اليمن و القاعدة.. إلى أين؟

بقلم/
مصر : ۲۲-٦-۲۰۱۰ - ۵:۵۵ ص - نشر

اليمن و القاعدة.. إلى أين؟إعتقلت السلطات اليمنية الأحد الماضي 20ـ6ـ2010 قائد المجموعة التي هاجمت مبنى المخابرات يوم السبت في عدن و قتلت أحد عشر شخصاً وأصيب العشرات. و قالت مصادر أمنية يمنية: "إن أجهزة الأمن بمحافظة عدن، جنوب اليمن، تمكنت من إلقاء القبض على زعيم العصابة الإرهابية المنفذة للهجوم الذي تعرض له مبنى الأمن السياسي". و أضافت إن "العقل المدبر" للعملية الإرهابية الذي قبض عليه هو غودل محمد صالح ناجي و "ينتمي للجماعات الإرهابية"، في إشارة على ما يبدو لتنظيم القاعدة.

و يقول خبراء يمنيون في شؤون التنظيم إن الهجمات الأخيرة إنطوت على رسالة إلى صنعاء عن قدرة التنظيم على خرق الحصار الذي يفرضه الجيش على معاقله في مأرب و نقل معركته إلى مراكز المدن بهجمات إستهدفت مقرات أمنية بالغة الحساسية و تتسم بقدر كبير من الحماية.

لكن مسئولين محليين في محافظة مأرب (شمال) أكدوا أن الهجمات "عكست مدى التضييق الذي تعرضت له خلايا الجناح اليمني لـتنظيم القاعدة في مأرب و التي كانت حتى وقت قريب من أهم معاقلهم"، مشيرين بذلك إلى دعوة التنظيم زعماء القبائل إلى أن يحذوا حذو القبائل الأفغانية في التصدي "للحملات الصليبية" فضلاً عن دعوته شباب القبائل إلى الانتقام من زعماء القبائل الذين يوالون الحكومة و التي كشفت أن الضربات الحكومية على معاقلهم كانت قوية و حققت أهدافها في تدمير العديد من خلايا التنظيم و معسكراته التي ظلت تدرب العديد من الانتحاريين الشباب خلال الفترة الماضية.

و رغم تأكيدات المسئولين اليمنيين أن "الأوضاع لا تزال تحت السيطرة"، إلا أن خبراء توقعوا أن يشن التنظيم الأصولي المزيد من الهجمات إستناداً إلى التهديدات الأخيرة التي توعد فيها بالرد العنيف حيال الهجمات التي تعرض لها في محافظة مأرب، و أكدوا أهمية أن تأخذ صنعاء هذه التهديدات على محمل الجد.

و في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، رجحت مصادر أمنية يمنية وقوف ما يسمى بتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب وراءه، و فسرت: "لا يساورنا أدنى ارتياب أن الهجوم الإرهابي يحمل بصمات تنظيم القاعدة لجهة الهدف الذي كان يسعى للوصول إليه، و الأسلوب الإجرامي الذي استخدمه المهاجمون".

و يأتي الهجوم قبل أقل من أربع و عشرين ساعة على ظهور تسجيل صوتي منسوب لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب يدعو فيه القبائل اليمنية إلى عدم تسليم أي من أبنائها إلى السلطات الأمنية، متوعدا بتنفيذ مزيد من الهجمات.

و يقول مراقبون إنه في حال اتضح فعلا أن "القاعدة" ضالعة في الهجوم و إنه رد فعل إنتقامي لما جرى في مأرب من عمليات سقط فيها مدنيون، فإن "القاعدة" هدفت من بيانها التحريضي لقبائل مأرب في شرق البلاد، عبر التسجيل المذكور آنفاً، إلى أن تسلط أجهزة الأمن أنظارها على مأرب و ترخي قبضتها في جنوب البلاد الذي شهدت عدن حاضرته هجوم الأمس.

