قصة قصيرة أخرى

بقلم/ كريم السعيدي
مصر : ۲۱-۷-۲۰۱۵ - ۳:۲۵ م - نشر

وصل صوتها الى سمعه أنينا يخرج من تحت انقاض حياتها ذات الخمس والثمانين عاما، تنادي باسمه بخوف وترقب، ومن بين شقوق النوافذ، يبدو ظلام الليل وقد خسر في دفاعه المتراخي المستسلم أمام ضياء الفجر، واصوات العصافير تعلو رويدا، ينادي بعضها بعضا بنداء أكثر أملا.

تمتمَ بحمدٍ وشكرٍ لله على نعمة يوم جديد، وقفز من فراشه ملبيا نداء العجوز، فاستجمع ما تبقى له من قوة في عضلاته المسنة، ودس يديه تحت ظهرها وساقيها، ليحملها بين ذراعيه، كطفلة لم تتعلم بعد فن السير، لتقضي حاجاتها، ولتغتسل، مرددة، بإلحاح، بين الحين والآخر، بصوتها المجروح، رجاء هنا وطلبا هناك. أعد لها قدح قهوتها الصباحية وأشعل لها سيجارتها الأولى وهي تقص عليه، قصصا كانت قد قالتها بالأمس وأمس الأول ومن قبل، عشرات المرات.

اعانها في كل ما طلبت، تارة بصمت، وتارة أخرى بتأفف وضيق، ثم مد لها يده في نهاية الأمر، بأحمر الشفاه، كي ترسم به زينتها المرتجفة على شفتيها المتهاويتين. حملها مرة أخرى بين ذراعيه، يهبط درجًا، متجها لسيارته العتيقة المتجهمة بوقار أمام مدخل بيته. هبطت ذراعاه ببطء وخفة الخبير، يسويها في مكانها ويربط من حول جسدها الضعيف المتهاوي، حزام الأمان.

وانطلقا، يلف بها ويدور في شوارع يوم عطلة تكاد تخلو من البشر، وهي لا تكف عن رواياتها وتفصيل قصص يعرفها عن ظهر قلب. اوقف سيارته امام مقهاها المفضل، فتح أبواب ونوافذ السيارة، وهرول ليأتي لها بقدح من القهوة وفطيرة بالزبد والعسل. تلقت افطارها بأيد مرتعشة، وعلى وجهها فرحة الطفل بحلوى عثر عليها على غير انتظار، تقضم فطيرتها وتشرب قهوتها بمتعة وحبور، وهو ينظر اليها، لا يعرف أي مشاعر تعتمل في كيانه، أيا منها احق بالقول، أيا منها انسب، وأيا منها يجب أن يظل مختنقا فيما بين قلبه وحنجرته. مد يده يأخذ عنها ما تبقى في يدها وهي تبتسم قائلة: تغيرت أشياء كثيرة، منذ أن طردتك من بيتي، يوم أتيت، مستأسدا بفتوتك، تطلب يد ابنتي لتسرقها مني للأبد.

كريم السعيديItaly, Provincia di Viterbo

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

M. Alaadin A. Morsy, Ph.D.

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك