نوم بلا أدنى راحة

نوم بلا أدنى راحة

لمحت بطرف عيني ساعة الحائط، التي كانت تشير عقاربها، إلى ما بعد منتصف الليل بربع الساعة تقريباً، أطفأت معظم أنوار المنزل، وشربت شربة ماء باردة،  ثم اتجهت بخطوات يغلبها النعاس والإرهاق إلى غرفتي، ولأنني أحفظ الأبعاد والمسافات داخل غرفتي، فقمت بإغلاق الباب خلفي بهدوء، واعتمدت على ما يختزنه عقلي من خطوات واتجاهات، لكي أصل إلى السرير، وقد كان، فوصلت وارتقيت وتمددت، ساعدني السكون حولي على استرخاء أعصابي، استدرت على جانبي الأيمن، وأنا أتمتم ببعض الأدعية وأذكار ما قبل النوم، انتهيت منها وأنا أرد نفسي مرة أخرى، لأتمدد على ظهري مغمض العينين، ومن خلف جفني المغمضين، خيل إلي أني أرى ومضات تظهر وتختفي، أضواء صغيرة ضعيفة تتلألأ بسرعة، تتلاحق الومضات تباعاً وأراها تمر أمام عيني، مع أن الظلام يخيم على الغرفة، واللون الداكن هو السيد في الداخل وكذلك بالخارج، عتمة الليل هي الحاكم المطلق في مملكة ما بعد الغروب، ومضات ومضات، أشكال سريعة تتوالى بسرعة، هي أشكال هندسية على أنماط عدة، مربعات ونجوم سداسية الشكل, تدور حول محورها وتلف حول بعضها داخل جفني, وبالخارج ظلام أسود شديد, والأشكال البيضاء المضيئة تحاصرني, تضوي أمام عيني وأنا مغمض العينين، تمر من اليمين إلى الشمال وكأنها تداعبني، فتحمل النوم على أطرافها، وحين تلقيه على جفوني، تسبقني وتلتقطه مرة أخرى، وتبعد شيئاً فشيئاً حتى أظنها اختفت،  فتقترب رويداً  رويداً  وتومض في تتابع مدهش، فلا أهرب منها فأنام، ولا تبتلعني بداخلها فتقضي علي، وأنا مستلق على سريري، أنشد الراحة والنوم.

فتحت عيني فجأة، ففاجأني الظلام حولي، اللون الداكن هو اليقين الذي أراه، أو لكي أتحرى الدقة، هو ما لا أراه، حتى ألفت عيني الظلام, فتململت في مرقدي هذا، أحسست بحرارة جسدي تضفي لمحة ساخنة لهذه الليلة، حتى أن الضجر بدأ يتسلل إلى نفسي، فأنا برغم تعبي لا أستطيع النوم، وزفرت زفرة قوية، أخرجت معها بعض من شحنة الغضب المكتوم بداخلي، ويا ويل من يريد الراحة ولا يجدها، أو ينشد النوم والسكينة فلا يلقاهما، تحركت على جانبي الأيسر، وأنا أعدل من وضع رأسي حتى أجد مكاناً  بارداً  على الوسادة، لعلها تضيف إلي نفسي لمسة من الراحة، في وقت يعاندني فيه النوم، أبت اليقظة أن تفارقني، بل وتمادت في استعراض القوة خاصتها، فتحدت عقلي وأخذت تعرض على شاشة ذهني، مشاهد وأفكار عدة، يكفي كل منظر من المناظر، أو مشهد من المشاهد، أن يقصيني عن جزيرة النوم فيغرقني في يم الانتباه، وأخذت تستدعي الذكريات البعيدة والدانية، ومشاهد ليومي وأمسي، صوت ضحكات أطفال، لعلني واحد منهم، خيالات تجري وراء بعضها البعض، مشهد تجمع حشد من الشباب، وأرى نفسي بينهم، صورة متداخلة ومركبات تسير، وأشخاص تتحرك في جميع الاتجاهات، منظر لمكان دراستي، وبعض لمحات لموقف أخجل من مجرد تذكره، عملي وزملائي وعملائي وطموحي، تخيل لغدٍ ومنصب أحلم به، ومجتمع ناضج نظيف حضاري التعامل، مستوى اجتماعي وأطفال تلهو وبيئة نقية، و... كفى، كفى، ما هذا الانتباه، وأي ارهاق هذا الذي ظننتني أشعر به، أي نوم هذا الذي اعتقدت خطأ، أنه قاب قوسين أو أدنى من جفوني، فسمعت ضحكة منتصرة شامتة، ضحكة ساخرة يتردد صداها داخلي، ضحكة يقظتي التي غلبت نومي.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
من فضلك.. صالحني

أيقنت بما لا يدع مجالاً  للشك، أن هذا لا يحدث صدفة، مثل أي شىء في المنظومة، ومثل أي شئ حولنا في هذا الكون ليس صدفة، هو أمر مرتب ترتيب منطقي، فتمهلت قليلاً، وأمرت ذهني بأن يصفى، ويعطيني تصوراً  من دون مسحة الخيال، فقط تحليلاً  عاقلاً  لما مر بي في هذه الليلة، فكان أول ما أنبأني به، ضغوط خارجية طبيعية أو غير طبيعية، تؤدي بي لسبيل ربما لا أريد أن أسلكه الآن، وهذا هو الارهاق أو رغبة النوم، فرفعت سبابتي وابهامي احك ذقني في شرود وتأمل وقد أدهشني ما سمعته للتو، فأكمل ذهني بهدوء، ثم باختيارك رضيت بواقعك معتمداً  على مهارتك وخبراتك السابقة فلم تطمح للمزيد، اها.. تذكرت حينها أنني رضيت بالظلام ومشيت فيه، فسكت ورفعت كفي كله ووضعته على جبهتي وتمنيت أن يصمت ذهني عند هذا الحد، ولكنه أضاف ثم ظننت أنه بمجرد إغماض عينك سترتاح، ولكن حلت عليك لعنة إغماض عينك، بضعف ما كنت ستواجهه دون ذلك، فسرحت في هذا الكلام وتهادى جفناي في هدوء، وكأني استسلم فقد كفاني ما سمعت، ولكن ذهني أجهز على البقية الباقية مني، وذكرني بأنني وإن تململت وتقلبت فما زلت بمكاني، حتى وإن فتحت عيني فلا أرى شيئاً واحداً  بصورة كاملة , مجرد أجزاء وأشلاء بقايا تصورات وطموحات، أعجز حتى عن إتمام رؤيتها فكيف لي بتحقيقها، ولم يجد ذهني مني أي جواب، فقد غافلت يقظتي، ونمت..نمت..

صلاح عبد الله الباشا - الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليق
مضمنة المرتدة
عرض جميع التعليقات
0
أحب أفكارك ، يرجى التعليق.x
()
x