و في هذه الأثناء، قالت مصادر يمنية في تصريحات صحفية ان الهجوم كان مركزاً و مخططاً له مسبقاً، و أن المهاجمين ربما حصلوا على معلومات دقيقة و مهمة عن مواقع دوريات الحراسة و نقاط الضعف فيها بالإضافة إلى خرائط حول مداخل المبنى و مخارجه و توقيت نقل الموقوفين من السجن المركزي في عدن إلى سجن التوقيف في المبنى، و هو المكان الذي تم إقتحامه و إطلاق سراح بعض من فيه، مما يعني تواطؤاً داخلياً. و لم تُسقط المصادر نظرية ان يكون الهجوم تم لحظة تواجد المعتقلين في الساحة الداخلية للمبنى تمهيداً لإعادتهم إلى السجن المركزي بعد إنتهاء التحقيق معهم خلال ساعات الليل. و أشارت المصادر إلى أن المهاجمين استخدموا قوة نارية كثيفة على مواقع تمركز جنود الحراسة ليتمكنوا من السيطرة على المبنى الذي يقع إلى جانب مبنى الإذاعة و التلفزيون المحلي في عدن من جهة الشرق و مبنى إدارة المواني العامة و نادي الميناء الرياضي من جهة الغرب و ساحل البحر شمالاً و حديقة فيكتوريا جنوباً.

و كانت الأجهزة الامنية في عدن تلقت تهديداً قبل يومين من القاعدة بمهاجمة مواقع مهمة إذا لم يتم إطلاق أحد عناصر التنظيم. و شهدت عدن بعد العملية إجراءات أمنية مكثفة، و تواصل دوريات أمنية متخصصة في مكافحة "الإرهاب" عمليات البحث و الملاحقة فيما فتحت اللجنة الأمنية اليمنية العليا تحقيقاً حول العملية و أخضعت عدداً من كبار ضباط الأمن و الاستخبارات للتحقيق.

من جهة أخرى تحدثت مصادر محلية في مدينة جعار في محافظة أبين "جنوب اليمن" عن قيام عدد من المجهولين الملثمين يستقلون درجات نارية بعمليات إغتيال تستهدف ضباطاً في أجهزة الأمن في مبان و نقاط تفتيش أمنية في المدينة قبل فرارهم. و قالت المصادر أن ثلاثة ضباط أغتيلوا بعد ساعات من الهجوم على مبنى الاستخبارات في عدن و في أماكن متفرقة في مدينة جعار التي تشهد إنتشاراً كبيراً لمسلحي ما يسمى بجماعات "الحراك الجنوبي" المناوئة للدولة بالإضافة إلى تواجد ملحوظ لعناصر تنتمي لتنظيم "القاعدة" في مناطق عدة من محافظة أبين.

و بعد خبر الهجوم على مكتب سجن الاستخبارات اليمنية في عدن، زاد النقاش وسط المسئولين في واشنطن عن إستراتيجية التعاون مع حكومة اليمن في الحرب ضد الإرهاب. و بينما إقترح مسئولون في مكتب الأمن القومي في البيت الأبيض الإنصياع لقرار محكمة أميركية بإعادة يمنيين معتقلين في سجن "جوانتانامو باى" إلى وطنهم، حذر آخرون بأنهم سينضمون إلى الإرهابيين هناك. و أن اليمن يتحول تدريجيا إلى ساحة حرب جديدة شاملة ضد الإرهاب، خصوصا بعد زيادة نشاط أميركيين عرب و مسلمين كانوا في اليمن أو ما زالوا هناك.

و قالت مصادر أميركية عن الهجوم في عدن، أمس: "يزيد الهجوم الجريء على سجن الاستخبارات التحديات ضد الحكومة اليمنية التي تدعمها الحكومة الأميركية، وهي تواجه نشاطات متزايدة من عناصر تابعة لتنظيم القاعدة". وأضافت: "أيضا، يزيد قلق المسؤولين الأميركيين بأن اليمن سيكون ساحة حرب كبيرة ضد الإرهاب. ويزيد مقاتلون تابعون لتنظيم القاعدة نشاطاتهم هناك، ومنهم مواطنون أميركيون يتدربون في مناطق شاسعة من اليمن لا يسود فيها حكم القانون".

و قالت صحيفة "واشنطن بوست"، إن إستراتيجية أوباما نحو اليمن تعقدت مؤخرا بسبب قرار أصدرته محكمة فيدرالية بالسماح ليمنيين معتقلين في سجن جوانتانامو بالعودة إلى اليمن. و قالت الصحيفة إن مسئولين أميركيين يخشون أن قرار المحكمة يفتح الباب أمام إطلاق سراح بقية اليمنيين في سجن جوانتانامو. و أن المسئولين يعتمدون على أرقام أوضحت أن كثيراً من الذين يطلق سراحهم يعودون إلى العمل الإرهابيى، و أن اليمن صارت مركزاً لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

من جهة اخرى، أكد الباحث اليمني في شؤون الإرهاب سعيد الجمحي أن الهجوم الأخير على مبنى جهاز الاستخبارات في مدينة عدن لا يحمل بصمات تنظيم "القاعدة" فحسب "و إنما ختمه وتوقيعه". و قال إن العملية جاءت لتقول إن تنظيم القاعدة قادر على الوصول إلى أقوى و أبعد الأماكن التي ليست في حساب السلطة، مشيراً إلى أنها تأتي في إطار إستراتيجية القاعدة متعددة الدرجات التي تستهدف في المقام الأول كافة المصالح الأجنبية في اليمن.

و يرى المحلل السياسي اليمني سعيد ثابت، أن إقتحام مبنى الاستخبارات بعد 48 ساعة فقط من إعلان وزارة الداخلية عن فرار عناصر التنظيم في مأرب إلى محافظات مجاورة "أمر يدعو للغرابة". و أردف: "هي أتت أيضاً بعد اغتيال العقيد عبدالله الثريا مدير الأمن السياسي في مديريتي المعلا و التواهي في عدن». و يقول ثابت إن "الهدف الأساسي لهذه العملية هو إحداث صدمة و هزة عنيفة في السلطة و من ثم إثبات وجود التنظيم كرد على ما تقوله السلطة من أنها نجحت في تحجيمه و تجفيف منابعه". و أردف القول أن "ثالث أهداف العملية، هو تنفيذ تهديداته بالانتقام لضحايا الضربات الأمنية التي تعرض لها مؤخرا و خاصة الضربات الجوية الأخيرة".

الخبير اليمني في قضايا القاعدة عبد الإله حيدر شائع قال أن القبائل في مأرب عندما تدافع عن عناصر القاعدة إنما تدافع عن أبنائها، على الرغم من أن بعضهم أصبحوا معروفين بإنتمائهم لتنظيم القاعدة. و قال إن القبائل في مأرب والمناطق المجاورة لها تنطلق في دفاعها عن عناصر القاعدة من ثلاث منطلقات أولها الولاء الديني، و ثانيها ولاء عصبية القرابة و ثالثها الولاء القبلي، و بالتالي إذا جاءت الدولة تقاتل عناصر القاعدة تقوم القبيلة بالدفاع عنهم و يصعب على السلطات اليمنية و على الأمريكان كسب القبائل هناك ضد عناصر القاعدة.

و كشف حيدر في تصريحات صحفية أن القاعدة لم تعد ضيفاً على القبيلة اليمنية بل أصبحت جزءاً منها، لأن القاعدة نجحت في تجنيد الكثير من أبناء القبائل اليمنية، مشيرا إلى أن الدولة حاولت إدارة البلاد بإثارة الحروب و النزاعات القبلية و تفجير الإحتراب بين القبائل من أجل السيطرة عليها، غير أنها في كل مرة تنكشف سوأتها أمام إنكشاف أدوارها التي تسعى من خلالها و بدفع أمريكي إلى خلق "صحوات قبلية" على غرار صحوات العراق "غير أن البيئة اليمنية تختلف كثيرا عن العراق، حيث أن البيئة اليمنية مفتوحة على الثقافة الدينية و القبلية و العصبية، يصعب إحتواءها أو السيطرة عليها".

إلى ذلك، توقع الباحث عبد الغني الماوري، إزدياد حدة الصراع بين صنعاء و تنظيم القاعدة خلال الفترة القادمة لأن التنظيم سيسعى إلى إثبات وجوده بعد الضربات التي تلقاها مؤخراً في مأرب، وإستسلام عدد من قياداته. و أضاف الماوري لصحيفة "الإتحاد الإماراتية" ستقوم إستراتيجية تنظيم القاعدة خلال هذه الفترة على تنفيذ هجمات إرهابية في محافظات و مدن نائية و بعيدة عن الحكومة المركزية في صنعاء، من أجل تشتيت الضغط الذي يتعرضون له في مأرب التي تأوي عدداً من قيادات التنظيم.

في هذه الأثناء، كشف الشيخ القبلي ناجي عبد العزيز الشايف عن عزمه إطلاق دعوة لتشكيل إئتلاف قبلي يضم زعماء و مشايخ قبائل اليمن للوقوف إلى جانب الحكومة في محاربتها ما يسمى بـ "تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب"، و الذي يتخذ من اليمن منطلقا للإضرار بأمن السعودية و بلاده. و قال الشايف في تصريحات صحفية إن وجود القاعدة في اليمن يشكل تهديدا حقيقيا لأمن اليمن، لهذا فإن محاربة هذا التنظيم و نبذ عناصره تظل مسئولية مشتركة يجب أن يكون للقبيلة دور فيها لأن القاعدة "تنظيم ضال" يتربص بكل فئات الشعب اليمني.

و حذر زعيم قبائل بكيل، من مغبة التستر على عناصر القاعدة في اليمن و إيوائها و توفير الملاذ الآمن لها، مهما كانت صلة تلك العناصر بهذه القبيلة أو تلك، إذ أن أمن اليمن و سلامة مواطنيه فوق كل اعتبار. و حذر قبائل اليمن من دعوات القاعدة لإثارة الفتنة بين القبائل اليمنية في مسعى لإحداث الفوضى في البلاد، مؤكدا أن أمن المملكة خط أحمر، و أن ما يمس الجارة الكبرى يمس اليمن.

و عززت السلطات اليمنية إجراءات الأمن في المنشآت و المرافق الحيوية و في محيط السفارات الغربية في خطوة قالت وزارة الداخلية أن هدفها "منع حدوث أي خرق أمني"، غداة الهجوم الذي شنه الجناح اليمني لتنظيم" القاعدة" على مقر جهاز المخابرات بمحافظة عدن مما أسفر عن مقتل عشرة جنود و ولد في السابعة من عمره، فيما شهدت المحافظات الجنوبية مواجهات واسعة بين مسلحي "الحراك الجنوبي" المطالب بالانفصال و قوات الجيش في محافظتي الضالع و لحج .

و قالت دراسة دولية إن تنظيم القاعدة نجح في تكييف رسالته في اليمن لإستغلال الشكاوى و التظلمات المحلية، رغم أن الجهاد العنيف الذي تدعو إليه القاعدة ليس مقبولاً على نطاق واسع من اليمنيين في هذه المرحلة و أن "ثمة فرصة محدودة لاتخاذ خطوات لتقويض نفوذ القاعدة". و تابعت الدراسة أن التحليل الأولي للأعضاء المعروفين في التنظيم، يفيد بأن اليمنيين يشكّلون 56 في المئة من إجمالي أعضاء "قاعدة شبه جزيرة العرب"، فيما يشكّل السعوديون 37 في المئة، و الأجانب 7 في المئة، و إن اليمنيين مُوَزَّعون بالتساوي بين القبائل الشمالية و الجنوبية.

و ترى الدراسة، التي أعدها الخبير الدولي و الدبلوماسي المتخصص في مكافحة التطرف أليستير هاريس و تعد الثالثة ضمن سلسلة "اليمن: على حافة الهاوية"، أن "الإستراتيجية الفعّالة لمكافحة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يجب أن تحدّد مدى تأثير رسالة التنظيم على اليمنيين، و ترسم السبل التي يجب على مؤسسات الدولة إتباعها لمعالجة الشكاوى الضمنية و الحقيقية أو المُتصوَّرة التي عبّر عنها التنظيم". و أكدت أن التنظيم "يُمثِّل تحدّياً أمنياً إقليمياً و دولياً مُتنامياً، و انه كان بارعا في تكييف تظلّمات المجتمعات المحلية اليمنية مع أطرها التفسيرية لما هو خطأ، و مَن هو المسئول عنه، و ما يجب القيام به الآن". و عما إذا أصبح اليمن ملاذا آمناً للمقاتلين الأجانب، أشارت الدارسة إلى أنه "رغم محدودية عدد أعضاء تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، إلا أن من الضروري فصل خطر التطرّف في اليمن عن جاذبية البلاد كملاذ آمن لعناصر أخرى من تنظيم القاعدة، مما يؤدّي إلى زيادة التهديد الذي يشكله غير اليمنيين الذين ينجذبون إلى اليمن، و من ثم يعودون إلى بلدانهم الأصلية لتنفيذ هجمات".

بدر الشرفي اليمن

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق