولى: هي بناءه الضعيف الذي يمكن له أن ينهار لدى أول هبة ريح تطاله فتجعل منه أثرا بعد عين.

الصفة الثانية: هي إفتقاده لنقطة البدء والمنتهى, فلا يمكن للمتأمل فيه و في أحواله أن يعرف أين و كيف بدأ و لا كيف ينتهي.

هكذا يحدث عندما تتشابك الخيوط و تطلسم الطلاسم فيختلط الحابل بالنابل و يخفى على المرء وجه الخطأ و الصواب و الحق و الباطل. البناء الفقهي و العقائدي لا بد له أن يكون واضحا صافيا لا مجال فيه لهذه الدرجة من التخبط و الإرتباك بحيث لا يعرف الناس وجه الخطأ من الصواب و لا أين يقع الحلال أو الحرام كما هو حالنا الآن.

القابضون على أعناق المسلمين المتحكمون في مصائرهم يسعدهم و يرضيهم هذا الحال، بل و يمكننا أن نزعم أنهم هم من أنشأه و أسس له ليبقى الدين كله حمال أوجه تقول و يقولون!!.  قالوا و ما أكثر ما قالوا!! أنهم يرغبون في إعادة إنتاج خطاب ديني معاصر ينبذ العنف و الإرهاب و يؤسس لحرية الفكر و إحترام حقوق الإنسان في حين يشهد و اقعنا المعاصر على عكس ذلك!!

لهذه الأسباب قررنا أن نفتح باب النقاش حول أحد "التابوهات" الموروثة في ثقافتنا و القائلة بأن البخاري و مسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله عز و جل و أن من يتجرأ على مناقشة هذه الحتمية الوهمية هو منكر للسنة النبوية و منكر السنة زنديق و كافر!!

و قبل أن نخوض هذه الملحمة الفكرية التاريخية التراثية نؤكد على أننا لا ننكر صحة ما ورد في هذه الكتب بصورة مطلقة بل نؤكد على أن هذه الكتب بها الصحيح و الضعيف و بها خلط متعمد أو عشوائي بين ما له أصل و ما ليس له أصل و أن عملية الخلط هذه جاءت في إطار خطة أموية ما زالت متواصلة حتى الآن هدفت إلى إقصاء أئمة أهل البيت عليهم السلام و تقديم (تصور إسلامي بديل) يفسح المجال لهيمنة القوى المتسلطة على رقاب الناس بإسم الدين و الدين منهم و من خلطهم و تلبيسهم براء.

الآن خرج النقاش حول قداسة تلك الكتب المسماة بالصحاح إلى العلن و لم يعد بوسع القوم إعادته مرة أخرى داخل العلبة!!

و رغم أن المسلمين عاشوا أكثر من قرنين من دون هذه الكتب و رغم هذا كان هناك فقه و فقهاء مما يعني أن القداسة الممنوحة لهذه الكتب (لو سلمنا بذلك) ليست أصيلة أصالة القرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

معلوم أن البخاري صاحب أقدس هذه الكتب الذي يُزعم أنه أصح الكتب بعد كتاب الله، قد توفاه الله بعد عام 250هـ ناهيك عن أن أي كتاب لا ينال شهرته إلا بعد سنين أو عقود و ربما بعد قرون فمن حقنا أن نعرف متى و كيف أصبح هذا الكتاب مقدسا و متى نالت هذه الكتب رتبة (أصح الكتب بعد كتاب الله)؟!

بديهية أخرى لا ينتبه إليها القوم الذين يؤمنون إيماناُ جازماً أنهم وضعوا مصائرهم في أيد أمينة لن يهدأ لها بال إلا بعد أن يستقر بهم المطاف في جنات عدن خالدين فيها أبداً و كيف أنهم سيرون بأم أعينهم (منكري البخاري أعداء السنة و الدين و الإسلام و المسلمين من الرافضة في قعر جهنم و هو يقين لا يدانيه إلا يقينهم بأنهم سيرون ربهم يوم القيامة كالبدر لا يضامون في رؤيته)!!  و هي أن الفقه السني أي المذاهب الأربعة قد تأسس قبل أن تصدر الطبعة الأولى من أي من هذه (الصحاح) و أن البخاري قد مات بعد آخر هؤلاء الفقهاء (الشافعي وأحمد بن حنبل) و من ثم فقد أخذ هؤلاء الفقهاء رواياتهم من ذلك الوعاء السائد في تلك المرحلة مثلما أخذ الشيخ البخاري.

المعني أن ظهور (كتب الحديث) تال على ظهور المذاهب الأربعة و ليس سابقا لها و بالتالي فهي لم تكن وقتها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي يمكن وضعه جنبا إلى جنب مع كتاب الله أو لأن القوم (ربما!!) قرروا أخيرا أن يعيدوا فتح باب الإجتهاد و لذا فهم حريصون على توفير المادة الضرورية للقيام بهذه المهمة و هو ما لا يصدقه الواقع و لا نصدقه نحن!!

لا نفهم حتى هذه اللحظة طبيعة المكانة التي قررها القوم لهذه الكتب خاصة و أنهم يعلنون إلتزامهم بالمذاهب الأربعة صباح مساء و لا يبغون عنها حولا و يرونها ركنا ركينا من أركان الدين و الإيمان رغم خلوها المطلق من أي إستناد لهذه الكتب المسماة بالصحاح. المعني أن هذه الكتب تشكل مصدرا موازيا للمذاهب الفقهية الأربعة و لم تكن يوما ما مصدرا لهذه المذاهب.

البخاري معصوم و كتابه مقدس!!

نلاحظ أيضا ظاهرة مثيرة للدهشة و هي أن كتاب البخاري بعد أن تحول إلى (كتاب مقدس) مشابه للقرآن أصبح الملجأ والملاذ الذي تستمطر به الرحمات و تدفع به البلايا وكيد الأعداء!!

ففي سنة 748هـ نزل بمصر و الشام وباء شديد تسبب في موت مئات الآلاف من البشر حيث يروي ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة): فقدم على قاضي القضاة تقي الدين السبكي قاضي دمشق رجل من جبال الروم و أخبر أنه لما وقع الوباء ببلاد الروم رأى في نومه رسول الله صلى الله عليه و سلم فشكا إليه ما نزل بالناس من الفناء فأمره صلى الله عليه و سلم أن يقول لهم‏:‏ اقرأوا سورة نوح ثلاثة آلاف و ثلاثمائة و ستين مرة و إسألوا الله في رفع ما أنتم فيه فعرفهم ذلك فاجتمع الناس في المساجد و فعلوا ما ذكر لهم و تضرعوا إلى الله تعالى و تابوا إليه من ذنوبهم و ذبحوا أبقارًا و أغنامًا كثيرة للفقراء مدة سبعة أيام و الفناء يتناقص كل يوم حتى زال‏.‏ فلما سمع القاضي و النائب ذلك نودي بدمشق بإجتماع الناس بالجامع الأموي فصاروا به جمعاً كبيرا و قرءوا ‏"‏صحيح البخاري‏"‏ في ثلاثة أيام و ثلاث ليال‏.‏ و في شعبان تزايد الوباء بديار مصر و عظم في شهر رمضان و قد دخل فصل الشتاء فرسم بالاجتماع في الجوامع للدعاء‏.‏ و في يوم الجمعة سادس شهر رمضان نودي أن يجتمع الناس بالصناجق الخليفتية و المصاحف عند قبة النصر خارج القاهرة فإجتمع الناس بعامة جوامع مصر و القاهرة و خرج المصريون إلى مصلى خولان بالقرافة و إستمرت قراءة البخاري بالجامع الأزهر و غيره عدة أيام و الناس يدعون إلى الله تعالى و يقنتون في صلواتهم‏.‏

أما الجبرتي فيروي في تاريخه (عجائب الآثار) كيف أن البخاري (الكتاب و ليس الرجل)!! كان الملجأ و الملاذ في مواجهة الغزو الفرنسي لمصر سنة 1798م الموافق لسنة 1213 هـ حيث يقول: (و في يوم الجمعة 29 من محرم إلتقى العسكر المصري مع الفرنسيس فلم تكن إلا ساعة و إنهزم مراد بك و من معه و لم يقع قتال صحيح و إنما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين و إحترقت مراكب مراد بك بما فيها من الجبخانة و الآلات الحربية و المحاربين و تطايروا في الهواء فلما عاين ذلك مراد بك داخله الرعب و ولى منهزماً و وصلت الأخبار بذلك إلى مصر فاشتد إنزعاج الناس و ركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق و حضر الباشا و العلماء و رؤوس الناس فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا و يتولى الإقامة ببولاق إبراهيم بك و مماليكه و قد كانت العلماء عند توجه مراد بك تجتمع بالأزهر كل يوم و يقرءون البخاري و غيره من الدعوات و كذلك مشايخ فقراء الأحمدية و الرفاعية و البراهمة و القادرية و السعدية و غيرهم من الطوائف و يعملون لهم مجالس بالأزهر و كذلك أطفال المكاتب و يذكرون الاسم اللطيف و غير من وفي يوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر إنبابة و شرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشتيل…).

