من منا بلا معصية

بقلم/
مصر : ۵-۸-۲۰۱۰ - ۳:۰۰ م - نشر

من منا بلا معصيةكثرت في الآونة الأخيرة القنوات و البرامج التليفزيونية و برامج "التوك شو" أي برامج الكلام و الصحف المختلفة و أصبح الأمر أشبه بثورة في شتى مجالات الإعلام  و أصبح الخبر من السهل معرفته فور حدوثه.

أصبح مفهوم القرية الصغيرة واضحاً و أصبحت البرامج تتنافس في نقل الأخبار بسرعة و دقة و كم سعدنا و نحن نرى ذلك الكم من التنافس من القنوات و البرامج المختلفة لنقل الخبر إلى مجموع المشاهدين.

و لكن فجأة أصبحت تلك القنوات تحيد عن الطريق و تبحث و تفتش عن أخطاء الآخرين و حياتهم الشخصية و اقتحامها و عرضها على المشاهدين الذين تحولوا في يوم و ليلة إلى إناس يستمتعون بفضائح الآخرين و يتربصون لمعرفة أسرارهم و أسرار حياتهم الشخصية.

أصبحنا أناس تستفيق من نومها على معصية أو ذنب أو فضيحة و نهرول لمتابعتها و التجول عبر القنوات لمعرفة المزيد و المزيد و كأننا مصاصي دماء لا نشبع من فضائح و هفوات الآخرين.

و أصبح السبق الصحفي و الاعلامى اليوم هو تتبع أخطاء الآخرين و إقتحام حياتهم الشخصية و أصبحنا جميعاً حكام و أنبياء نحكم عليهم و ندين جرمهم و لا نلتمس لهم عذراً أو حتى نتوارى خجلاً من التحدث عنهم و كأننا ملائكة أو أنبياء معصومون من الخطأ.

أصبحنا شعوباً تجلس لتتبع عورات الآخرين و نسينا عوراتنا و أخطاءنا نسينا أننا جميعاً محملين بالمعاصي و الأخطاء نسينا أن نلوم أنفسنا قبل إن نلوم الآخرين و أن نحاسب أنفسنا قبل إن نحاسب الآخرين.

أصبح كل منا يمسك بحجر ليقذفه على الأخر و نسينا أن من يقذف الحجر يجب أن يكون بلا أخطاء فنظهر للناس في صورة ملائكة وقد يكون بداخلنا شياطين أو قل قد تخجل الشياطين على ما نفعله مع أنفسنا في الخفاء لأننا بداخلنا ذلك النفاق الديني الذي نتستر خلفه وقد يدعى الشرف من لا يعرفه و ينادى بالأمانه و قد ضيعها ويظهر التمسك بالأخلاق من هو أبعد الناس عنها.

عندما قرأت خبر قتل مذيع لزوجته إعتبرت أنه خبر مثله مثل أي خبر لا نملك إلا أن ننتظر و نرى الحكم من القاضي، كان علينا أن ننتظر الحكم للعبرة دون البحث عن المزيد، و لكن وسائل الإعلام المختلفة رأت أنه مادة دسمة و خصوصاً حياته الشخصية، فتبارت وسائل الإعلام المختلفة و توالت الإنفرادات و نشر المذكرات و تفاصيل الحياة الشخصية الخاصة بالقاتل و المقتول و تفاصيل تخدش الحياء و المشاهد لا يتوارى خجلاً و هو يبحث و يقلب صفحات الصحف و قنوات التلفاز للبحث عن المزيد و المزيد من الأسرار و كلما زاد شغف المشاهدين في الإستمتاع بتفاصيل أكثر خصوصية كلما زاد شغف وسائل الأعلام لإرضاء ظمأ المشاهد حتى أصبحت العلاقة بين المشاهد و التلفاز مثل العلاقة بين المدمن و تاجر المخدرات، فالإعلام يوفر المادة الخاصة للمشاهد حتى يروى عطشه من الفضيحة، ثم إنتقلنا إلى مرحلة أن نكون قضاه أو حكام و كل شخص وقف على المنصة ليحكم و يدين و يستنكر و يتحدث عن الشرف و الأمانه و نسينا أنفسنا، نسينا أنه قبل أن يخطئ فأننا أخطئنا عندما تتبعنا عورات الآخرين.

تناسينا أننا عصاه لأننا لا نتوارى خجلاً و نحن نتحدث عن أسرار و عورات الآخرين أصبح كل منا جلاداً يجلد و يمزق. إنني أقف كثيراً و أسأل نفسي ماذا سيفيد المشاهد و هو يتابع التفاصيل الدقيقة للحياة الشخصية للقاتل و المقتول، تلك الحياة التي أخفاها الله وسترها و اليوم نكشف ستر الله عنها و نلتهم ذلك الستر الذي انزله الله عليهم. إن الشعوب العربية اليوم شعوب تغيرت لديها مفاهيم الأخلاق و نسينا أن من يتتبع عورات الآخرين فإن الإخرين سيتتبعون عوراته و يفضح في الدنيا ثم يوم القيامة.

أصبحنا شعوباً لا تحاسب أنفسها و لكن تقف لتحاسب الآخرين على أخطاءهم. سرنا في طريق الإنحدار لأننا إذا أردنا يوماً التقدم فعلينا بمحاسبة أنفسنا قبل أن نحاسب الآخرين و إذا أردنا يوماً السمو و الرفعة فعلينا أن نعترف باخطاءنا و لا نخجل منها.

ذات يوم سالت صديقه ألمانية عن سر تقدم ألمانيا و تأخر الشعوب العربية من وجهة نظرها على الرغم من عدم وجود فارق سواء بدني أو إقتصادي بل قد نتميز نحن عنهم في كثير من الفوارق، فصمتت لحظه لتفكر ثم قالت لي إن الفرق بيننا و بينكم أننا نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الآخرون، و أنتم تحاسبون الآخرين قبل أن تحاسبوا أنفسكم، و أننا نعترف بأخطاءنا و نحاول أن نصلحها، و أنتم لا تعترفون بأخطاءكم و تظنون أنكم شعوب لا تخطيء أبداً.

نعم لقد صدقت فيما قالته، و لنسأل أنفسنا، كم مرة وقفنا نحاسب أنفسنا؟ ستجد الكثير يقول و لا مرة، و أما الكارثة الأكبر، كم مرة حاسبنا الآخرين على أخطاء قد اقترفنا مثلها يوما ً ما؟ بل سنزيد أكثر و نحن ننصح الآخرين كيف يتجنبوا تلك الأخطاء و كيف لا يقعوا في براثنها و يأتي المساء و نحن نسير في خطاها و على درب خطايانا.

اليوم سأقف مثل ما وقف الرسول عيسى عليه السلام مخاطباً البشرية و أقول من كان منكم بلا خطيئة فليقذفها بحجر، نعم فليقذفها بحجر و ننظر كم فرد سيقذف بالحجر؟

علينا أن نقف لنحاسب أنفسنا قبل محاسبة الآخرين، و أن نهتم بما ينفعنا و لا ننساق مثل الكواسر و هى تنهش في أجساد الآخرين، علينا أن نترك لكل منا حياته الشخصية يفعل فيها كيفما يشاء، لأن القاضي ليس نحن بل هو رب العالمين، أما إذا ما اخطأ في حق المجتمع و الآخرين، فمن حقنا أن نحاسبه دون الخوض في التفاصيل، دون تتبع العورات و كشف ستر الله علينا.

علينا اليوم أن نصحح إعلامنا و أن نهتم بقضايانا و شئوننا بدلاً من أن ننشغل بسرد تفاصيل حياة الآخرين على الإعلام. علينا الإهتمام بمشاكلنا الحقيقة بمشاكل التعليم و الصحة و إنحدار الأخلاق و الرشوة و الفساد و الكثير فإن الجعبة مليئة بالمشاكل و الهموم بدلاً من تتبع عورات الآخرين و لن يتحقق ذلك إلا إذا ما شعر الإعلام أننا لا نهتم إلا بمشاكلنا و قضايانا العامة و ليست الخاصة.

كريم صابر الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق