الكتاب العربي في السوق الثقافية

الكتاب العربي في السوق الثقافية

الكتاب العربي في السوق الثقافية: بين أزمات التوصّيف وحساسية التطبيق.

لم يتوقف الإنتاج الأدبي العربي يوماً عن التدفق في طريق المجهول وكثر هم المثقفون والكتاب الذين أخرجوا متقنات دونما تخطيط لمستقبل المنتج من شعر أو رواية او كتب أدبية ونقدية وأعني مستقبلها بين أيدي قارئيها وليس مقتنيها، مما يبدو أن الكثير منهم لم يجرؤ على تخيل مسيرة حياة كتابه في زحمة السوق الثقافية وتنوع المستويات وتنافس المادة المرئية مع الكلمة المنسية على أحد السطور وكل ما يواجه الكتاب من أزمات طال الحديث عنها في الآونة الخيرة.

قد يكون الحديث بات قديماً وفقيراً للإضافات ضمن ملف القراءة والكتب وتراجع الثقافة المكتوبة ونوعية الكتب المعروضة للجيل الصاعد أو حتى في تقييم الإبداعات الجديدة لأسماء معروفة لكن الملفت أن ساكناً لم يتحرك وما زلنا مستمرين في تقديم الشكاوي النقدية في الصحف وفي أي ملتقى فكري ثقافي يحاول الترويج للقراءة كمهنة أبدية للبشر وأثناء ذلك ما زال المنتج العربي في تزايد بكافة مستوياته وتصنيفاته وما زال بعض الكتاب يراوح بين عدد من دور النشر دون أن يتيح لنفسه الفرصة بالهروب منها إلى متطلبات الواقع الفكري والثقافي، وتتيح لنا المعطيات هنا بالتساءل عن جدوى تقويض المنتج الجديد وسيسرته باتجاه جمهور محدد؟ أم نبقى على أمل أن يلفت عنوان موجه نظر أحد المارين من أصحاب الخبرة في معارض الكتاب وسيكرر هذا الأخير في قرارة نفسه مراراً بعد تصفح طويل لمضمون الصفحات هل أنا حقاً القارئ المطلوب أو بعبارة أخرى هل يقدم لي هذا المنتج المستوى المطلوب؟ ولعله سيكتفي بالجرعة الخفيفة من الثقافة التي نالها بالإطلاع على الفكرة بشكل عام وليسرع بعده القارئ المقصود في مبادرة جريئة لشراء الكتاب.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الرسام

لطالما كان الإختلاف من حيث تداول الثقافة في البلدان العربية أمراً واقعياً جداً ومفهوما على الرغم من إتسام جميع المثقفين العرب بصفات متشابهة تقريباً إذ أن العادات الثقافية التي تتباين تبعاً لتأثر المثقف بمناخه الإجتماعي والاقتصادي والثقافي السائد تخلق تنوعاً في التفاصيل التي ترسم ملامح الكاتب أو الشاعر وتشق مشواره الأدبي، لكن مع إلتصاق خط سيره بمهنة الإبداع والتي إحترفها العربي ضمن هذه المجلات تترك في السوق الثقافي في جميع الدول العربية منتجاً واحداً لجمهور واحد او هكذا من المفترض أن يكون.

معطيات الواقع اليوم إختارت طريقاً آخر للتعبير عن نفسها من خلال الأرقام، ففي معظم التحقيقات الصحفية التي قصدت دراسة إستراتيجية الكتاب وموقعه اليوم في الخارطة الثقافية أو حتى في مراجعات جرد جذرية لأهم المكتبات الضخمة، تقدم إحصائيات بأرقام كبيرة عن وارد مبيعات الكتب وتعرض جداول موثقة بالمردود الضخم الذي تقدمه كمشروع تجاري، ورب قائل يفرض نظريته بأهمية ما سبق للتعرف على مستقبلية الإنتاج الفكري ودورها في المجتمع المثقف وعندما تقدم الإحصائيات تزايد مضطرد في نسب بيع كتيبات الفلك وتوصيف الأمراض النفسية والأدعية الدينية فأيما ثقافة اليوم التي باتت مشروعاً مربحاً؟

ماتت الأدبيات ومات معها المحرك الشخصي في الكتابة والبحث ولم يتبق سوى هاجس بالمزيد من السطور والكلمات، المزيد من الجداول والأرقام والمزيد من الحظ والأدعية، وجاء هذا النتاج الجديد ليكون مادة رفوف السوق العربية التي تمخضت عن ذلك التنوع في المناخات الثقافية السياسية الإقتصادية مجرد أيقونات توحد تفاصيل إختلاف العادات الثقافية العربية؟

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
اللغة العربية بين مجد سلب ومعاناة متجددة

قد يرى في حديثي بعض النقاد تطرفاً لتيار يوصّف الثقافة العربية في مختلف بلدانها بنظرة متشائمة ويعزيه لمرحلة الحداثة التي لم تحقق مطالبها ولم تجب على أسئلتها، ذلك المفهوم الذي إغتصب الثقافة يوماً فخرجت سلعة مفبركة كمضمونها، ضالة كروادها، إلا أنه بعيد كل البعد عما نحن فيه خاصة وأننا في ما بين أيدينا ننعي ما بعد الحداثة والحداثة نفسها لإستقبال شكل آخرمن أنواع الثقافة، ويجاريني أحدهم فيقول: إن في كتب التاريخ مسرحاً للضائع في أروقة الفراغ وفي الشعر مرتعاً لأصحاب الذوق الغريب والعلوم غاية لذوي التخصص المجهدين والرواية صنعت لفريق الحالمين أما النقد فللمتجلدين على الموهبة، وأين القارئ؟

أصبحنا مطالبين بمثقف قارئ يضمن إستكمال حياة المنتج الفكري خارج خطوط المكتبات المنتصبة، ويتيح للتاريخ والشعر والنقد والرواية والعلوم بممارسة دورها وإعادة هيكلة النسيج الثقافي في شخصية الفرد، أصبحنا مطالبين بجدية القادر على مجاراة الفائض عند فئة إنتاج "المزيد" لإلتهام الغث والسمين مقاوماً الضياع في متاهات التصنيف والتقييم لإستكمال النسيج الثقافي على الصعيد الشخصي، أو أصبحنا مطالبين "بالمسحتيل" ضمن الشروط السابقة ضمن مجتمعنا الحالي الذي يفتقد توصيف المثقف كجامع للقيمة الفكرية الأدبية العلمية مهتماً بتطبيقاتها الفعلية ضمن المعطيات المتوفرة، مقتنيها في شوارع وأحياء المدن كما في أكاديمياتها وقصورها؛ في حين يغيب عن بالنا حتى أن نقونن ذلك "المزيد" الغير مبرر ليكون لدينا متسع من الطاقة لإنتاج المستحيل نفسه والذي سيحل فوضى الإنتاج الفكري العربي. إنه الكتاب العربي في السوق الثقافية: بين أزمات التوصّيف وحساسية التطبيق.

بعد المقال الحالي، أهلاً تقترح:
الوجود والعدم رؤية فلسفية

وهل سنعيش في حلقة مفرغة إذا تساءلنا عن إنتاج المطلب المذكور ضمن مؤهلات مجتمعنا الثقافي والفكري والإجتماعي؟ وهل هي حقاً الطريقة الوحيدة لتنظيم فوضى الكتابة وما يسمى بالإبداع في الإنتاج الفكري الأدبي الثقافي العربي؟ وجهات نظر كثيرة ستختلف في تقديم إجاباتها تبعاً لمواقفها الأدبية وتقييماتها ومستوى ثقافتها، لكني أجد في ذلك باب أمل جديد في الإنتقال لمستوى آخر من الأزمات الثقافية وهو موجودية " الحوار" والذي يؤسس له الكتاب بالدرجة الأولى كأهم مقوماته ويقدم سؤال كهذا محرضاً أساسياً لنموه.

هنادي دوارة - الإمارات

Copyright © 2010 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

[/responsivevoice]

هذا المقال له 6 تعليقات

  1. Avatar
    فادي رافع

    مقال جميل . فعلا نحن بحاجة لمثل هذه المقالات الجميلة.

    1. Avatar
      هنادي دوارة

      شكرا يا أخ فادي وأتمنى أن احظى دائماً باهتمامك

  2. Avatar
    ثابت مبروك

    كلنا فى حاجة الى البحث والتنقيب عن المحرك الشخصى

    1. Avatar
      هنادي دوارة

      صحيح يا أخ ثابت فالمحرك الشخصي هو الأمرالوحيد الذي يحافظ على عجلة التطور مستمرة  شكراً لك  

  3. Avatar
    صبرى المجداوى

    مقال رائع أرجعنا الى عصر الثقافة الادبية ويؤكد أن الكاتب يمتلك ادواته وقادر على ابراز مهاراتبه الكتابية التعبيرية فى جمل مترابطة المعنى، واتمنى ان يستمر الموقع فى نشر مثل تلك الكتابات الهادفة

    1. Avatar
      هنادي دوارة

      يسعدني أن تنال هذه المادة إعجابك شكراً لك 

انشر تعليقك