القانون دورة حياة

بقلم/
مصر : ۸-٦-۲۰۱۵ - ۸:۳۸ م - نشر

swiss-courtما الجدوى من قانون لا يتماشى مع تغييرات إجتماعية عميقة؟ ما الجدوى من قانون أثبت فشله مراراً وتكرراً في منع جرائم معينة أو تصرفات مُسيئة؟ ما الجدوى من قانون أصابه الهرم ولكن القضاء يصر على جعله كسوة لتصرفات فتية وجامحة؟

القانون أيضاً له دورة حياة، يبدأ شاباً فتياً ينسجم مع جميع الفئات العمرية ويمكن إلباسه لجرائم أو جنح أو سلوكيات فترة ما، ولكنه لا يلبث أن يتقدم في العمر، ويبدأ سيره بالبطء وربما بالتراجع حيث تتسارع وتيرة الأحداث في المجتمع، ثم قد يدخل في شيخوخة فعلية وتصبح هذه الشيخوخة حالة مستعصية لأنه رغم تطبيقه لا يلبي إحتياجات المجتمع الأمنية والشخصية بل والمادية أيضاً.

وربما يمكن التفكير بأن القانون الذي مر على تشريعه سنوات طويلة يمتلك مقومات الثبات والإلمام بتفاصيل كثيرة، تماماً مثلما نتحدث عن شخص كبير بالسن وحكيم، ولكن حكمة القانون الأولى هي مجارة الزمن والأحداث. نحن بحاجة إلى جرأة كبيرة في إستصدار قوانين فتية شابة تنسجم وتجاري التطورات الإجتماعية والانسانية والمادية.

وربما المجال الأوسع الذي يتطلب إصدار مثل هذه القوانين وبجرأة عالية الكفاءة هو مجال العالم الإلكتروني التكنولوجي، فنحن لا نزال نحاول إسقاط القوانين التقليدية الموضوعية على عالم بصري متحرك متسارع من دقيقة إلى أخرى، لابد أن يكون هناك قناعة كاملة لدى مشرعي القوانين بأن هذا العالم لم يعد خيالياً وأنه أصبح يمس الحياة الواقعية لكل فرد منا، ويترك آثارا عميقة وربما مُدمرة على شرائح واسعة من المجتمع.

كون القانون دورة حياة، هو أن ينبض بهذه الحياة، أن يتواصل مع أفراد المجتمع، أن تكون هناك لجنة تعمل على مدار الساعة لمراقبة ورصد إحتياجات وتغيرات وتناقضات المجتمع.

من ناحية أخرى، في عالمنا المعاصر، لم يعد القانون مجال ينحصر برجال القانون ومحدود الزوايا بغرف المشرعين والقضاة والمحامين، لقد أصبح القانون أكثر إمتداداً وتوسعاً بل وتضخماً، لأنه يمس كل النواحي البشرية سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي. خصوصاً في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وهذا التطور ترك ويترك آثارًا هامة وعميقة على البنية الإجتماعية والسلوكية للجماعة وللفرد. رجل القانون في عالمنا المعاصر لا يجب أن تنحصر حياته في كتبه وقضاياه بل لابد أن يخرج للمجتمع وأن يرصد هذه التغيرات حيث أننا نعاني من قصور كبير في الدراسات الإجتماعية حول التغيرات السلوكية والإجتماعية المتسارعة، لذا لابد لرجل القانون أن يضلع بهذه المهمة رغم أنها ليست من إختصاصه ولكنها تمس كل نص قانوني يقوم بكتابته.

رجل القانون الذي يعترف بأن للقانون دورة حياة وأن له مدة إنتهاء صلاحية، هو رجل يحترم طموحات ومعاناة أفراده ولا يركن للهدوء والدعة لأنه يعلم يأن حيويته الفكرية والقانونية أساس هام في تطور المجتمع.

أهم مثال لدولة أدركت بأن للقانون دورة حياة هي سويسرا، التي تشرع القوانين بكل يوم ثم تعرضها على الإستفتاء العام، رجل القانون هناك على وتيرة متوازية مع التغيرات التي تمر المجتمع.

جمود القانون وهرمه هما إضعاف لتطور المجتمع، بل وقد يكون مدمراً لحقوق افراده حين يعجز عن تلبية إحتياجاتهم المعاصرة. لابد للقانون أن ينتقل من أوراق على المكاتب إلى عنصر فاعل وحيوي متحرك بل ومتنبأ للتغيرات التي تحدث في المجتمع. فالعدالة ليست النص الجامد للقانون بل الروح النابضة بإستشعار معاناة من يلجأ إليها.

سناء ابو شرارHashemite Kingdom of Jordan

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك