تأملات في الحضارة والتحضر

د. عبد القادر حسين ياسين
مصر : ۱۸-۵-۲۰۱۵ - ۷:۱۰ م - نشر

في عالمنا المعاصر أزمة حضارة وأزمة تحضر وكلما ازدادت ونمت مظاهر التقدم تضخمت الأزمات واتسعت رقعاتها وتنوعت أشكالها. وربما كان من الحكمة أن نصل إلى لـُبّ المشكلة في كل ما يطفو على الساحة من شؤون وشجون. إن الدول المتقدمة، أو التي اصطلح على تسميتها بهذا الاسم، تعاني أزمة تخمة سببها ما وصلت إليه من تقدم يعتبر قمة في بعض جوانبه، وإن كانت هذه التخمة لا تتصف بالشمول، أي أن ما وصل إليه العالم المتقدم من نمو ورفاهية لا يمتد مفعوله إلى كل شرائح المجتمعات المتقدمة، وإنما يقتصر في معظمه على إجراء منها تارة تكون أغلبية (السويد) وتارة لا تتعدى الأقلية (بريطانيا).

وللتعمق في شرح أبعاد هذه الفكرة أود أن أشير إلى مقال نشرته صحيفة Die Zeit الألمانية تحت عنوان "الفقراء في أغنى بلد في العالم" ويتناول كاتب المقال "الواجهة الخلفية" للولايات المتحدة الأمريكية بتجاعيدها وأسمالها البالية التي تمثلها طوابير العاطلين عن العمل الذين ينتظرون دورهم في مراكز توزيع "الحساء الشعبي". ويقع أحد أكبر هذه المراكز وراء البيت الابيض في العاصمة واشنطن ولا تفصله عنه سوى أمتار معدودات.

ويستعرض كاتب المقال حالات البؤس والفقر المدقع التي تختفي في إطار "الواجهة الخلفية"، إنه الوجه الآخر لـ"أغنى بلد في العالم"، البلد الذي يعرفه العرب (وغيرهم من شعوب العالم الثالث) من خلال أفلام ومسلسلات "دالاس" و"فالكون كريست" وناطحات السحاب العملاقة.

فالحضارة، مهما نمت وتطورات ووصلت إلى قمتها، لا يمكنها أن تسلم من خلل ومضاعفات أخذت مجتمعات الدول المتقدمة تئن تحت عبئها الثقيل بما في ذلك انحلال أو انفصام عرى الأسرة وانحراف في السلوك الأخلاقي بالإضافة إلى انتشار المخدرات والأمراض النفسية (على اختلاف أنواعها) وما قد يترتب على ذلك من خلل عقلي.

أود أن أقول أن الواجهة البرَّاقة في العالم المتقدم تخفي وراءها الأزمات التي ما فتئت تتخبط فيها الحضارة والمتحضرون.

أما ظاهرة "التحضر" فهي هذه التي تحاول فيها الدول "السائرة في طريق النمو" أن "تتحضر" لتصل الى قمة الحضارة في الدول المتقدمة. ومهمة "التحضر" تتطلب شيئاً يقل أو يزيد، من عنصر المسايرة والتقليد حتى لو كان تقليداً أعمى. وقليلة هي تلك الدول السائرة في طريق "التحضر" التي توفق (بفتح الفاء) في محاكاتها وتقليدها للدول المتقدمة.

ولا غرابة في ذلك، فالمقلدون الذين يكونون في مرحلة "التحضر" يفضلون أن يقلدوا في الامور السهلة والسطحية، معرضين عن الشؤون الصعبة والعميقة، لدى أولئك الذين وصلوا الى "قمة الحضارة" وأخذوا يعانون تخمتها وما تسببه لهم من حالة "إمساك" حضاري سرعان ما ينقلب إلى خلل اجتماعي وإنحلال خلقي كما هو الحال في فرنسا وألمانيا على سبيل المثال.

وقديماً تنبه العلامة عبد الرحمن ابن خلدون إلى هذا الاسلوب في التقليد الأعمى للحضارة؛ فتقليد العرب للحضارة الفارسية وهم في مرحلة "التحضر" كانت له عواقب خطيرة على وضعهم الاجتماعي.. وتمشياً مع هذه القاعدة في التقليد، فإن الدول التي تجتاز مرحلة "التحضر" وتختار الأسهل والسطحي يظل وصف "التحضر" فيها مجرد تخلف لا يمكن للمظاهر البراقة أن تخفي معالمه الهزيلة التي تحاول التستر على نفسها بكمية ضخمة من الكماليات من السكن الفسيح إلى السيجار الرفيع.

وبما أن العطار لا يستطيع بعقاقيره أن يـُصلح ما أفسده الدهر في وجه الإنسان، فكذلك المظاهر البراقة في المجتمعات "السائرة في طريق التحضر" لا تملك القدرة مهما بذلت من جهود على قلب الحقائق الثابتة والراسخة.

وبناء على ما سبق ذكره فإن الدول ذات "الإشعاع" الحضاري التي تقضي الأعراف العصرية بوصولها إلى قمة الحضارة ما تزال تعاني، هي الأخرى، من آفات اجتماعية تنخر كيانها، وإن كان ذلك في شىء من البطء. إلا أن الواجهة العريضة الزاخرة بفنون الالكترونيات والأنوار الملونة تستطيع أن تحجب كل تلك الآفات.. في حين أن الدول التي ما تزال في طور "التحضر" والتقليد تظل تعاني فقرها وجهلها ومجاعتها وفساد أنظمتها السياسية وتنازع كبريائها.

إن ما يصعب إخفاءه وراء واجهة صغيرة تزينها زجاجات الويسكي والنبيذ المعتق وعلب السيجار الهافاني الفاخر يقابله أكواخ الصفيح و"مدن القبور" للأكثرية الساحقة من الطبقات المسحوقة.

هنالك، إذن، "قاسم مشترك" كما يقال بين الذين وصلوا إلى "قمة الحضارة" وأولئك الذين ما يزالون يجتازون مراحل "التحضر"، وتتمثل في الخلل الاجتماعي، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة بين الفريقين وبالانحلال الأخلاقي بكل ما يتفرع عنهما من مآسٍ.

ويمكن تشبيه هذا القاسم المشترك بتلك العبارة التي سبق لمجمع اللغة العربية في القاهرة، منذ حوالي ستين عاماً، أن عرَّبَ بها كلمة "ساندويتش" عندما اخترع لها مقابلاً بالعربية الفصحى وهو: "شاطر ومشطور وبينهما كامخ".

أما "الشاطر" فهو هذا العالم الذي اصطلح على وصوله إلى "قمة الحضارة"، وأما "المشطور" فهو هذا العالم الذي لا تكفي واجهته لستر فقره وجهله وجوعه وفساد حكامه، وأما "الكامخ" فإنه يتمثل في العيوب المشتركة فيما بين الفريقين.

 

د. عبد القادر حسين ياسينSweden, Stockholm

كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد

Copyright © 2015 • AHLAN.COM • All Rights Reserved

 

مشاهدة الصور

(تصفح تعليقات الزوار أو أضف تعليق جديد)



مواضيع مرتبطة


أهـــلاً العربية غير مسئولة عن المحتوى أو مصدره أو صحته
كافة المسئولية الأدبية والقانونية عن المحتوى تقع على الكاتب

أهـــــلاً برأيكــم

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي أهـــلاً العربية وإنما تعبر عن رأي كاتب التعليق


أهلاً تويتر أهلاً فيسبوك