أذكر قبل فترة أن شاهدت في التلفاز رئيساً سابقاً لجامعة الأزهر يشيد بالبخاري ويثني على قادة الأسطول التركي الذين كانوا يخصصون قارئاً للكتاب(!!) في كل سفينة من سفن الأسطول.

الصراع الدائر إذاً حول صحة البخاري المطلقة و الجهد الأسطوري المزعوم الذي بذله الرجل في تمحيص الأسانيد في جانب منها هي طنطنة فارغة و لا معنى لها لأن أحداً من فقهاء المذاهب لم يستند إلى هذه الكتب في تصحيح مذهبه بل إعتمد ما صح عنده من روايات و لا شك أن هذا الاعتماد و الإستناد كان انعكاساً للمناخ الفكري و السياسي السائد في هذا العصر.

الجانب الآخر من المعركة يتعلق بفقهاء الصدفة و خطباء المنابر الندابين الذين ملأوا الساحة ضجيجا و عجيجا ملأ للفراغ و كسرا لحالة الصمت التي كان المسلمون سيعانون منها لو لم يجد هؤلاء الخطباء ما يقولونه أثناء الفترة المقررة للخطبة أو للدرس و لا بد من قطع هذه المدة بآية أو آيتين أو رواية أو روايتين و حبذا و ألف حبذا لو قال الخطيب (جاء في الصحيح) فيطمئن جمهور السميعة بأن كل شيء على ما يرام و أن الخطيب لا يأتي بشيء من عنده و طبعا ليس هذا هو حال كل الخطباء.

فالبعض يمارس مهمته (سماعي) فينقل ما سمعه عن آبائه الأولين مثل قصة (ساق عروة بن الزبير) و (تفاحة والد أبي حنيفة النعمان) و المهم هو إستحسان المتابعين لخطبة يوم الجمعة!! أما فقهاء الصدفة من أمثال مفتي رضاع الكبير الذي وقع في شر أعماله عندما أطلق هذه الفتوى إعتماداً على ورودها في (كتب الصحاح) فكان أن طرد من وظيفته لأنه لم يكن يعرف أن أحداً من الفقهاء الأربعة لم يعتمد على الشيخ البخاري و لا الشيخ مسلم بن الحجاج فيما قدمه للناس من فقه و أحكام!!

و لأن الجاهل عدو نفسه فقد ضاع الرجل و لم يدافع عنه أحد و لا حتى الرئيس السابق لجامعة الأزهر فالبخاري يصلح فقط لمحاربة الفرنسيين (و عنقلة اللصوص) لكن لا يمكن إستخراج الأحكام الفقهية منه بصورته الراهنة مهما قيل عن قداسته!!

(الصحاح) بين التكذيب المطلق و التصحيح المطلق

يحتاج كل من يناقش هذه القضية لأن يوضح موقفه من هذا التراث الضخم منذ البدء حتى لا يقال أن فلانا يقول بالتكذيب المطلق لهذه الكتب ثم يتدحرج الإتهام ليصبح إنكارا للسنة النبوية المشرفة حسب زعم من يؤمنون بقداسة البخاري (قاهر الفرنسيس) و الملجأ و المفزع في الملمات و يترتب على ذلك أن منكر البخاري منكر للسنة النبوية و منكر السنة كافر إلى آخر هذا الهراء الذي إحترفه شيوخ الجمود و التحجر المسئولون عن أغلب مصائب هذه الأمة و أحد أهم أسباب تخلفها و وقوعها في براثن اللصوص و الإنجليز و الفرنسيس و أمريكا و إسرائيل و الديكتاتورية و الإرهاب.

إنه الثالوث المشئوم: الإرهاب و التبعية للغرب و الديكتاتورية التي أنتجها رموز التخلف و تجميد العقل بإسم الدين و الدين منهم و من جمودهم براء.

نحن لا نقول بالتكذيب المطلق لهذا التراث و لكننا نؤمن بما قاله الإمام علي بن أبي طالب و هو ما سنستعرضه بعد برهة و جيزة في هذا الكتاب.

القضية الكبرى أن القوم قد وضعوا مجموعة من الضوابط و الأسس التي لم يلتزموا بها للحظة واحدة فكانوا كمن سبقهم من الأمم الذين يقولون ما لا يفعلون.

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) .

أما لماذا نناقش نحن هذه القضية رغم أننا ممن يؤمنون بمدرسة أهل البيت و فقههم و منهجهم و أن في هذا الفقه و المنهج غنى عن تسول العلم و الفقه و المعرفة على طريقة الباعة الجائلين كما سنوضح في هذا البحث؟!

السبب في ذلك هو الرغبة في إزالة هذه الغشاوة التي وضعها تجار الدين القدامى والمحدثون على أعين جمهورهم المضلل ليتمكنوا من سوقهم حيث شاءوا و كيفما شاءوا و شاء لهم الهوى السلطوي أو التطلع الخوراجي المهلك و المضل!!.

الكتاب و العترة أم الكتاب و السنة؟!

روى القوم في صحاحهم تلك الأحاديث التي تحض المسلمين على إتباع القرآن و العترة النبوية الطاهرة.

روى الحاكم في المستدرك:

[ 4576 ] حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الحنظلي ببغداد ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ثنا يحيى بن حماد و حدثني أبو بكر محمد بن بالويه و أبو بكر أحمد بن جعفر البزار قالا ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن حماد و ثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارا ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ثنا خلف بن سالم المخرمي ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش قال ثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضى الله تعالى عنه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من حجة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن فقال كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ثم قال إن الله عز و جل مولاي و أنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي رضى الله تعالى عنه فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و ذكر الحديث بطوله هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه بطوله شاهده حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما.

أما رواية الغدير فقد جمع الشيخ الأميني عليه رحمة الله من رواها من الصحابة في كتب أهل السنة فبلغ عددهم أكثر من مائة صحابي أي أنها إحدى الروايات القليلة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه و آله و لولا ذلك لأخفاها القوم وما إستطاعوا إثباتها في كتبهم.

الإلتزام بالكتاب و السنة لم يكن له معنى و لا مدلول تطبيقي في البدايات الأولى للتاريخ الإسلامي يوم لم يكن هناك بخاري و لا مسلم حيث كان المسلمون في هذا الوقت مضطرون للرجوع لمن يعطيهم الفتوى الجاهزة: إفعل و لا تفعل، حلال أو حرام، في حين كان للوصية النبوية بإلتزام الكتاب و العترة النبوية الطاهرة دلالة تطبيقية واضحة.

كان الناس مضطرون للعودة إلى (الكتاب والمفتين) بدلا من (الكتاب و العترة الطاهرة) الذين قام بعضهم بدور غير مشكور في مؤازرة السلطة الأموية الغاشمة الظالمة المتجاوزة على حقوق المسلمين و أولهم أهل بيت النبوة و لو لم يكن الأمر كذلك لما ظهر أمثال ابن شهاب الزهري و عروة و عكرمة و جرى تقديمهم للناس بإعتبارهم فقهاء الأمة و ليس مجرد نقلة للآثار النبوية كما يتوهم البسطاء و السذج الآن.

و في حين أقصي عن الميدان علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين سادة المسلمين جرى إفساح المجال أمام هؤلاء الأشباه الذين سنعرض سيرتهم المليئة بالانحراف و التجاوزات على دين الله في هذا الكتاب.

مرة أخرى نؤكد على أننا لا نكذب القوم جملة و لا نصفهم كلهم بالكذب و الخيانة لأن الضغوط الأموية العباسية الإرهابية على المجتمع الإسلامي و من ضمنه الرواة و المحدثون أجبرت الكثير منهم على لزوم الصمت و عدم البوح بما يعلمونه.

لا أظن أن القوم بوسعهم إنكار ما قاله أبو هريرة في معرض تبريره لكتمان بعض ما يعلمه و النقل للبخاري: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ‏.‏

أي أن أبا هريرة كان يخاف من قطع بلعومه لو باح بكل ما يعرف و يعرفه غيره من فضائح بني أمية و وصايا رسول الله المتواترة في فضل أهل البيت عليهم السلام و الوصية بإتباعهم.

عامر محمود مصر

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

3 تعليقات

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق